لمن الحجة ؟ لمهاجمي الأديب جان دوست أم لجان دوست ؟ .

أحمد عبدالقادر محمود 

عندما يغيب الأخذ بمنظومات المعايير و القواعد والسنن و الأعراف للحكم على الأحداث و المواقف، يُفتح الباب على مصراعيه أمام الاجتهاد و بالتالي  أمام فوضى الآراء و الفتاوى و فوضى الجائز وغير الجائز، و الحق والباطل ، إن غابت المقاييس المعيارية فنحن أمام وجهات نظر قد تصيب وقد تخيب، بمعنى أن الأهواء هي قواعد الحكم، وهنا لا يخفى على المرء ما تحمله الأهواء من أحاسيس و مشاعر متناقضة، في هذا المقام، ومن هذا الاستهلال سنتناول موقف جان دوست وموقف المعترضين على ذهابه إلى معرض دمشق الدولي للكتاب، وفق مقارباتٍ معيارية مختلفة الحقول و المجالات، وهنا للعلم لا أرجح موقف على اخر، ولا أدافع عن طرفٍ لحساب طرف، إما هو الميزان المعياري الذي قد يرجح كفة على أخرى أو تتعادل الكفتان .

قبل الخوض في الحقول المعيارية، أود لفت النظر أن لا أحد فوق النقد، وأن كلٌ يؤخذ منه و يُرد عليه، ولكن أن تصل الأمور إلى حد الحكم بالخيانة على موقف أو ممارسة، فهذه والله جهلٌ و تجاهل، إلا إن أعترف الخائن بخيانته أو حُكم عليه بالخيانة وفق المعايرالثابتة والمجمع عليها . 

ماهي الحقول المعيارية المعتمد عليها في تناول موقف جان دوست والمعترضين على موقفه: 

1- المعيار الإجتماعي: موقف جان دوست من منظور هذا المعيار: جان فردٌ من هذه الأمة الكردية، شخصية عامة، مهتم بشؤون هذه الأمة، وله كتبٌ يُستدل منها على إهتمامه هذا، وموقفه هذا قد يكون نابعاً من رؤيته الشخصية كأديب أنه قد يمثل نفسه كأديب وهذه حرية شخصية، بمعنى فعلٌ فردي، بحثاً عن مزيدٍ من النجاحات، وهذا حق للأديب 

أما موقف مهاجمه فمبني على أن الفرد مسؤول أمام مجتمعه وموقفه هذا يضر المجتمع الذي ينتمي إليه، ويضعف مساعي مجتمعه في التضامن والتكافل، وهذا أيضاً حق، ولكن ليس سبباً كافياً لإخراجه من الملة و تخوينه .

2- المعيار الثقافي: من هذا المنظور، قد يرى جان دوست أن الثقافة هي التي تُجسر الهوة بين الكرد والشعوب الأخرى وأن الثقافة تبني ما هدمته السياسة، وهي فرصة لإيصال الأدب الكردي للشعوب الأخرى غير الكردية، بصرف النظر عن ماهية السلطة الحاكمة، فهي متغيرة، إنما الشعوب هي الثابتة . 

أما موقف المهاجمين، يرون أن الثقافة تفقد الاستقلالية عندما يتعلق الأمر بمصير الأمة أمام سلطة قمعية هي الراعية للثقافة والمثقفين، بمعنى أن مثقف الأمة يفقد الحيادية في هذه الحالة ويجب عليه عدم المساهمة في التغطية على السلطة القمعية .

3- المعيار السياسي: ربما يرى جان دوست، أنه كمثقف للأمة وعليه كالسياسي أن يكون ذاك الشريان الذي يصل بين السلطة ومطالب الأمة، هل يحق للسياسي مالا يحق له ؟ ، لماذا لا يُعترض على السياسي الذي يجالس هذه السلطة القمعية، من أجل كسب حقوق من يمثلهم، ألا يحق للمثقف لعب الدور الذي يلعبه السياسي ! ، وربما قد يحقق ما لم يستطيع السياسي تحقيقه .

أما مهاجميه فيرون أن مشاركة المثقف لنشاطات هذه السلطة القمعية الهاضمة لحقوق هذا المكون هو تلميع لهذه السلطة، و بالتالي إضعافً للموقف السياسي الكردي، فالمثقف ليس معني بجلب الحقوق، بمعنى أنه ليس الممثل الشرعي لقومه في هذا المجال، ولا تناط به هذه المهمة، كون التوقيع على الاستحقاقات تكون بين طرفين رسميين . 

4- المعيار الأخلاقي:  أرى أن هذا المعيار هو أهم المعايير، كونه حكمٌ متفرد على صلاح الإنسان، الأخلاق مبحثٌ هام ومفصلي في المساحة الإنسانية، لنرى من هذا المنظور قد يرى جان دوست أن الأديب مشاركته في مثل هكذا نشاطات هي إنسانية بحتة، كون الثقافة عابرة للنزاعات والصراعات وحضور المثقف لا يعني التغطية على أفعال وممارسات السلطة القمعية، وإلا لما تواجد المثقف الكردي في تركيا والعراق وإيران وسورية، كون الأنظمة في هذه الدول هي الهاضمة للحقوق الكردية، والأمثلة كثيرة حتى عند الجانب الأخر من الكرة الأرضية . 

أما المهاجمين فيرون أن التضامن الأخلاقي يقتضي من المثقف أن يرفض أي دعوة له من الأنظمة التي تقمع شعبه وتهضم حقوقه، فما بالك بنظامٍ ما زالت يداه ملطختان بدماء قومه، ومازال يفرض الحصار على مناطق تواجدهم، هل يصح لمثقفي الأمة أن يتجاهلوا ما تعانيه، ألا يجب على المثقفين أن يكونوا رموز الأمة أخلاقياً !؟ . 

بهذا القدر أكون قد أضئت ولو بصيصاً من النور على وجهتي نظر الطرفين، المُهاجِم والمُهاجَم، دون تقديم رؤية طرفٍ على أخر، و أشير لقول الأديب المصري أحمد لطفي السيد 

 ” الاختلاف في الرأي لا يُفسد للود قضية ” ، والمواقف أراء، قد يُختلف عليه وقد يُتفق . 

 

هولير \أربيل ، إقليم كردستان 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

في نهاية اللقاء السابع بعد المائة للهيئة المرحلية، صرحت المتحدثة باسمها بما يلي: اولا – نتقدم بالتهاني لشعبنا الكردي في عيده القومي نوروز ولكل السوريين، وللرئيس الانتقالي الذي اصدر مرسوم اعتبار نوروز عيدا وطنيا، وفي الوقت الذي شاركنا فيه شعبنا فرحته في كل المناطق وفي العاصمة دمشق، نحذر في الوقت ذاته محاولات حزبنة نوروز واستثماره لاغراض حزبوية سياسية فئوية بالداخل…

صبري رسول تحاول البشرية التّخلص من الاستبداد والدكتاتوريات وعبادة الفرد، التي كانت من إرث الأساطير والمعجزات والأديان، ويؤكّد التاريخ أن الدكتاتوريات تنتهي بالكوارث، وتجلب الويلات لشعوبها ولبلادها، والأمثلة كثيرة، يعرفها السّاسة وعامة النّاس، وحتى السّطحيون يعرفونها. لكن ما الذي يدفع بعضاً من الرّهط الكردي المؤدلج إلى اللهاث وراء السّيد أوجلان؟ وتطبيق توصياته الفكرية والفلسفية بغضّ النّظر عن صحتها…

عبدالله كدو الكرد السوريون يمرون، مثلهم مثل غيرهم من أبناء شعوب المنطقة من العرب والترك والفرس وغيرهم، بمرحلة لم تكتمل فيها الاصطفافات الاجتماعية والسياسية بعد، فالمجتمع الكردي ينقسم إلى عشائريين ومدنيين، محافظين وليبراليين، مؤمنين معتدلين وعلمانيين بالأكثرية، ومؤمنين متطرفين بالأقلية. هذه اللوحة الاجتماعية للمجتمع الكردي تساهم في تفسير كيفية تلقي الشعب الكردي التأثيرات السياسية التي كانت أو لا تزال تتبعها…

عبدالجبار شاهين ولد الهدى فالكائنات ضياء، وفي مثل هذا اليوم التاريخي المجيد الذي توقّفت عنده عقارب الكون احتراماً، ومالت فيه المجرّات إجلالاً، وغيّرت الفلسفة مسارها خجلاً، نحتفل بميلاد القائد الكوني، الفيلسوف الأممي، المعلّم الأول، النبي الذي لم يُنزَّل عليه وحيٌ من السماء بل نزلت عليه السماء نفسها، عبدالله أوجلان، الرجل الذي لم يكتفِ بتحرير الإنسان، بل قرر إعادة تعريفه، ولم…