لم تكن محافظة الحسكة “خزان السوريين” من القمح والنفط، تتوقع أن يطول أمد “الشلل الإداري” الذي أصاب مفاصلها عقب التحولات الكبرى التي شهدتها سوريا في كانون الأول 2024.
وبينما كانت الآمال معقودة على استقرار إداري يحفظ حقوق المواطنين بعد سقوط النظام السابق، تحولت المحافظة إلى ساحة لتجاذبات السيطرة بين الحكومة السورية في دمشق وبين “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، تاركة ملايين المدنيين في ضياع قانوني وإداري.
مع حلول شباط الحالي، وبالرغم من التطورات العسكرية الأخيرة التي أدت إلى سيطرة الحكومة السورية على أجزاء واسعة من ريف المحافظة، لا تزال مدينتا الحسكة والقامشلي وأريافهما القريبة تحت سيطرة “قسد”، ولا تزال المؤسسات الحكومية الخدمية الأساسية مغلقة وسط تبادل للاتهامات حول عرقلة تشغيلها، الذي كان من المفترض أن ينهي هذه المعاناة.
إرث “المربعات” وثمن السيطرة
عقب سقوط النظام في 8 كانون الأول 2024، سارعت “قسد” إلى بسط سيطرتها الكاملة على ما كان يُعرف بـ“المربعات الأمنية” في مدينتي الحسكة والقامشلي، وسيطرت على مطار القامشلي الدولي والمصارف والكليات الجامعية.
هذا التحول لم يكن عسكريًا فحسب، بل تبعه إغلاق ممنهج للمؤسسات الرسمية التابعة للحكومة المركزية، ما أدى إلى خروج المحافظة فعليًا عن النظام الإداري للدولة.
شمل الإغلاق مديريات الأحوال المدنية (النفوس)، والمحاكم المركزية، والسجلات العقارية. هذا الإجراء خلق فراغًا قانونيًا، فالحكومة السورية لا تعترف بالوثائق الصادرة عن “الإدارة الذاتية”، و“قسد” تمنع الموظفين التابعين لدمشق من ممارسة مهامهم داخل مقارهم الرسمية في المدن التي تسيطر عليها.
اتفاق 30 من كانون الثاني… آمال مجهضة
في مطلع العام الحالي، وتحديدًا في 30 كانون الثاني، تم إبرام اتفاق بين الحكومة السورية و“قسد” برعاية أمريكية – فرنسية، يقضي بترتيب عملية “الدمج”، إلا أنه حتى اللحظة لم يسهم في فتح المؤسسات الخدمية في الحسكة والقامشلي وتسهيل حياة المدنيين، وسط تعقيدات تقنية وإدارية.
أزمة الرواتب وتطبيق “شام كاش”
لم تكن المعاناة إدارية فقط، بل طالت لقمة عيش آلاف الموظفين الحكوميين الذين بقوا في منازلهم أو يعملون في مؤسسات مغلقة. ومنذ مطلع عام 2025 توقفت صرف الرواتب بانتظام داخل الحسكة، ما أجبر الموظفين على السفر شهريًا إلى دمشق أو دير الزور لتسلّم رواتبهم، وهي رحلة تستنزف نصف الراتب تقريبًا.
كحل لهذه المعضلة، أطلقت الحكومة السورية تطبيق “شام كاش” (محفظة إلكترونية) في نيسان 2025 بهدف تحويل الرواتب إلكترونيًا. ورغم الترحيب الأولي من بعض الموظفين، مثل أسامة العبد الله الذي وجد في التطبيق وسيلة لتوفير عناء السفر، فإن آخرين واجهوا صعوبات في التعامل به في مناطق سيطرة “قسد”، التي أبدت تحفظها على اختراق النظام المالي.
القضاء والعقارات
أدى إغلاق المحاكم والسجلات العقارية إلى شلل في الحركة الاقتصادية وتفاقم النزاعات الاجتماعية. آلاف القضايا المدنية والتجارية وقضايا الأحوال الشخصية (طلاق، ميراث) معلقة منذ أكثر من عام.
المحامي “قراس مصلح” (اسم مستعار) المقيم في الحسكة أكد أن غياب القضاء الرسمي فتح الباب على مصراعيه لعمليات التزوير، خاصة في السجلات العقارية، إذ تُباع عقارات أحيانًا بعقود خارج المحكمة لا قيمة قانونية لها في سجلات الدولة.
وقال إن المواطن اليوم مشتت بين محاكم “الإدارة الذاتية” التي تفتقر للاعتراف الدولي والمحلي، وبين المحاكم الرسمية المغلقة، ما ينذر بكوارث قانونية خلال عقود قادمة، خاصة في ملف الملكيات العقارية الذي يشهد ركودًا اقتصاديًا مخيفًا.
معاناة “الأوراق الثبوتية”
يواجه سكان الحسكة والقامشلي صعوبات بالغة في استخراج أو تثبيت الوثائق الشخصية، فتسجيل مولود جديد أو واقعة زواج بات يتطلب سفرًا شاقًا ومكلفًا نحو دير الزور أو دمشق.
عدنان الأحمد، أحد سكان القامشلي، يروي تجربته قائلًا إن الأمر يستنزف وقتًا طويلًا وتكاليف باهظة، وهو ما دفع كثيرين لتأجيل معاملاتهم الرسمية.
“افصلوا السياسة عن الخبز والنفوس”
تسود حالة من الاحتقان الشعبي في أوساط أهالي الحسكة والقامشلي، الذين يرون في استمرار إغلاق المؤسسات “عقابًا جماعيًا” لا مبرر له. ورغم السيطرة العسكرية الجديدة للحكومة السورية على أجزاء من المحافظة، فإن السكان في المدن التي لا تزال تحت سيطرة “قسد” يشعرون أنهم عالقون بين طرفين.
حلول ترقيعية وأفق مسدود
الحلول المطروحة حاليًا، مثل تطبيق “شام كاش” أو إنشاء مكاتب بديلة لمعاملات النفوس في الأرياف، تُعد مؤقتة وليست حلًا جذريًا. فمحافظة الحسكة بتركيبتها المعقدة وتوزع السيطرة فيها تحتاج إلى أكثر من مجرد اتفاقات تقنية؛ إنها بحاجة إلى قرار سياسي شجاع يضع حدًا لمعاناة ملايين البشر.
السؤال المعلّق
يبقى السؤال المطروح في شوارع الحسكة والقامشلي: متى تُفتح الأبواب الموصدة لمديرية النفوس والمحاكم؟ وهل ستنجح التطورات الميدانية الأخيرة في فرض واقع سياسي جديد ينهي “الشلل الإداري”، أم أن المدينة ستبقى رهينة شد الحبل بين دمشق و“قسد”؟
========