د. محمود عباس
التحرك الأخير داخل الكونغرس الأمريكي لتقييد صلاحيات الرئيس دونالد ترامب لم يبدأ من بوابة إيران فقط، كما يظن البعض، بل سبقها احتمال إعلان حرب على فنزويلا.
هناك تحديدًا ظهرت الإشكالية الدستورية، حين برزت مخاوف من أن يتخذ الرئيس قرارًا عسكريًا واسع النطاق دون تفويض تشريعي واضح. عند هذه النقطة استعاد الكونغرس نصوص الدستور، وتحديدًا المادة الأولى (Article I, Section 8) التي تمنحه حصريًا سلطة إعلان الحرب، في مقابل المادة الثانية Article II – التي تجعل الرئيس القائد الأعلى للقوات المسلحة. هذا التوتر بين النصين ليس جديدًا، لكنه يعود بقوة كلما اقتربت الولايات المتحدة من مواجهة عسكرية كبرى.
بعد حرب فيتنام، حاول الكونغرس تقليص اندفاعة السلطة التنفيذية عبر (قانون صلاحيات الحرب) لعام 1973 (War Powers Resolution)، الذي يفرض على الرئيس إبلاغ الكونغرس خلال 48 ساعة من أي عمل عسكري، وعدم إبقاء القوات في نزاع مسلح أكثر من 60 يومًا دون تفويض صريح. غير أن الرؤساء المتعاقبين تحركوا غالبًا ضمن مناطق رمادية، معتبرين أن العمليات المحدودة أو الضربات الموضعية لا ترقى إلى مستوى، الحرب، الدستورية. الجديد اليوم أن الكونغرس، بدعم من الحزبين، يسعى إلى استباق قرار قد يفتح جبهة واسعة، سواء في فنزويلا أو لاحقًا في إيران، وإعادة تثبيت دوره قبل أن يصبح الأمر واقعًا.
هذا الجدل الدستوري الداخلي لا يبقى محصورًا في واشنطن، بل ينعكس مباشرة على الشرق الأوسط، غير أن المشهد هناك لم يعد كما كان قبل أعوام. فالمعطيات القديمة حول تمركز قوات سوريا الديمقراطية (قسد) واستقرار الدعم الأمريكي لها لم تعد تعكس الواقع الراهن. قسد خسرت مساحات واسعة من جغرافيتها، وتراجعت ميدانيًا أمام تقدم القوات الحكومية السورية بدعم مباشر أو غير مباشر من تركيا، فيما انسحبت الولايات المتحدة من أغلبية مواقعها في سوريا، مكتفية بوجود محدود ورمزي أكثر منه عملياتي.
هذا التحول لم يمرّ دون ارتدادات داخلية في الولايات المتحدة؛ فقد دفع بعض أعضاء الكونغرس، في مجلسي الشيوخ والنواب، إلى التحرك ومراجعة سياسات إدارة ترامب، وانتقاد أداء مبعوثه في الملف السوري، مع تصاعد لغة الدعم للشعب الكوردي ونقد ما عُدّ تخليًا عن قوات قسد في لحظة حساسة. وفي هذا السياق، بدا أن الكونغرس لا يكتفي بالاعتراض السياسي، بل يسعى إلى إعادة فرض منطق الدستور فيما يتعلق بصلاحيات الحرب والالتزامات الخارجية، بما يحدّ من قرارات أحادية قد تعيد رسم التوازنات الإقليمية دون غطاء تشريعي واضح.
في المحصلة، لم تعد المظلة الأمريكية كما كانت، وهو ما دفع قسد والإدارة الذاتية إلى البحث عن مخارج سياسية، فتوصّلتا إلى اتفاق مع الحكومة السورية الانتقالية، أعقبه إعلان هدنة يجري تطبيقها حاليًا. غير أن هذا المسار لا يزال هشًا، في ظل استمرار الحصار المفروض على مدينة كوباني من قبل فصائل مدعومة من أنقرة، ما يجعل المشهد مفتوحًا على احتمالات تتجاوز الإطار المحلي إلى توازنات إقليمية ودولية أوسع.
في هذا السياق المتغير، يصبح أي تقييد لصلاحيات الرئيس الأمريكي في استخدام القوة ذا أثر مضاعف. فإذا احتاج أي تحرك عسكري كبير إلى تفويض برلماني مسبق، فإن قدرة واشنطن على الرد السريع في ساحات مثل فنزويلا أو في مواجهة إيران ستصبح أبطأ وأكثر خضوعًا للنقاش الداخلي. إيران ستقرأ ذلك كعلامة على أن القرار الأمريكي بات أكثر تعقيدًا، وربما أقل قابلية للتنفيذ الفوري. تركيا بدورها قد ترى في الانشغال الأمريكي الداخلي مساحة إضافية للمناورة، خصوصًا في شمال سوريا حيث تتداخل حساباتها الأمنية مع الملف الكوردي.
لكن في المقابل، إعادة تفعيل دور الكونغرس قد تعزز شرعية أي تحرك عسكري لاحق، وتمنع قرارات متسرعة قد تجر الولايات المتحدة إلى صدام إقليمي واسع. المسألة إذن ليست ضعفًا مطلقًا ولا قوة مطلقة، بل كيفية إدارة هذا التوازن دون أن يتحول إلى رسالة ارتباك.
ازداد المشهد تعقيدًا اليوم في ميونيخ. فعلى هامش مؤتمر الأمن، وُجّهت الدعوة إلى شخصيات من المعارضة الإيرانية بدلًا من ممثلين عن الحكومة الرسمية، وإلى ممثلين عن غربي كوردستان بالتزامن مع حضور ممثلي الحكومة السورية الانتقالية. كما عُقد اجتماع بين وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو من جهة، ومظلوم عبدي وإلهام أحمد وأسعد الشيباني من جهة أخرى. هذا اللقاء يعكس أن الضغوط التي يمارسها الكونغرس على إدارة ترامب بدأت تُثمر أثرًا سياسيًا ملموسًا؛ فبرغم تقليص واشنطن وجودها العسكري، فإن الكونغرس يدفع باتجاه إبقاء الولايات المتحدة لاعبًا سياسيًا فاعلًا في إعادة ترتيب الملف السوري، وإدارة المرحلة الانتقالية دون انخراط عسكري مباشر واسع. إن جلوس هذه الأطراف على طاولة واحدة يؤشر إلى أن الملف السوري دخل مرحلة تفاوضية أكثر منها عسكرية، وأن معادلة القوة لم تعد تُدار عبر القواعد العسكرية وحدها، بل عبر هندسة تفاهمات سياسية أوسع.
هنا تتقاطع المسارات، صراع الصلاحيات في واشنطن، إشكالية فنزويلا، وإعادة تموضع القوات الأمريكية، خسائر قسد الميدانية، اتفاقها مع دمشق، التحركات التركية، والقلق الإسرائيلي من إيران. الكونغرس يحاول استعادة نص دستوري قديم، لكن أثره لن يبقى في واشنطن وحدها. في الشرق الأوسط، أي إبطاء في القرار الأمريكي يُقرأ كتحول استراتيجي، وأي إعادة توازن داخلية قد تعيد رسم حسابات الفاعلين الإقليميين.
السؤال لم يعد فقط. من يملك سلطة إعلان الحرب في الولايات المتحدة؟ بل أصبح، كيف سيُترجم هذا الجدل الدستوري إلى سياسة فعلية في ساحات تتغير بسرعة، من فنزويلا إلى إيران، ومن شرق الفرات إلى كوباني المحاصرة. وفي منطقة اعتادت قراءة الإشارات قبل النصوص، فإن شكل العلاقة بين الكونغرس والرئيس سيصبح جزءًا من ميزان القوى نفسه، لا مجرد تفصيل قانوني في كتاب الدستور.
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
13/2/2026م