شادي حاجي
في لحظة مفصلية تشهدها غرب كردستان ( منطقة شمال وشرق سوريا )، لم يكن المشهد مجرد اشتباكات عابرة بين الفصائل، بل اختباراً لقدرة الفاعل الكردي على الانتقال من منطق القوة العسكرية إلى منطق السياسة والدبلوماسية. هنا برز إقليم كردستان ليس ككيان جغرافي فحسب، بل كنموذج قيادي قادر على حماية شعبه ورفع صوت القضية الكردية عالمياً ، ومنع الانزلاق نحو صراع داخلي كان سيؤدي إلى كارثة حقيقية .
بين التصعيد ووقف النار
تصاعد التوتر بين قوات سوريا الديمقراطية والقوات التابعة للسلطة المؤقتة في دمشق جعل المنطقة على حافة مواجهة مفتوحة. لكن التدخل السياسي الهادئ والاتصالات غير المعلنة أسهما في دفع الأطراف نحو وقف إطلاق النار وتوقيع تفاهمات ميدانية لتثبيت التهدئة.
هذا الدور لم يكن عسكرياً مباشراً ، بل سياسياً ودبلوماسياً قائماً على شبكة علاقات نسجها إقليم كردستان على مدى سنوات مع أطراف دولية وإقليمية. بفضل موقعه القانوني داخل العراق، يمتلك الإقليم هامش حركة دبلوماسي لا يتوافر لفاعلين غير معترف بهم، مما مكّنه من أن يكون وسيطاً وضامناً سياسياً لوقف النار.
ولولا هذا الدور، لكانت كلفة أي مواجهة عسكرية أكبر سياسياً ومجتمعياً . الأخوّة الكردية – الكردية كانت العامل الحاسم في تجنيب غرب كردستان صراعاً داخلياً كان سيضعف الجميع، ويبدد المكتسبات التي تحققت. لقد أثبتت التجربة أن التضامن القومي حين يُترجم إلى مبادرة سياسية مسؤولة يكون أكثر فاعلية من الشعارات العابرة.
من إدارة الأمر الواقع إلى عقلنة القرار
وقف إطلاق النار لم يكن مجرد إجراء أمني، بل إشارة إلى ضرورة مراجعة أعمق داخل بنية القرار الكردي في غرب كردستان ( منطقة شمال وشرق سوريا ) . المرحلة الحالية تتطلب الانتقال من إدارة عسكرية أحادية للأزمة إلى مرجعية سياسية جامعة قادرة على اتخاذ قرار الحرب والسلم، والتفاوض ضمن إطار جماعي يضم كل القوى السياسية الكردية.
التشرذم يضعف الموقف التفاوضي، بينما التوحيد يعزز الشرعية ويمنح أي اتفاق مستقبلي مع دمشق وزناً سياسياً أكبر. فالقيادة الكردية مطالبة بتبني استراتيجية قومية واضحة، بعيداً عن الهلامية الأيديولوجية ( الأمة الديمقراطية – أخوة الشعوب – الهوية الحرة ومصطلحات طوباوية أخرى على هذه الشاكلة .. نموذجاً )
أو الشعور بالتقزّم السياسي، فالمعادلات الإقليمية لا ترحم الكيانات المترددة.
الدبلوماسية الكردية ونافذة ميونخ
لم يقتصر دور إقليم كردستان على تثبيت الهدنة، بل امتد إلى تدويل القضية الكردية سياسياً ، بما في ذلك فتح قنوات دولية وحضور مؤتمر ميونخ للأمن. المشاركة في هذا المحفل تعكس قدرة الكرد على إدخال ملفهم في أجندة الأمن الإقليمي، والتواصل المباشر مع صناع القرار الغربيين، وتقديم رؤية سياسية تتجاوز البعد العسكري.
الإقليم يشكل قناة عبور أساسية نحو الانفتاح الدولي، بما يضمن أن تكون القضية الكردية حاضرة في النقاش السياسي العالمي، لا حبيسة الجغرافيا أو السلاح وحده.
بين الواقعية السياسية والتحول المؤلم
أي انفتاح دولي لن يكون كافياً دون مراجعة داخلية حقيقية. المجتمع الدولي يتعامل مع كيانات واضحة البنية، متعددة التمثيل، وقابلة للمساءلة السياسية. استمرار احتكار القرار أو اعتماد خطاب أيديولوجي مغلق سيحدّ من فرص الاعتراف والدعم.
من هنا، يصبح “التحول المؤلم” ضرورة، يشمل:
الانتقال من شرعية ثورية – عسكرية إلى شرعية سياسية – تفاوضية،
الانتقال من إدارة أحادية إلى مرجعية جماعية،
التحول من خطاب تعبوي إلى رؤية دستورية واضحة داخل سوريا لا مركزية.
تأسيس مرجعية كردية موحدة ليس رفاهية، بل ضرورة تتيح لكل القوى الكردية التحكم في قرار الحرب والسلم والتفاوض، وتمنح الأكراد صوتاً موحداً في دمشق والعواصم العالمية، كما أظهرته المشاركة في ميونخ.
خاتمة
إن الدور الذي لعبه إقليم كردستان في منع التصعيد، دعم وقف إطلاق النار، وفتح النوافذ الدبلوماسية وصولاً إلى المحافل الدولية، يضعه في موقع الداعم السياسي للقضية الكردية في سوريا، لا المتدخل في شؤونها.
الفرصة متاحة لتحويل الهدنة إلى مسار سياسي دائم، ولتحويل الحضور الدولي إلى اعتراف فعلي، شرط توحيد القرار وإعادة تعريف المشروع السياسي على أسس قومية واضحة. الوحدة السياسية والقومية ليست خياراً ، بل شرط لبقاء الحلم الكردي واستمراره، وتحويل صوت الشعب الكردي في سوريا إلى قوة حقيقية على كل المستويات.
وإلى مستقبل أفضل