منشور غير موفق… ومقارنة غير واقعية.. قراءة نقدية في خطاب سياسي إشكالي

سليمان سليمان

في منشوره المنشور على «منبر الحقيقة»، يطرح سكرتير أحد الأحزاب المنضوية في الإدارة الذاتية مقاربةً يعتبر فيها أن جزءًا من الشارع الكوردي بات يفرط في توجيه الشكر إلى الجمعيات الخيرية الخارجية، على حساب تقدير تضحيات قوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية، والدماء التي سفكت دفاعًا عن الوجود الكوردي.

ويستند هذا الطرح إلى توصيف مفاده أنه، ومع تراجع قسد عن بعض المناطق بفعل ضغوط سياسية وعسكرية، دخلت جمعيات خيرية خارجية لتقديم مساعدات إنسانية محدودة، من مواد غذائية وأدوية ودعم للنازحين. ويرى أن الإشكالية تكمن في ما يسميه «مفارقة وطنية وأخلاقية»، تتمثل في تحول في الذاكرة الجماعية لدى جزء من السكان، حيث بات الثناء يُوجه، بحسب رأيه، بشكل مبالغ فيه إلى تلك الجهات، بدل التركيز على التضحيات الذاتية لأبناء روج آفا.

ويذهب الخطاب أبعد من ذلك، معتبرًا أن الامتنان الشعبي للمساعدات الخارجية يعكس أزمة أعمق في الوعي الجمعي، قد تكون ناتجة عن الدعاية السياسية، أو الإرهاق النفسي المتراكم خلال سنوات الحرب، أو الانقسامات الكوردية الكوردية التي تستثمر فيها قوى إقليمية لإضعاف الوحدة الداخلية.

غير أن هذا المنطق يثير إشكالية جوهرية تستوجب التوقف عندها:

من الذي يهدد تماسك المجتمع فعلًا؟

هل هو المواطن الذي يعبر عن امتنانه لمن قدم له الدعم في لحظة حصار وضيق وتهجير قسري، أم الخطاب السياسي الذي يحمله مسؤولية أخلاقية لمجرد هذا التعبير؟

إن تحميل الشارع الكوردي في روج آفا مسؤولية أخلاقية بسبب شكره لما قُدم له من دعم ومساعدة من باشور كوردستان، يفتقر إلى أساس موضوعي. فالتعبير عن الامتنان لا يعني، لا أخلاقيًا ولا وطنيًا، نسيان تضحيات الشهداء، ولا التقليل من الدور الذي أدته القوات الكوردية، ولا سيما وحدات حماية الشعب والمرأة (YPG – YPJ)، في حماية المناطق ومنع كوارث إنسانية واسعة النطاق.

وعليه، فإن الربط الذي يقيمه هذا الخطاب بين الامتنان الشعبي وبين ضعف الوعي أو خلل الذاكرة الجماعية يُعد ربطًا غير منصف، وينطوي على مخاطر سياسية، لما يحمله من نزعة اتهامية تجاه المجتمع، بدل توجيه النقد نحو السياسات والخطابات ذاتها.

فالشارع الكوردي لم يتفاعل مع الحدث بوصفه استجابة لمساعدة إنسانية محدودة فحسب، بل لأن ما جرى مثل وقفة معنوية وسياسية وأخوية من باشور كوردستان، شعبًا ومؤسسات، رجالًا ونساءً وأطفالًا، وفي لحظة سياسية وإنسانية شديدة الحساسية.

هذه الوقفة لا يمكن اختزالها في بعدها الإغاثي فقط، بل تحمل دلالة تضامن كوردستاني أوسع. ومن هنا يبرز السؤال: هل كان المطلوب من باشور كوردستان أن يلتزم الصمت أو الحياد؟ أم أن الإشكال الحقيقي يكمن في أن هذا التضامن لم ينسجم مع سرديات سياسية مسبقة لدى بعض الفاعلين؟

إن المقارنة التي يطرحها هذا الخطاب بين تضحيات روج آفا وبين الامتنان لما قُدم من باشور كوردستان تقوم على افتراض تعارض بين الأمرين، وهو افتراض لا تصمد أمامه الوقائع. فالوفاء لتضحيات الشهداء، وشكر من يقف إلى جانبك في أوقات الشدة، قيمتان متكاملتان لا متناقضتان.

ولا اعتقد ان اي كوردي شريف يمكن ان ينسى تضحيات بنات وأبناء الشعب الكوردي الذين قرروا امًا ان يعيشوا بشرف وكرامة  او ان يستشهدوا من اجل الشرف والكرامة .

ولا يمكن الزعم بوجود أزمة في الذاكرة الجماعية للشعب الكوردي، أو التشكيك في وعيه الوطني، على هذا الأساس. فالشعب الذي قدم آلاف الشهداء دفاعًا عن وجوده لا يمكن اختزال وعيه بمواقف انفعالية أو قراءات انتقائية للحدث.

والأخطر من ذلك أن هذا النوع من الخطاب، وخصوصًا في هذا التوقيت، لا يسهم في تعزيز الوحدة الداخلية، بل يفتح المجال أمام الانقسام والاحتقان، ويضع الخطاب السياسي القائم، كما طرح ومورِس خلال السنوات الماضية، في مواجهة مباشرة مع مشاعر الناس، بدل أن يكون إطارًا جامعًا لها.

وكان من الأجدى تقديم خطاب مراجعة نقدية للمسار السياسي المتبع، والاعتراف بالإخفاقات التي أثقلت كاهل الشارع الكوردي خلال السنوات الماضية، بدل توجيه الاتهام إلى المجتمع وتحميله مسؤولية أزمات أعمق.

ولا يمكن إغفال حقيقة باتت واضحة في الوعي العام، وهي أن آلافًا من أبناء وبنات الشعب الكوردي استُشهدوا تحت شعارات سياسية كبرى في مناطق بعيدة عن العمق الكوردي، فيما أظهرت الوقائع اللاحقة أن كثيرًا ممن جرى تحريرهم بتلك التضحيات كانوا أول من خذل هذا الشعب، ومارس ضده العنف والغدر.وطعنوهم من الخلف.

وبناءً على ما سبق، لا يمكن قراءة ما يطرحه سكرتير أحد الأحزاب المنضوية في الإدارة الذاتية بوصفه تشخيصًا موضوعيًا لواقعٍ معقّد

ومثقل بالأحداث المؤلمة، بقدر ما يبدو، من حيث التوقيت والمضمون، طرحًا غير موفق سياسيًا. فهو لا يقدّم مقاربة تساعد على الفهم أو التهدئة، بل يفتح بابًا إضافيًا للتأويل والاحتقان، ويغذي انقسامًا داخليًا في لحظة كان يفترض فيها توجيه الخطاب نحو لملمة الجراح لا توسيعها.

وفي الختام، يحق لنا أن نسأل:

ألا يوجد داخل الأحزاب المحسوبة على الإدارة الذاتية من ينصح أصحاب هذه الخطابات بالكف عن إنتاج مزيد من التوتر والخلافات، في وقت توحد فيه الشعب الكوردي، في الأجزاء الأربعة من كوردستان وكسروا الحواجز وعبروا الحدود المصطنعة وفي الخارج لم تهدأ المظاهرات على مبدأ واحد:

تحيا كوردستان، تحيا وحدة الشعب الكوردستاني ، وتحيا مقاومة روج آفاي كوردستان.

وهي وحدة حقيقية، لا من أجل مصطلحات فضفاضة، بل من أجل الكرامة والوجود.

ومهما يكن، يبقى الاختلاف في الرأي حقًا مشروعًا، لكن المسؤولية الأخلاقية والسياسية تفرض الانتباه إلى توقيت الخطاب وأثره على مجتمع أنهكته الحروب والانقسامات. فالنقد الحقيقي يبدأ بمساءلة السياسات والخطابات، لا بمحاسبة الناس على مشاعرهم، ولا بالتشكيك في وعي شارع قدم من التضحيات ما يكفي لإثبات وطنيته.

تنويه:

هذا النص رأي شخصي وقراءة نقدية لتصريحات عامة نُشرت مؤخرًا، أكتبه من موقع الحرص على وحدة المجتمع الكوردي، واحترام تضحياته، ورفض تحميل الناس ذنبًا أخلاقيًا لمجرد تعبيرهم عن الامتنان .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

خالد جميل محمد بهذي المدوَّنات / المنشورات، التي هي “حبرٌ على ورق”، بعد أن شارفتُ الستين من العمر، بعزّة وكرامة ونزاهة، وقد كنتُ ولا أزال من ضحايا نظام الأسدَينِ ومَن يقتدون به في مجتمعاتنا المنكوبة، ودفعتُ من الضريبة ما كان متاحاً وممكناً، لستُ أطمح في منصبٍ أو مَكْسَبٍ بعدُ؛ فجُلُّ ما يَشْغَلُني الآنَ هو أن تُتاح لي فرصةٌ للتقاعد واعتزالِ…

م. محفوظ رشيد في ظل التغيرات المتسارعة والتحولات الكبيرة على الأصعدة السياسية والأمنية والاقتصادية المتجهة نحو تشكيل خارطة جديدة للشرق الأوسط، يتطلب من كورد روج آفا اجراء المراجعة جادة وإعادة التقييم والتقويم لتهيئة الذات والاستعداد من أجل تثبيت موقعهم وتنشيط دورهم وتحسين أدائهم ليكونوا جزءاً فاعلاً ومؤثراً في رسمها عبر الاستقطابات والتجاذبات على ساحة الدولية والاقليمية والكوردستانية والسورية. وذلك من…

شيخ أمين كولين Shikemin Gulin   ياسادة الافاضل اليوم نفتح مناقشة مفتوحة حول الحركة الكردية القومية بكل احزابها في سورية ، مطالبها كانت محددة ، ومعظمها كانت تتبنى الاشتراكية وثقافتها ، وغالبيتها تحارب الدين ، انتشر الالحاد بين جيل الشباب بشكل اوبآخر ، والعقلية الاشتراكية انتهت وتودع سبعة عقود من الاستبداد والاقصاء والإرهاب الفكري ، وانكفأ المتدينون على أنفسهم خوفا…

د. فريد سعدون قسد و pyd تصرفوا في كل شيء بمفردهم واستبعدوا أي تنظيم أو شخصية خارج اطارهم الحزبي من المشاركة في المفاوضات حول حقوق الكورد ، والآن سيكون من الغباء أن يشاركهم أي شخص أو حزب في مصير المنطقة، وسيكون الغباء أعظم لو تفاوض أي حزب أو وفد مع الدولة في الوقت بدل الضائع، لأن كل شيء قد انتهى،…