زاكروس عثمان
في داخل مشفى لتوليد النساء في السويد، تتمدد امرأة كوردية شابة على سرير نظيف. هي على وشك الولادة. تحيط بها طبيبة سويدية مع عدد من الممرضات، يتحضّرن لتوليدها، يعتنين بها ويشجّعنها كي تضع مولودها بسهولة. وضعت الطبيبة يدها على جبين المرأة وابتسمت لها، تسألها:
– ما اسمك؟
المرأة: اسمي برين.
الطبيبة: تبدين صغيرة السن، هل أنجبتِ أطفالًا غير هذا؟
المرأة: أنجبتُ ستة أطفال.
فغرت الطبيبة فمها دهشةً، وقالت: لا، لا… ستة أطفال! هذا كثير. هذا يضرّ بصحتك، أنتِ امرأة شابة. ستة أطفال بالنسبة لكِ حملٌ ثقيل. لماذا أنجبتِ كل هؤلاء الأطفال؟ ألا تعلمين أن إكثار الأطفال يزيد من أعباء الأبوين من جهة تدبير معيشتهم وتربيتهم، ومن الناحية المادية يسبّب ضيق اليد؟ إذا كان عدد أطفال الأسرة كبيرًا تقلّ حصة الأطفال من كل شيء، فيعيشون في شظف العيش.
المرأة: لا، لا… من كل هؤلاء الأطفال الستة، فقط واحد منهم يكون لي.
الطبيبة: لم أفهم. ألستِ أمًا للجميع؟ فكيف لا تملكين إلا واحدًا منهم؟ ما ذنب الآخرين كي لا تهتمي بهم أو لا تعترفي بهم؟ يا إلهي، كم أنتم غلاظ القلب أيها الشرقيون!
ابتسمت المرأة ابتسامة أسى، وقالت: أنتِ لم تفهمي كلامي لأنك لا تفهمين هموم شعبي. أنتم ترضون بطفل واحد لأنكم متأكدون أن هذا الطفل سيبقى لكم، ولن يستطيع أحد أن ينتزعه منكم غير الله العظيم. لكن الأمور في بلادنا ليست هكذا. من ستة أو ثمانية أطفال لسنا متأكدين إن كان سيبقى لنا واحد منهم. إنهم في هذه الدنيا الغادرة يذهبون أدراج الرياح، أو يصبحون مفقودين فنخسرهم جميعًا. لهذا قلت لك: فقط واحد منهم يبقى لنا.
استغربت الطبيبة واحتارت، وسألت المرأة: ماذا يحصل للبقية؟ أين يذهبون؟ من يأخذهم؟
المرأة: الأول يأخذه المرض والفقر ويضعه بين مخالب الموت. الثاني يصعد قمة الجبل ويهدي نفسه إلى قضية شعبه، وحين يشمّ نسيم الحرية يجعل الجبل بيتًا، ويتخذ من رفاقه الثوار أمًا وأبًا، أختًا وأخًا. المرء في جبال بلادنا، من دون أن يدرك، يعشق حياة النسور التي لا تستطيع العيش بلا حرية. لهذا أولادنا الذين يصعدون إلى العُلى يقسمون بأنهم لن يعودوا إلينا ما لم يكونوا محمّلين ببشرى الخلاص. مئات الألوف من بناتنا وأولادنا ضحّوا بدمائهم مهرًا للفوز بهذه البشرى المقدسة. ذهبوا إلى الموت ورؤوسهم مرفوعة، لأنهم أبَوا العودة إلى الديار وهم غير محمّلين بالحرية.
الثالث باع نفسه للنضال والكفاح في سبيل قضيتنا القومية، هو أيضًا أصبح من حصة السجون والمعتقلات، حيث يدفنه الأعداء في غياهبها.
الرابع دفعه الجوع والحاجة إلى الهجرة ليضيع هناك.
الخامسة أصبحت مقتولة وراحت ضحية عشقها.
السادسة تقصفها الهموم والأحزان.
السابعة تطير جهة الجبال لتضع كتفها بكتف شقيقها، ولا تعرف طريق العودة إلى البيت.
لهذا، من مجموع كل هؤلاء الأطفال، ربما يبقى لنا واحد منهم، أو لا يبقى.
ما بين حديث الطبيبة والمرأة، وحركة الممرضات، ارتفع في أجواء المشفى صوت بكاء طفل جاء إلى الدنيا لتوّه. حملته الطبيبة بين يديها وهمست في أذنه: من حقك أن تبكي، وألا ترضى بالدنيا التي أتيت إليها. أيها المسكين، إن كنتَ كوردياً، فإذا كانت قسمتك أيَّ شيء فسوف يصبح حنظلًا.
سلّمت الطبيبة الطفل إلى أمه، وسألتها: ماذا تسمين طفلك؟
قالت: ليكن اسمه أيضًا برين، حتى يتذكر أن له وطنًا جريحًا ينتظره حتى يدبّر له العلاج.
تركت الطبيبة المرأة وهي ساهمة، انتابتها كآبة غامضة، وكانت تحرّك رأسها كأنها لم تصدّق ما سمعته من فم المرأة. خرجت الطبيبة من غرفة العمليات، وضعت سيجارة بين شفتيها، وهي ما زالت تهزّ رأسها.
أخرجت المرأة ثديها تُرضع صغيرها، وهي ترنّم له وتهدهده. أخذ ضوء المصباح يخفّ ويخفّ، ويرحل بهدوء مع ترانيمها. زحفت عتمة مخيفة لتحلّ محل الضياء وتخيّم على الأجواء. بات المشهد قاتمًا، لكن فجأة انبثق ضياء ملوّن من قماط الطفل، منع حلول الظلام في المكان. فرحت المرأة بالضياء الجديد، ورأت في قدوم طفلها إشارة اقتراب ساعة الخلاص، فقالت للرضيع:
لا شك أنك حصتي. في يوم ما، إذا أصبحتَ رجلًا وتزوجتَ من امرأة، أنصحك أن تكثر من إنجاب الأطفال، حتى يعجزوا عن محونا من الوجود مهما كانت محاولاتهم في تذويبنا قوية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أيها الكورد، تزوجوا وأكثروا من إنجاب الأطفال. الشرق الأوسط الجديد لن يكون دولًا من التي نعرفها، بل دول (قبائل)، وعليه فإن الحروب القادمة ستكون فزعاتٍ وغزوات.