إبراهيم اليوسف
لقد هزّ تلويحُ ذلك المقاتل الداعشي بضفيرة المقاتلة الكردية الرأيَ العام، حيث ظهر في- تسجيلٍ مصوّر- وهو يرفع ضفيرة شعرها بعد قتلها ويستعرضها أمام الكاميرا في مشهدٍ فجّ يقوم على امتهان الجسد والتمثيل بالقتلى. هذه الواقعة/ الإجرامية واضحة بالصوت والصورة، كما أن المجرم معروف، والسلوك متعمد، حيث: ضفيرة فتاة شهيدة تحولت في يده إلى أداة استعراض.
وقد جاء في المقطع ذاته حوار مسرحي، مفتعل، وغبي، بين الإرهابي وبين مسلحٍ آخر حاول أن يقدم نفسه أكثر دهاءً، وهو يفتعل السؤال عن الجهة التي قدم منها؟ فجاء الرد: من الرقة. وعندما سأله المسلح الآخر عن سبب قص الشعر، فأجابه الإرهابي بعبارة تفيد أنها “رايحة رايحة”، أي أنها مستشهدة، وقص ضفيرتها لن يؤذيها!!!. نجد -هنا- “أن صنوه الآخر حاول تخفيف الجريمة، بعبارة تهكمية خبيثة، متناقضة قائلاً:
إنها بخير.
أجل، تناقض الكلام مع الصورة كشف مستوى الغباء الذي يهيمن على العقل الإرهابي. لطالما أن ثمة جثة أمامهم، وإن لم يظهروها، والدليل على \لك موزع بين تلك الضفيرة التي في اليد، وإجابة القاتل، رغم محاولة إنكار شريكه في الحوارية لفحوى الجريمة التي لا تستقيم مع الواقع.
وكما هو جلي فإن صاحبة الضفيرة ليست إلا واحدة من اللبوات الكرديات اللواتي شاركن في تحرير دير الزور والرقة والحسكة وبلداتٍ من ريف حلب من إرهابٍ عابر للحدود. هذه حقيقة ميدانية يعرفها سكان تلك المناطق. يعرفها السوريون. العالم العربي. العالم الإسلامي. العالم أجمع. باعتبار أن وجودهن في خطوط الاشتباك ساهم في إنهاء هيمنة تنظيم أرعب سوريا والعالم. بهذا المعنى خلّصن تلك المحافظات وخلّصن سوريا وخلّصن العالم من شبحٍ ثقيل. من الطبيعي أن يعود مجرم اليوم لينتقم من رمزٍ نسويٍّ شارك في تلك المهمة، إذ يمثل صورةً مكثفةً لميليشيات دمشق كلّها مهما تبدلت أسماؤها.
كان في إمكان تلك اللبوة الكردية أن تجلس في بيتها، أن تراسل عشيقها، أن تؤسس أسرةً، أن تتابع دراستها الجامعية، أن تعمل في مؤسسة مناسبة، أن تتزوج فتى أحلامها، أن تسافر إلى أوربا. هذا المسار متاح لآلاف الفتيات. بيد أن قرارها اتجه إلى طريق آخر، حيث رأت أن الركون في البيت في زمن الاجتياح يفتح باب السبي والامتهان. حملت السلاح كي لا تتحول هي أو أمها أو أختها إلى ضحايا في يد مجرم.
كرديات الجبال امتداد لروح جداتٍ وأمهاتٍ تربين على الكرامة والعمل الشاق. بيئة الجبل فرضت صلابة في السلوك واعتماداً على الذات. القرب من الينابيع والمرتفعات منحهن علاقة مباشرة بالأرض. هذه الخلفية الاجتماعية تفسر حضورهن في المواجهة، لا خطاباً عاطفياً بل ممارسةً يومية.
الضفيرة التي استعرضها القاتل كانت في أبهى صورة. فقد جدلتها صاحبتها بيدها صباح استشهادها كما تستعد أية فتاة. امرأة للخروج من بيتها. لأن مواجهة آلة الإرهاب لدى- بنات الشمس- أجمل عرس، في نظرهن ويقينهن، فقد وقعت الضفيرة، بعد ساعات، في يد قاتلها ليلوح بها أمام الكاميرا.
في مقابل هذا المشهد ظهرت فتاة سورية وهي- شيماء غريب- في تسجيل آخر تتابع المقطع بعدم تصديق واضح، ثم قصّت ضفيرتها تضامناً. الفعل مباشر وبلا شعارات. حركة بسيطة تحمل معنى واضحاً: رفض التمثيل بالجسد والوقوف مع الضحية. إنها سورية نبيلة تملك من النبل والإنسانية والشرف والكرامة ما لا تحمله الحكومة المؤقتة من: ديوثها إلى هدهدها إلى أزنمتها، أجمعين: عواماً ونخباً ملوثة الضمائر. في الوقت ذاته انتشرت صور لآلاف الكرديات وهن يجدلن ضفائرهن من جديد، استمراراً وتخليداً لروح الشهيدة، وكأنهن يحضرن عرسها. في ردّ جماعي على ضفيرة واحدة قُصّت، بعد نحر الشهيدة، ثأراً من دورها البطولي.
ذاكرة المناطق المحررة- من داعش- تحتفظ بلقطات أخرى، حيث خرجت نساء في الرقة بعد طرد داعش وخلعن الخمار الأسود الذي فُرض عليهن حوالي أربع سنوات، ورمينه أرضاً، ليدسنه. مشاهد الاحتفال تلك وثّقت امتنان السكان لمن أنهى سيطرة التنظيم. في المقابل ظهر ناشطون ومرتزقة وعوام صمتوا أيام الإرهاب ثم عادوا اليوم عبر منصات التواصل يسوّغون الغدر والتمثيل بالجثث. هذا التحول يكشف مواقف مرتبطة بالمصلحة لا بالمبدأ.
معلومات ميدانية تشير إلى تشديد من قادة ميليشيات على القتل والتدمير والذبح ورمي المقاتلين من الطوابق العليا، مع تحذير صريح من التصوير، خوفاً من الرأي العام، بل من استعادة عقوبة قيصر. رغم ذلك تسربت صور كثيرة: مقاتلة أُلقيت من طابق ثالث وسط تكبيرات، أسرة من ستة أفراد أُحرقت داخل نفق في واقعة بلا مسوغ مفهوم، كمائن نُصبت لمقاتلين- ضمن حالة الهدنة- وحصار لحراس سجن في الرقة، ووقائع مشابهة في حلب ودير حافر ومسكنة. الانتهاكات متكررة، والطريقة واحدة.
هذه الجرائم ما كانت لتتسع لولا رشوة خليجية وفّرت الإذعان الترامبي، ضمن مخطط أردوغاني خبيث وفّر الممرات والمشاركة في غرف العمليات وعبر المسيرات ووسط هدير الطائرات، ناهيك عن تواطؤ دولي تكرّس بعد لقاء باريس عشية الحرب على الكرد، وفّر الغطاء السياسي. ومعروف أن تداخل وحضور كل هذه العوامل منح الميليشيات شعوراً بالإفلات من المحاسبة.
لا ضير. إن مشهد الضفيرة في نهاية المطاف سجلّ بصري كامل. خصلات شعر مجدلة في يد قاتل إرهابي تختصر الفرق بين أخلاق طرفين. طرفٌ قاتلَ دفاعاً عن كرامات و مدنٍ وسكان، وطرف لم يظهر إلا بعد استكرائه ونتيجة صفقة دولية إقليمية للتخلص من صناع الكرامة. الصورة وحدها تكفي لفهم الوقائع، إذ تكشف موقع كل واحد من هؤلاء من التاريخ ومن ذاكرة أحرار العالم.