حين تحارب السلطة الكورد تبدأ نهايتها

د. محمود عباس

 

فتحت السلطة السورية الانتقالية باب نهايتها بيدها. وقد قلتُ سابقًا إن أبو محمد الجولاني لن يحارب الكورد، لا احترامًا لهم، بل لأن الصدام معهم يعني بداية السقوط. يومها كان أضعف من خوض المواجهة، وأدرك أن الدخول في حرب مع الكورد سيُسقطه مبكرًا. لكن المشهد تغيّر حين أُغري بالتحريض التركي، والتسليح السعودي، والتسويق الأميركي له بوصفه «البديل» لقوات قسد، لا لمحاربة الإرهاب الداعشي كما يُروَّج، فالحكومة ذاتها تقوم على بنية داعشية، بل لاستخدامه في مواجهة الحشد الشعبي وحزب الله. وهنا تحديدًا بدأت المغامرة القاتلة.

من يحارب الكورد يوقّع صكّ انهياره. قد يخسر الكورد معركة أو أرضًا لفترة، لكن السلطة التي تختار مواجهتهم تخسر المستقبل. الحكومة السنية الراديكالية وقّعت خسارتها الاستراتيجية منذ لحظة الاتفاق في باريس مع إسرائيل، تحت الرعاية الأميركية، ولم يعد مطلوبًا منها فقط التنازل عن الجنوب السوري، بل أداء أدوار إقليمية أخطر.

ما ترتكبه هذه الحكومة اليوم من جرائم بحق الشعب الكوردي، وقبلها ما ارتُكب بحق العلويين والدروز، لن يبقى حبيس الجغرافيا السورية. هذه الجرائم ستصل إلى الكونغرس الأميركي، وستتحول إلى الركيزة القانونية والسياسية لإعادة تفعيل عقوبات قيصر. كما أن المسار ذاته قد يدفع مجلس الأمن إلى إعادة النظر في ملف إرهاب الجولاني وهيئة تحرير الشام، بعد أن رُفعت عنهما صفة الإرهاب بشروط واضحة، أبرزها الالتزام بالبند السابع. ومع انهيار هذه الشروط، لن يكون مستبعدًا إعادتهم إلى قوائم الإرهاب الدولية.

الطرف الذي تخلّى بسهولة عن قسد بعد عقد من الحرب ضد الإرهاب، وبعد مليارات أُنفقت، لن يتردّد في جرّ هذه الحكومة إلى حروب بالوكالة. البداية ستكون بمحاربة الكورد، ولن تنتهي إلا بجرّها إلى مواجهة الحشد الشعبي، نيابة عن إسرائيل. فإسرائيل لا تريد جنوب سوريا فقط، بل تحتاج قوى سنية تكفيرية تقاتل “التطرف الشيعي”، وأدوات إيران، من حزب الله إلى الحشد العراقي.

وهكذا، لن تُزَجّ حكومة الجولاني في صراع مع إيران مباشرة، بل في مواجهة العراق الشيعي، عبر استدعاء الثأر المذهبي وصدام حسين بوصفه “رمزًا سنيًا”، في وقت ينظر فيه الحشد الشعبي والقوى العراقية إلى دمشق الجديدة بالمنظار ذاته، كما ولا يزال أحمد الشرع مطلوبا من الحكومة العراقية وقضاءه كأبو محمد الجولاني. إنها وصفة انفجار إقليمي كامل.

وفي الخلفية، يُعاد إنتاج نموذج النفط، إخراج الموارد من يد الإدارة الذاتية، لا لصالح “السيادة”، بل لتسليمها إلى شركات أميركية، في معادلة تذكّر بفنزويلا أكثر مما تشبه دولة خارجة من حرب. وبذلك، لم يُلغَ التحالف مع قسد فقط، بل جرى تدمير التحالف الدولي نفسه، حين أُدخلت حكومة ذات جذور إرهابية إلى معادلة “محاربة الإرهاب”.

أما تركيا، الراعي الأول لهذا المسار، فهي ليست بمنأى عن العاصفة. فبعد إدراج جماعة الإخوان المسلمين، لن يكون إدراج حزب العدالة والتنمية مستبعدًا عند أول صدام كبير، أو في حال اختارت أنقرة الاصطفاف إلى جانب إيران في أي مواجهة قادمة. ولا سيما أن تركيا لم تبلغ بعد المرحلة التي تراها الولايات المتحدة وأوروبا ملائمة للاستمرار كشريك موثوق؛ إذ طُلب منها مرارًا إحداث تغيير داخلي جوهري، لكنها اكتفت بتعديلات شكلية لم تمسّ جوهر بنيتها السياسية. وبذلك، فإن مسار التغيير لم يعد داخليًا، بل بات مرجحًا أن يُفرض عليها من الخارج، ولا يُستبعد أن يأتي على نسق مماثل لما تشهده إيران، حتى وإن طال الزمن.

الخلاصة واضحة، ما يجري اليوم في سوريا والحرب على غربي كوردستان ليس انتصارًا على الكورد، بل بداية سلسلة انهيارات، من يظن أن محاربة الكورد طريق إلى الاستقرار، لم يتعلّم شيئًا من التاريخ، ولا من الجغرافيا.

 

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

21/1/2026م

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

قامشلو – ولاتي مه : 6 نيسان 2026 برزت إلى العلن مؤشرات على وجود خلافات داخل قيادة حزب يكيتي الكردستاني – سوريا، عقب صدور بيانين متتاليين ومنسوبين إلى اللجنة المركزية للحزب، تضمّنا مواقف متباينة بشأن الأوضاع التنظيمية، ما أثار تساؤلات حول احتمال حدوث انقسام داخلي في الحزب. ففي 5 نيسان، أصدرت اللجنة المركزية بياناً عقب اجتماعها الاعتيادي، تناول جملة من…

شادي حاجي أزمة السياسة الكردية لم تعد عرضاً جانبياً ، بل صيرورة بنيوية . لم يعد السؤال مجرد اعتراف بالقضية ، بل قدرة من يدّعون تمثيل الشعب الكردي على الارتقاء بها . الواقع واضح : أحزاب متنافرة، برامج غامضة، وصراعات شخصية تحلّ محل المشروع القومي والوطني العام . الفرصة التاريخية التي جاءت مع الحرب السورية ذهبت أدراج الرياح بسبب…

خالد حسو وأنا أترقّب هذه العودة، يملأني أملٌ صامت بأن يأتي يومٌ أعود فيه أنا أيضًا، بعد فراقٍ طال حتى أثقلته السنوات، وامتدّ لأكثر من أربعة عقود من الزمن. أربعون عامًا وما يزيد، لم تكن مجرد غيابٍ عابر، بل مسافةً كاملة بين الإنسان وذاكرته، بين الروح ومكانها الأول، وبين القلب وما ظلّ ينتمي إليه رغم كل شيء. كان هذا البعد…

سمكو عمر لعلي يقولون إنّ بعض الظنّ إثم، غير أنّ ما نشهده اليوم يدفع المرء إلى التأمّل العميق، بل وإلى طرح الأسئلة التي طالما حاولنا تجاهلها أو تأجيلها. لقد قلناها مراراً وتكراراً: إنّ الانشقاقات التي عصفت بصفوف الأحزاب الكوردية لم تكن يوماً وليدة الصدفة، بل كانت – في كثير من مراحلها – صنيعة أنظمةٍ معادية، وفي مقدّمتها نظام حزب البعث…