شادي حاجي
لا تُعد الصياغة الغامضة في الاتفاقات السياسية والقانونية مجرد هفوة لغوية عابرة، بل تمثل في كثير من الأحيان خللاً بنيوياً يفتح الباب أمام النزاعات والتأويلات المتناقضة، وقد تكون أحياناً خياراً سياسياً مقصوداً لتأجيل الخلاف بدلاً من حسمه. غير أن هذا الخيار، مهما بدا عملياً على المدى القصير، يتحول لاحقاً إلى عبء قانوني وسياسي ثقيل يصعب التحكم بتداعياته.
فالغاية الأساسية من أي اتفاق هي نقل الإرادة من مستوى النوايا العامة إلى مستوى الالتزامات المحددة. غير أن هذه الغاية تُفرغ من مضمونها عندما تُصاغ النصوص بلغة إنشائية فضفاضة، أو تُستخدم عبارات مطاطة من قبيل «عند الاقتضاء» و«وفق الإمكان» و«بما لا يتعارض»، دون تحديد ضوابطها أو حدودها. عندها يصبح الاتفاق قابلاً لقراءات متعددة، وكل قراءة تعكس مصلحة طرف دون الآخر، لا مقتضيات النص ذاته.
ومن هنا، تبرز أهمية توجيه تنبيه واضح إلى أي وفد كردي تفاوضي، سياسياً كان أم عسكرياً، بشأن خطورة القبول بصياغات غامضة تحت ذريعة المرونة السياسية أو ضرورات المرحلة. فالتجارب القريبة والبعيدة تُظهر أن الغموض لا يُدار لاحقاً لصالح الطرف الأضعف تفاوضياً، بل يُستثمر ضده.
ويقدّم اتفاق 10 آذار المبرم بين الرئيس الشرع وقائد قوات سوريا الديمقراطية الجنرال مظلوم عبدي مثالاً معاصراً على ذلك. فعلى الرغم من تقديمه بوصفه خطوة تفاهمية مهمة، إلا أن نصه اعتمد على عبارات عامة مثل «التنسيق المشترك» و«معالجة القضايا العالقة» و«بما يخدم وحدة البلاد»، دون تحديد طبيعة الالتزامات، أو آليات تنفيذها، أو سقوفها الزمنية، أو الجهة المخولة بتفسيرها. وقد أدى هذا الغموض إلى تباين جوهري في فهم الاتفاق بين طرفيه، فتحول من أداة لتنظيم العلاقة إلى نص قابل للتوظيف السياسي المتناقض، وفاقد لقوته الإلزامية.
ولا يختلف هذا النموذج في جوهره عن تجارب دولية بارزة. فقد شكّل اتفاق أوسلو مثالاً صارخاً على الغموض المؤسسي، حين جرى تأجيل القضايا الجوهرية إلى «مفاوضات الوضع النهائي» دون تحديد إطار قانوني أو زمني ملزم. هذا الفراغ لم يكن حيادياً، بل سمح للطرف الأقوى بفرض وقائع ميدانية وسياسية حوّلت المرحلة الانتقالية إلى حالة دائمة، وأفرغت الاتفاق من غايته الأصلية.
كذلك الحال في اتفاق الطائف، الذي نجح في إنهاء الحرب الأهلية اللبنانية، لكنه أخفق في إنجاز الدولة التي وُعد بها. إذ إن غموض بنوده المتعلقة بإلغاء الطائفية السياسية، وضبط السلاح، وتحديد مراحل الإصلاح، حوّل الاتفاق من إطار انتقالي إلى صيغة مستدامة لإدارة الانقسام، لا لتجاوزه. وقد أثبتت التجربة أن النصوص التي لا تُلزم نفسها زمنياً وإجرائياً، تُشلّ سياسياً مهما بدت متوازنة نظرياً.
إن الدرس المستخلص من هذه النماذج واضح: الغموض في الاتفاقات لا يخلق حلولاً وسطى، بل يؤجّل الصراع ويعيد إنتاجه بأدوات جديدة. ولذلك، فإن أي وفد كردي منخرط في مفاوضات مصيرية مطالب بالالتزام بجملة من القواعد العملية غير القابلة للتنازل.
أول هذه القواعد هو الدقة اللغوية والمصطلحية، عبر استخدام ألفاظ محددة ذات معنى واحد، وتعريف المصطلحات الجوهرية في مادة مستقلة تمنع الخلاف حول مدلولها. فالنص الذي لا يعرّف مصطلحاته يسلّم تفسيره للميزان السياسي لا للضابط القانوني.
وثانيها الانتقال من الصياغة الإنشائية إلى الصياغة الإجرائية، من خلال الإجابة الصريحة عن الأسئلة الأساسية: من يلتزم؟ وبماذا؟ ومتى؟ وكيف؟ فالاتفاق الذي يعجز عن الإجابة عن هذه الأسئلة لا يتجاوز كونه إعلان نوايا، مهما بدا متماسكاً في شكله.
كما يقتضي الأمر التمييز الصارم بين الأفعال الملزمة مثل «يلتزم» و«يتعين»، والأفعال الاختيارية مثل «يجوز» و«يمكن»، وضبط الالتزامات زمنياً بآجال واضحة لا تقبل التمديد الضمني. فالالتزام غير المؤجل زمنياً هو التزام قابل للتعطيل، لا للتنفيذ.
ولا يقل أهمية عن ذلك النص المسبق على آلية تفسير وفض النزاع، وتحديد الجهة المرجعية المختصة، والنسخة المعتمدة من النص عند تعدد اللغات. فترك هذه المسائل مفتوحة لا يعني المرونة، بل يعني نقل الخلاف من طاولة التفاوض إلى ساحة الصراع.
إن الالتزام بهذه القواعد لا يتطلب التضحية بالمرونة السياسية، بل يستدعي إخضاع النص لمراجعة متعددة التخصصات تشمل خبراء قانونيين ولغويين ومختصين بالموضوع محل الاتفاق، إضافة إلى اختبار النص عبر سيناريوهات افتراضية تكشف مواطن الغموض قبل أن تتحول إلى أزمات فعلية.
وخلاصة القول، إن الغموض قد يبدو حلاً سياسياً مؤقتاً، لكنه في الحقيقة تأجيل لأزمة محسومة سلفاً. أما الوضوح، حتى وإن بدا صارماً أو مُكلفاً في لحظة التفاوض، فهو الأساس الوحيد لاتفاقات قابلة للتنفيذ والدفاع عنها مستقبلاً. فالاختبار الحقيقي لأي اتفاق لا يكمن في قدرته على جمع التواقيع، بل في قدرته على منع النزاعات بعد التوقيع.
وإلى مستقبل أفضل.