عدنان بدرالدين
لم يكن إعلان دونالد ترامب عن «مجلس سلام» عالمي، يرأسه «مدى الحياة» ويُدار بمنطق الصفقة، مجرد تفصيل غرائبي في مسيرته السياسية، بل كان تعبيرًا مكثفًا عن تصور مخصوص للسلطة: عالم يُدار من فوق، لا بالقانون بل بالإرادة، لا بالشرعية بل بالقدرة على الإملاء. ففي مفارقة كاشفة، يبيع صاحب المشروع مقعد العضوية الدائمة في هذا المجلس بمليار دولار، ويمنح نفسه رئاسة أبدية وهو يقترب من الثمانين، على رأس لجنة لا يفترض أصلًا أن تكون أزلية. في هذا التصور، لا يعود السلام ثمرة توازنات وحقوق، بل إجراءا إداريًا تُحدَّد شروطه في مكاتب القوة. غير أن هذا الوهم الإمبراطوري، الذي بدا في بدايته قادرًا على تجاوز الأمم المتحدة وتهميش الفلسطينيين وإعادة هندسة غزة، اصطدم سريعًا بجدار حقيقي اسمه إسرائيل، فتكشفت عنده حدود القوة وحدود الادعاء معًا.
حين أعلن بنيامين نتنياهو صراحة أن «لن يكون هناك جنود قطريون أو أتراك في غزة»، لم يكن يرفض تفصيلاً تقنيًا في خطة أميركية، بل كان يضع فيتو سياديًا في وجه رئيس الولايات المتحدة ذاته. والأكثر دلالة أن هذا التصريح اللاذع لم يقابله، حتى لحظة كتابة هذه السطور، أي رد رسمي معلن من ترامب أو من أفراد إدارته، بما يعكس حجم الحرج السياسي أو حدود القدرة على المواجهة في هذه اللحظة الحساسة. فجأة، ظهر أن القلم الذي يرسم خرائط القوة في غزة يتوقف عند الخط الإسرائيلي. فغزة، بكل هشاشتها ومآسيها، بدت ساحة مفتوحة لإعادة التشكيل: لجان تكنوقراطية، وصاية دولية، تهميش لأصحاب الأرض، وتجاوز للأمم المتحدة. لكن ما إن تعلّق الأمر بكسر الاحتكار الإسرائيلي لإدارة القطاع، حتى ظهرت الحقيقة الأولى: يستطيع ترامب أن يقرر مصير كثيرين، لكنه لا يستطيع أن يقرر مصير غزة دون موافقة تل أبيب.
هذه اللحظة لم تكشف ضعفًا شخصيًا بقدر ما كشفت بنية أعمق. فترامب، وإن كان مصيبًا جزئيًا في نقده للأمم المتحدة بوصفها مؤسسة شكلية عاجزة وخاضعة لإرادة الأقوياء، ارتكب قفزة كارثية في الاستنتاج حين تخيّل نفسه البديل الطبيعي عنها. إسرائيل أعادته بسرعة إلى واقع النظام الأميركي العميق، حيث لا تُدار السلطة بإرادة فرد، بل بتشابك لوبيات ومؤسسات وسرديات تاريخية تجعل من تل أبيب جزءًا من بنية القرار في واشنطن لا مجرد حليف خارجي. عند هذا الجدار، بدا ترامب لا كإمبراطور مطلق، بل كرئيس قوي داخل نظام لا يسيطر عليه بالكامل.
غير أن القصة لا تنتهي عند حدود غزة. وإذا كان نقد هذا المسار لا يعني بأي حال تبرير سياسات حركة حماس أو الدفاع عن خياراتها، بل على العكس يقوم على رفض منطق الميليشيات والحكم بالقوة كما يرفض منطق الاحتلال والوصاية معًا، فإن سوريا تمثل اليوم الوجه الآخر الأكثر قتامة للمشهد: الساحة التي يُمارَس فيها فائض القوة حيث لا جدار ولا لوبي ولا خطوط حمراء.
في سوريا، يتقاطع انحياز ترامب مع رغبة تركية–سعودية–قطرية في إعادة ترتيب موازين القوة، على حساب أكثر من ثلاثة ملايين كردي – وليس على حسابهم فقط- يشكّلون جماعة بشرية لها حقوق سياسية وثقافية وتاريخية مستقلة عن أي تشكيل عسكري. فالمسألة هنا لا تتعلق بتنظيم أو شريك ميداني لواشنطن، بل بمصير شعب كامل يُدفع اليوم مجددًا إلى هامش المعادلات الإقليمية.
صحيح أن «قوات سوريا الديمقراطية» كانت الإطار العسكري الأبرز في قتال تنظيم داعش، لكنها لم تكن يومًا فاعلًا كرديًا خالصًا ولا ممثلًا حصريًا للكرد السوريين، بل تحالفًا متعدد المكونات أملته الضرورة الميدانية والشراكة مع الولايات المتحدة. ومع ذلك، فإن الكرد، بوصفهم مجتمعًا وحقوقًا وقضية، هم الذين دفعوا الكلفة البشرية الأكبر في تلك الحرب، وهم الذين يواجهون اليوم خطر الإقصاء وإعادة الإخضاع باسم ترتيبات إقليمية جديدة.
الصمت الأميركي إزاء المواجهات الجارية بين نظام أحمد الشرع – الجولاني والشعب الكردي لم يعد يُقرأ بوصفه حيادًا تقنيًا، بل كغضّ طرف مقصود، وربما كتواطؤ ضمني، خصوصًا مع بروز أدوار لشخصيات مثل توم باراك، المعروف بمواقفه العدائية الصريحة تجاه الكرد وحقوقهم القومية. هنا يتجلى منطق الصفقة في أنقى صوره: مع إسرائيل، حذر وتراجع ومساومة لأن الكلفة السياسية عالية، ومع الكرد، تجاهل واستعداد للتضحية لأنهم بلا لوبي قوي وبلا حماية بنيوية داخل واشنطن. السلام ليس عدالة، بل ميزان قوى. والوفاء ليس قيمة، بل عبء يمكن التخلص منه حين تقتضي الحسابات ذلك.
المفارقة أن اختبار «بطولة» ترامب الحقيقية لم يكن في فرض الوصاية على غزة ولا في بيع عضوية مجلس سلام، بل في قدرته على قول «لا» لإسرائيل، وفي قدرته على حماية حلفائه الضعفاء. في الاختبار الأول تراجع، وفي الثاني أخفق أخلاقيًا. وهكذا تكشّفت معادلة نادرة في التاريخ السياسي: قوة عظمى لا تستطيع فرض إرادتها الكاملة على دولة صغيرة حليفة لها، لكنها تستطيع في المقابل أن تضحّي بحلفاء ضعفاء بلا تردد.
لهذا، لا يكشف هذا المشهد أزمة ترامب وحده، بل أزمة النظام الدولي كله. نظام يقدّس القوة أكثر من الحق، ويكافئ النفوذ أكثر من التضحية، ويعيد إنتاج منطق إمبراطوري قديم تحت يافطات مستحدثة. عند الرفض الإسرائيلي الحازم سقط وهم الإمبراطور المطلق، وفي سوريا وعلى حساب الكرد انكشف الوجه الحقيقي للسياسة بلا أقنعة. والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح لا يتعلق بقدرة ترامب على فرض السلام، بل بقدرة الإنسانية ذاتها على إنتاج نظام يتجاوز طفولتها السياسية والأخلاقية، ويكسر أخيرًا حلقة الإمبراطور والأقوياء والضحايا التي يعاد تكرارها ككابوس قديم منذ أن وعى الإنسان ذاته كأداة تجمع بين القدرة على الإبداع والتدمير.
20 يناير 2026
…