صلاح بدرالدين
في مقالتها الأخيرة بالعربي الجديد ( عن نقاش المواطنة والأقليات في سورية ) ٥ \ ١ \ ٢٠٢٦ ، تعتبر الكاتبة السيدة سميرة المسالمة ” انني قولت مالم تقلها ” في ردي المعنون ” اعلى درجات التمثلية القومية ” المنشور بتاريخ ٢٦ ديسمبر ٢٠٢٥ ، على مقالتها السابقة : ” “مواطنون في دولة سورية… لا مكوّنات ولا أقليات” المنشورة بتاريخ ٢٢- ١٢ ٢٠٢٥ بالعربي الجديد أيضا ، وقبل الاسهاب بالموضوع الأساسي اود الاعراب عن استغرابي الشديد الممزوج بالاسف على ذلك الاتهام الباطل غير اللائق ، فليس لي خصومة مع الكاتبة ، بل انني اتابع كتاباتها منذ انحيازها لصفوف الشعب السوري ومغادرتها مكان عملها السابق بالمؤسسات الإعلامية في النظام المقبور ، كما انني اتخذت في مساري السياسي المعارض طيلة خمسين عاما نهج الحوار الهادئ مع السوريين من أصحاب الفكر والمعرفة بحثا عن مشتركات وطنية ، ورؤا متقاربة بشأن مستقبل البلاد والملف الكردي السوري ، واكثر من ذلك مضيت عقودا في الحوار مع قوى حركة التحرر العربية وبالأخص الفلسطينية ، واللبنانية ، وشاركت في تشكيل جمعيات صداقة كردية – عربية ، وكردية فلسطينية ، بهدف التحاور والتوافق على قضايانا المصيرية المشتركة ، بايجاز من واجباتي ان أوسع من دائرة الحوار خاصة في سوريا وفي هذا الظرف بالذات ، وامام الاستعصاءات في طريق تنفيذ اتفاق آذار الذي يشمل قسما من مناطقنا ، والتوصل الى توافقات ، ولست بوارد – خلق – خصوم ، او عداوات شخصية، وهناك فرق شاسع بين ان استنتج مثلا من عنوان : ( مواطنون في دولة سورية …لامكونات ولا أقليات ) أو ( هذا يعني أن الارتهان إلى خطاب المكوّنات أو الأقليات أو الخطاب الطائفي، سواء أكان مقصوداً أم غير مقصود، يفضي إلى تكريس الجماعات الهُويَّاتية على حساب مفهوم المواطنة، ما يعوق تشكّل السوريين شعباً ..) وسؤالي ما الخطب اذا شكل السورييون شعوبا في اطار الدولة الواحدة الموحدة ؟ ومن هي الجماعات الهوياتية وماذا تعني ؟ ، ان الكاتبة وبناء على اقوالها تدعو الى التمثلية القومية بصورة غير مباشرة ، وهذا من حقي ان اتوصل الى هذا الاستنتاج ، بناء على ماكتبته هي واضافة الى المضمون فان عنوان مقالتها تؤكد مانذهب اليه .
من الواضح ان المشكلة لدى الكاتبة ( وليس عندي ) وفي مواقفها المتناقضة من القضية الكردية السورية ، وعدم استقرارها على رؤية شفافة ثابتة ، فعلى سبيل المثال كتبت بتاريخ ٢٧ يوليو ٢٠١٦ في مقالة لها بالعربي الجديد : ” مع “حق الكرد المشروع، ليس في المواطنة وحسب، وإنما في تقرير المصير كجماعة قومية أيضاً، وإن ما أطلبه لي، أو لشعبي، أطلبه للكرد أيضاً، وللشعب الكردي” وحينها كان ردي جميلا في مقالة بعنوان ( شكرا سميرة المسالمة ) نشرت أيضا في العربي الجديد ، ثم تراجعت عن ذلك عندما كتبت ( مواطنون في دولة سورية ..لامكونات ولااقليات ) ، ، ومازال هذا السؤال عالقا بذهني : ماهي أسباب الارتداد من الاعتراف بحق تقرير المصير الكردي ، الى حل – مواطني – ” في دولة سورية ..لامكونات ولاأقليات ” ؟ قد تقدم الأيام والاشهر القادمة الإجابة …..مع ان أي انسان من حقه اتخاذ الموقف الذي يرتئيه .
كما لاحظت ان السيدة الفاضلة مازالت تخلط بين القضية الكردية كمسالة قومية ، وبين شؤون الطوائف والمذاهب وهذا مأخذ كبير أيضا ، من جهة أخرى مازالت تصر على اعتبار الكرد السوريين اقلية وهي تعلم جيدا ان الكرد يشكلون القومية الثانية في البلاد ، وان هناك فروقات دستورية ،وحقوقية ، وسياسية بين الشعب والأقلية ، قد يكون الكرد اقل عددا ولكن ليسوا اقلية .
من دواعي سروري ان اتحاور مع شركاء الوطن بحثا عن الحقيقة ومن اجلها ، وخصوصا من أمثال السيدة – سميرة المسالمة – وآمل ان يعلم الجميع اننا في الحركة الكردية قاسينا الامرين من الثقافة الشوفينية الاقصائية المتعالية ، ناهيك عن ( القمع وصنوف الإبادة ) ومنذ عقود ان لم يكن قرونا ، قيل لنا ان قضيتكم ستحل بعد تشكيل الدولة الإسلامية ، وقيل بعد ذلك بعد تحقيق الوحدة العربية ، وقيل أيضا بعد تطبيق الاشتراكية ، والان تقولون لنا بعد تحقيق حكم ( المواطنة ! ) ، ونحن نقول لكم جميعا : كفى خداعا أيها الشركاء ، ان حل القضية الكردية السورية سلميا وعبر الحوار لن يتم الا بعد الاعتراف بوجود شعب كردي من سكان سوريا الأصليين ، وبحقه تقرير مصيره السياسي ، والإداري ضمن اطار سوريا الواحدة ، ومن خلال الضمانات الدستورية ، وهذا يسبق تطبيق حق المواطنة ، فالكردي المحروم من هويته القومية ، وحقوقه الديموقراطية ، والسياسية ، والثقافية ، والاجتماعية لن يكون مواطنا سوريا حرا .
الحل ( المواطني ) للقضية القومية ؟!
هل هناك حل ” مواطني ” للقضايا القومية ؟ لم اجد في كتب تاريخ كفاح الشعوب ، ولا في وثائق الأمم المتحدة ، ولافي مختلف تجارب حركات التحرر حلا للمسالة القومية باسم ” الحل المواطني ” ، كل ما علمناه ان هناك مبدأ حق تقرير المصير وقد يكون مختلفا بالتفاصيل عند التطبيق بين قارة وأخرى ، وبلد وآخر ، وشعب وآخر ، هذا المبدأ معترف به عالميا من الشرق والغرب ، اعترف به الرئيس الأمريكي – وودرو ولسون – وتبنته ثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى ، وجميع حركات التحرر العالمية ، وهيئة الأمم المتحدة ، والمبدأ هذا لايستثني الكرد السوريين وهناك اجماع ان يتحقق ذلك في اطار سوريا التعددية الواحدة الموحدة ، وقد ناقشت هذا الموضوع مع العشرات من شركائنا السوريين خلال الندوات ، والمؤتمرات قبل الثورة السورية ، وخلالها ، وبعدها ، وحتى الان ، وبكل اسف مازال البعض مصرا على الاختباء وراء الحل ” المواطني ” للقضية الكردية وذلك تهربا من الاعتراف بشريكه الكردي وجودا وحقوقا .
كما اعتقد فان فكرة ( الحل المواطني ) خرجت من آيديولوجية حزب البعث تجاه الشعوب والقوميات ومنهم الكرد ، ففد تضمنت ( المناضل ) الجريدة النظرية لهذا الحزب عدد صيف ١٩٦٦ ، مقالة حول الموضوع جاء فيها : ان حقوقهم – الاكراد – تقتصر على حق المواطنة مثل اية جالية عربية في بلدان أوروبا ، أي انهم مهاجرون وليسوا من السكان الأصليين .
وقد انتقلت العدوى الى الأوساط الحاكمة بإسرائيل ، ففي احدى المراحل طرحت السلطات فكرة ضم كل الفلسطينيين ومنحهم حق المواطنة ( الاسرلة ) كحل نهائي للقضية الفلسطينية التي هي مسالة قومية تحررية ديموقراطية ومسالة حق تقرير المصير ، ولذلك رفض الشعب الفلسطيني ذلك الحل ( المواطني ) لقضيته .
اعتقد من واجباتنا جميعا كوطنيين سوريين الحفاظ على الإنجاز الأهم في دحر واسقاط نظام الاستبداد ، وذلك لن يتم الا بتحقيق البقية الباقية من اهداف الثورة السورية في اجراء التغيير الديموقراطي ، والعدالة الانتقالية ، والتشاركية وليس الاقتصار على اللون الواحد ، وتقليص امد المرحلة الانتقالية ، وإعادة بناء المؤسسات الدستورية ، والانفتاح لحل المشاكل القائمة وكلها من صنع النظام البائد ، ثم إعادة البناء والاعمار ، وعودة المهجرين .
ومايتعلق الامر بالوضع الكردي فان الإسراع في تنفيذ اتفاقية العاشر من آذار بين دمشق وقسد ، وإنجاز الاندماج العسكري ، والأمني ، والإداري ، والمالي ، سيزيلان عقبة امام العمل لمعالجة القضية الكردية وذلك بتوفير شروط عقد مؤتمر توحيدي جامع للحركة الكردية في العاصمة دمشق ، لاقرار المشروع الكردي للحل والسلام ، واختيار من يمثل الكرد وحركتهم بصورة شرعية ، للتحاور مع الإدارة الانتقالية الحاكمة ، والتوصل الى حلول توافقية مقبولة .
العربي الجديد ” ١٢ \ ١ \ ٢٠٢٦