عزالدين ملا
شهدت الساحة السورية في الآونة الأخيرة تصاعداً ملحوظاً في موجات التحريض الإعلامي وخطابات الكراهية التي اجتاحت وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، خاصة بعد الإطاحة بنظام بشار الأسد.
هذه الظواهر التي تضخّمت بشكل غير مسبوق، تثير العديد من علامات الاستفهام حول مدى خطورتها على نسيج المجتمع السوري، إذ تعمل على تعميق الانقسامات وزعزعة الاستقرار، من خلال أدوات التضليل والكذب التي تهدف إلى إشعال الفتن والصراعات الطائفية والعرقية.
في ظل هذه الظروف، بات من الضروري أن تتحد جهود المؤسسات الإعلامية والمنظمات المدنية لمواجهة هذه الظواهر، عبر تبنّي استراتيجيات فعالة لضبط المحتوى الإعلامي، وتعزيز أخلاقيات المهنة، وترسيخ ثقافة التعايش والتسامح، بهدف الحفاظ على استقرار سوريا وأمنها، ودرء مخاطر الفتنة والتشويه.
وفي مواجهة موجات التّحريض وخطاب الكراهية، باعتقادي يتوجّب على المؤسسات الإعلامية تبني أدوات دقيقة لمكافحة التضليل، من خلال التحقق من صحة المعلومات قبل نشرها، واعتماد ممارسات صحفية تتسم بالمصداقية والحيادية. كما أن من الضروري وجود إطار أخلاقي واضح يوجه الإعلاميين، لضمان عدم الانجرار وراء خطابات التحريض، والعمل على نشر رسائل التوعية والتسامح، مع إبراز قصص النجاح والتعايش بين مختلف مكونات المجتمع، بهدف تعزيز الوحدة الوطنية وتقليل حدّة الفتن.
إن مسؤولية الإعلام في نشر الوعي وتقديم محتوى مسؤول تعتبر من أهم السبل لوقف تغذية خطاب الكراهية والتقليل من خطورة التجييش.
لكن، مع مرور الزمن، بات واضحاً أن سقوط النظام لم يكن إلا بداية لمرحلة طويلة من النضال، وأن المعركة الحاسمة ليست فقط في إزاحة رأس النظام، وإنما في بناء إطار وطني شامل يُحافظ على وحدة المجتمع، ويعيد بناء مؤسسات دولة حديثة تعتمد على مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية. إذ أن التحديات التي تواجه سوريا اليوم كبيرة ومعقدة، من انتشار الفوضى والصراعات المسلحة إلى تفشّي الانقسامات السياسية والطائفية وتدهور الأوضاع الاقتصادية وغياب الأمن والاستقرار، مما أدى إلى حالة من الانهيار الشامل، أضعفت قدرات المجتمع على التماسك، وأعاقت جهود إعادة البناء.
في ظل هذه الأوضاع، برزت تهديداتٌ خطيرةٌ لمستقبل البلاد، من بينها الحملات الإعلامية الممنهجة والمتصاعدة بشكل غير مسبوق، والتي تنتشر عبر وسائل التواصل والوسائل الإعلامية التقليدية، مستخدمة أدوات متعددة من التضليل والكذب بهدف زعزعة استقرار المجتمع وزيادة الانقسامات وإثارة الفتن بين مكوّنات الشعب السوري. هنا، تبرز أهمية وضع قواعد أخلاقية واضحة للعمل الإعلامي، من خلال معايير مهنية تضمن التزام الإعلاميين بالمبادئ الأساسية للمصداقية والحيادية، وتجنب خطاب التحريض والكراهية. بالإضافة إلى ذلك يتعيّن على المؤسسات الإعلامية تطوير استراتيجيات واضحة توجه أدواتها لخدمة السلام المجتمعي، بدلاً من تغذية النزاعات والصراعات، من خلال تقديم محتوى يعكس قيم الوحدة والتآلف.
كما أن استمرار هذه الحملات يفاقم من حالة الانقسام، ويعمّق جراح المجتمع، خاصة بعد سنوات طويلة من الحرب، حيث يشعر الكثير من السوريين بالإحباط واليأس، ويخشى العديد منهم أن تتّجه البلاد نحو المجهول، وأن تتلاشى آمال إعادة الوحدة الوطنية. الأجيال الجديدة التي نشأت في ظل الظروف الصعبة تواجه تحدياتٍ كبيرةً في التربية والثقافة والهوية، وهو ما يهدد مستقبل الوحدة الوطنية، ويزيد من خطر تفتيت النسيج الاجتماعي، خاصة إذا لم تتكاتف الجهود الوطنية من أجل تصحيح المسار وتعزيز ثقافة التعايش واحترام الاختلاف.
في ظل هذه التحديات، تبرز الحاجة الماسة لترسيخ ثقافة الحوار والتسامح والمصالحة الوطنية، باعتبارها أدوات أساسية لبناء مستقبل مستدام، قادر على مواجهة كل محاولات التفتيت والتشويه. فالوحدة ليست مجرد شعار يُرفع، وإنما هي عملية مستمرة تتطلب جهودا من جميع أطياف المجتمع، من قادة سياسيين ونخب فكرية ومؤسسات إعلامية وأفراد للعمل على توحيد الصفوف ورص الصفوف وتعزيز روح المواطنة، والابتعاد عن لغة العداء والكراهية التي تضرُّ بالمجتمع، وتهدّد استقرار البلاد. إن التسامح والاحترام والتفاهم هي الركائز التي يمكن من خلالها بناء جسور التعايش وتجاوز الخلافات وفتح آفاق جديدة للعمل الوطني المشترك.
وعليه، لا يمكن تجاهل الدور الكبير الذي تلعبه المؤسسات الإعلامية والمنظّمات المدنية في نشر ثقافة السلام والتسامح، من خلال برامج توعية وورش عمل ومبادرات مجتمعية، تهدف إلى تصحيح المفاهيم وتغيير الصورة الذهنية وتعزيز روح الوحدة بين مكونات المجتمع السوري. فوسائل الإعلام، سواء كانت مرئية أو مقروءة أو رقمية تمتلك القدرة على تشكيل الوعي الجمعي، إمّا لترسيخ قيم الوحدة أو لإشعال نيران الفتنة.
لذلك، من الضروري أن تتبنّى المؤسسات استراتيجياتٍ واضحةً، توجه أدواتها لتعزيز القيم الإنسانية وتجنُّب خطاب الكراهية والتحريض، مع التركيز على إبراز المبادرات التي تعكس روح التعاون والوحدة الوطنية.
أما المجتمع المدني، فهو الحصن الحصين لمواجهة موجات التطرُّف والكراهية، وهو الأداة التي يمكن عبرها بناء جسور التفاهم بين مكوّنات المجتمع وترسيخ القيم الإنسانية وتشجيع الحوار البنّاء، وتعزيز مبدأ المواطنة وضمان حقوق الجميع بغضّ النظر عن خلفياتهم.
فمن خلال برامج التوعية وورش العمل والمبادرات المجتمعية، يمكن للمجتمع المدني أن يلعب دوراً محورياً في إذكاء روح التآلف ومواجهة كل ما يهدّد النسيج الوطني، خاصة في زمن تزداد فيه الحاجة إلى التضامن والوحدة والتكاتف لبناء سوريا المستقبل.
لذا، يبقى أن نؤكّد أن مرور سنة على سقوط نظام الطاغية بشار الأسد يُعد فرصة ثمينة للتفكُّر والتقييم والعمل على رسم خارطة طريق واضحة لمستقبل سوريا. فالحفاظ على الوحدة الوطنية وتجنُّب الانجرار وراء خطابات التشويه والعمل على ترسيخ ثقافة التسامح واعتماد الحوار هي مفاتيح أساسية لبناء سوريا الجديدة، التي تتسع للجميع وتحمي حقوق مواطنيها، وتعيدها إلى مكانتها كدولة ذات سيادة تحترم تنوعها وتؤمن بمبادئ الديمقراطية والعدالة. فالتحديات كثيرة، لكن الأمل في غدٍ أفضل، والعمل الجماعي والإرادة الوطنية كل ذلك عوامل قادرة على صناعة مستقبل يليق بتضحيات الشعب السوري ويعيد إليه مكانته ويجعل من سوريا بلداً حُراً ومستقراً ومتطوراً يليق بتاريخها العريق وتطلعات شعبها في حياة كريمة ومستقرة.