د. موسي كاڤال
تمهيد
تتسم ا السوريا بتعدد مكوناتها القومية والدينية والثقافية، وهو تعددٌ متجذّر في تاريخ هذا البلد الذي يُعدّ من أقدم مواطن الحضارات الإنسانية. فمنذ أكثر من أربعة آلاف عام، شكّلت الأراضي التي تُعرف اليوم بسوريا فضاءً تاريخياً مفتوحاً لتعاقب شعوبٍ وحضاراتٍ متعددة، أسّس بعضها دولاً وإمبراطوريات كبرى، ثم انصهرت أو زالت ككيانات قومية مستقلة عبر مسار التاريخ الطويل.
ففي الألفين الثاني والأول قبل الميلاد، قامت على هذه الأرض حضارات مثل الحثيين (حوالي 1600–1180 ق.م)، والميتانيين (حوالي 1500–1300 ق.م)، والآشوريين (حوالي 1400–612 ق.م)، إلى جانب أقوام أخرى أسهمت في بناء البنية السياسية والثقافية للمنطقة. ومع مرور الزمن، شهد الإقليم تفاعلاً مستمراً بين مجموعتين لغويتين-حضاريتين رئيستين:
الأولى تنتمي إلى اللغات السامية، ومنها الآراميون والسريان، الذين شكّلت لغاتهم وثقافاتهم الأساس التاريخي الذي تطورت ضمنه العربية لاحقاً؛
والثانية تنتمي إلى اللغات الهندو-أوروبية، ومن بينها الشعوب التي تُعدّ أسلافاً تاريخيين للكرد، والذين كان لهم حضور قديم وموثّق في شمال وشرق سوريا.
وفي هذا السياق التاريخي، يمكن الإشارة إلى أقوام هندو أوروبية أسست دول و إمبراطوريات او لعبت أدواراً بارزة في المنطقة ،مثل )، والكوتين ( ٢١٥٠-٢٠٥٠ق.م) الميتانيين(١٥٥٠-١٣٥٠ق.م)، الحثيين ( ١٣٥٠-١١٨٠ق.م)، (والميديين (القرن الثامن–السادس ق.م)، والأخمينيين (550–330 ق.م)، ثم المقدونيين في عهد الإسكندر الأكبر وخلفائه (331–64 ق.م)، تلتهم الإمبراطورية الرومانية (64 ق.م–395 م) ثم البيزنطية، إضافة إلى الفرثين (247 ق.م–224 م) والساسانيين (224–651 م).
ومع بدايات القرن السابع الميلادي، دخلت الجيوش العربية الإسلامية المنطقة، فتكوّنت كيانات سياسية جديدة، أبرزها الدولة الأموية (661–750 م) والدولة العباسية (750–1258 م)، ثم تلتها مراحل حكمٍ متنوع لم تكن فيه السلطة السياسية دائماً عربية، كما في عهود البويهيين الإيرانيين (945–1055 م)، والسلاجقة الأتراك (1037–1194 م)، والأيوبيين الكرد (1171–1250 م)، وصولاً إلى الدولة العثمانية (1516–1918 م) التي استمرت حتى الحرب العالمية الأولى. و في كل هذه المراحل كان لأسلاف الكرد و العرب ثم لهذين القوميتين الرئاسيين حضورا بارزا و خصوصا من الناحية الديموغرافية في سوريا..
ومن المهم التأكيد، من منظور تاريخي-قانوني، على أن الأراضي السورية، خلال جميع هذه المراحل، لم تكن قائمة كدولة ذات سيادة بحدود جغرافية سياسية و معترف بها ، على النحو الذي تشكّل لاحقاً بعد الحرب العالمية الأولى، عندما أُنشئت الدولة السورية الحديثة في ظل الانتداب الفرنسي.
لقد شكّل هذا التراكم الحضاري الطويل نموذجاً تاريخياً للتعايش الديني والثقافي والسياسي بين المكونات المختلفة و بالأخص بين بين المكونين الرئيسيين أي العرب و الكرد . غير أنّ هذا النموذج بدأ يتصدّع في القرن العشرين مع صعود الأيديولوجيات القومية المغلقة، ولا سيما تلك التي تجسدت في أنظمة الحكم الشمولية، ومنها نظام حزب البعث العربي الاشتراكي، الذي تبنّى سياسات مركزية أفضت إلى تهميش بعض المكونات وإنكار هوياتها الثقافية، وكان الشعب الكردي من بين المتضررين من هذه السياسات.
وأمام هذا الواقع، وجد السوريون، عرباً وكرداً وغيرهم، أنفسهم في مسار نضال مشترك ضد الاستبداد، توّج بعد أكثر من عشر سنوات من الصراع بسقوط النظام السابق. وفي إطار السعي إلى تأسيس مرحلة جديدة تقوم على الشراكة الوطنية والاعتراف المتبادل، عُقد لقاء رسمي يوم الاثنين 10 آذار (مارس) 2025، جمع بين رئيس الجمهورية السورية المؤقت السيد أحمد الشرع، ورئيس قوات سوريا الديمقراطية السيد مظلوم عبدي، بصفته ممثلاً عن المكون الكردي في سوريا. وقد أسفر اللقاء عن توقيع اتفاق رسمي من ثمانية بنود، يهدف إلى تنظيم العلاقات السياسية والإدارية والعسكرية، وترسيخ أسس التعاون بما يخدم وحدة سوريا واستقرارها ومستقبلها. من المفيد ان نذكر فيما يلي بنود هذا الاتفاق قبل ان نقوم بتوضيح محتواه ومصطلحاته من الناحية القانونية و اللغوية والسياسية.
.
نص الاتفاق.
«بناءً على اجتماع جرى بين الرئيس أحمد الشرع ومظلوم عبدي يوم الاثنين الموافق لـ ١٠ آذار (مارس) ٢٠٢٥ ، تم الاتفاق على ما يلي
١- ضمان حقوق جميع السوريين في التمثيل والمشاركة في العملية السياسية وكافة مؤسسات الدولة، بناءً على الكفاءة، بغض النظر عن خلفياتهم الدينية والعرقية
٢- المجتمع الكردي مجتمع أصيل في الدولة السورية، وتضمن الدولة السورية حقه في المواطنة وكافة حقوقه الدستورية.
وقف إطلاق النار على كافة الأراضي السورية.٣-
٤- دمج كافة المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرق سوريا ضمن إدارة الدولة السورية، بما فيها المعابر الحدودية والمطار وحقول النفط والغاز.
ضمان عودة كافة المهجرين السوريين إلى بلداتهم وقراهم، وتأمين حمايتهم من قبل الدولة السورية.٥-
دعم الدولة السورية في مكافحتها لفلول الأسد وكافة التهديدات التي تهدد أمنها ووحدتها.٦-
رفض دعوات التقسيم وخطاب الكراهية ومحاولات بث الفتنة بين كافة مكونات المجتمع السوري.٧-
٨- تسعى اللجان التنفيذية إلى تطبيق الاتفاق بما لا يتجاوز نهاية العام الحالي.»
أولا. الإطار العام للاتفاق ومعناه السياسي.
إن النص الذي ورد في الاتفاق، ولا سيما العبارة:
«المجتمع الكردي مجتمع أصيل في الدولة السورية، وتضمن الدولة السورية حقه في المواطنة وكافة حقوقه»
ليس عبارة توصيفيه أو أخلاقية فقط، بل هو إقرار قانوني–سياسي يترتب عليه آثار مباشرة في
– شكل الدولة
-طبيعة الشرعية
-آلية اتخاذ القرار
-مفهوم المواطنة
-مشروعية الدستور والنظام السياسي
ثانيًا: معنى «المجتمع الكردي مجتمع أصيل في الدولة السورية.»
». المعنى القانوني لمفهوم «مجتمع أصيل
في الفقه الدستوري والسياسي «مجتمع أصيل» يعني مصطلح
مكوّن تكويني في نشوء الدولة، وليس مكوّنًا طارئًا، أو مهاجرًا، أو أقلية مُلحقة وبالتالي فإن وجوده
سابق على الدولة أو متزامن مع نشأتها وحقوقه ليست مِنَحًا من السلطة بل حقوقًا أصلية و هذا يضع
المجتمع الكردي في مرتبة الشريك في الدولة، لا التابع لها و يترتب عتي ذلك عدة نتائج.
.
النتيجة الأولى:
ا- انتفاء حق الفرض من أي مكوّن علي الآخر .
ب-لا يجوز لأي مكوّن اجتماعي أو قومي آخر، مهما بلغت أغلبيته العددية، أن يفرض إرادته السياسية أو .الهوياتية على المجتمع الكردي
ت- الدليل القانوني.
مبدأ المساواة بين المكونات التأسيسية و رفض طغيان الأغلبية او استبداد الأغلبية
. (Tyranny of the Majority)
وهذا المبدأ معترف به في الفقه الدستوري المقارن كدساتير الدول التعددية (كندا، بلجيكا، سويسرا
النتيجة الثانية:
ا- عدم انطباق منطق الأكثرية والأقلية.
إن توصيف المجتمع الكردي بأقلية في القضايا المتعلقة بهويته وحقوقه يفقد الشرعية القانونية لهذا التوصيف
لأن منطق الأكثرية/الأقلية يُطبّق في الدول الأحادية القومية ولا يُطبّق على المكونات الأصيلة و بالتالي لا يُطبّق علي القضايا المتعلقة باللغة ، بالهوية، بالثقافة و بالإدارة الذاتية
ب – التمثيل السياسي . التمثل لا تُحسم بالتصويت العددي، بل بلتوافق والشراكة بين المكونين الاصلين .
النتيجة الثالثة:
الشراكة في الإرادة السيادية
الشراك تكون بالإرادة الحرة في قرارات وسياسات الدولة وهو تعبير عن مبدأ قانوني يُسمّى
السيادة المشتركة (Shared Sovereignty)
ومعناه أن الدولة لا تستمد شرعيتها من مكوّن واحد بل من إرادة جماعية للمكونات الأصيلة أي أن
الدولة السورية كشخصية معنوية لا تكون مكتملة الشرعية إذا غاب عنها أحد مكوناتها التأسيسية.
ثالثًا: معنى «تضمن الدولة السورية حقه في المواطنة وكافة حقوقه الدستورية»
ا- العلاقة بين الجملتين الأصالة والمواطنة. الأصالة يسبق تنظيم المواطنة ولا يمكن صياغة مفهوم المواطنة دون إشراك المكوّن الأصيل وهذا يتفق مع القاعدة الدستورية لا مواطنة شرعية دون شراكة في تعريفها
ب – التزام الدولة وليس منّتها.
» يعني التزامًا قانونيًا لا وعدًا سياسيًا ولا صلاحية تقديرية ضمن الدولة السورية» قول النص
أي أن الدولة مُلزمة بضمان الحقوق وليس لها أن تعيد تعريفها منفردة
ت – شرعية مفهوم المواطنة.
إن شرعية صياغة مفهوم المواطنة لا تتحقق إلا بمشاركة وموافقة المجتمع الكردي لأن المواطنة
ليست مجرد علاقة فرد–دولة بل علاقة مجتمع–دولة في الدول التعددية ومن دون هذه المشاركة
تصبح المواطنة أداة دمج قسري لا إطارًا للعدالة والمساواة
رابعًا: الدستور والشرعية الدستورية
أي دستور لا يشارك في صياغته مكوّن أصيل، ولا يحظى بموافقته، هو دستور ناقص الشرعية وذلك
للأسباب التالية
ا- الدستور عقد اجتماعي والعقد لا يصح دون رضا أطرافه
ب- البطلان السياسي والأخلاقي للدستور الإقصائي.
الدستور الإقصائي حتى ولو أُقِرّ بالتصويت. أو حظي باعتراف دولي شكلي فانه يبقي ضعيف المشروعية
وقابلًا للطعن وغير مستقر سياسيًا وهذا ما أثبتته تجارب دول كثيرة مثل العراق قبل ٢٠٠٣، سوريا قبل ٢٠١١
، سريلانكا و تركيا.
خامسا. تفسير دستوري و لغوي لعبارة الدمج و ضمن إدارة الدولة السورية .
إن النص التالي قد اختلط فهمه لدى بعض الجهات الحكومية فيما يتعلّق بالاعتراف بحقوق الشعب الكردي، مما أدى إلى تأويل غير دقيق وتعسفي لعبارة.
«دمج كافة المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرق سوريا ضمن إدارة الدولة السورية، بما فيها المعابر الحدودية » والمطار وحقول النفط والغاز
إذ فُسِّرت هذه العبارة على أنها تعني الانصهار أو الذوبان لتلك المؤسسات، التابعة للمكوّن الكردي، داخل مؤسسات الدولة السورية، وهو تفسير لا يستند إلى أساس لغوي سليم ولا إلى منطق قانوني صحيح ..
من الناحية اللغوية، لا يعني مفهوم «الدمج» الإلغاء أو الذوبان أو فقدان الهوية المؤسسية، بل يدل على الجمع والتنظيم المشترك بين مكوّنات متعددة ضمن إطار واحد، مع احتفاظ كل مكوّن بخصوصيته وبنيته الإدارية والتنظيمية. فالدمج، بهذا المعنى الدقيق، لا يُنتج كياناً منصهراً واحداً، وإنما يؤسس إطارا جامعا يقوم على التنسيق والتكامل، لا على المحو أو الإلغاء ويزداد هذا المعنى وضوحاً مع ورود عبارة «ضمن إدارة الدولة السورية» في النص نفسه، إذ إن كلمة «ضمن» تحمل دلالة قانونية وتنظيمية واضحة، تفيد بأن عملية الدمج تتم في إطار الإدارة العامة للدولة السورية، لا من خلال حلّ المؤسسات القائمة أو إذابة هياكلها، بل عبر إخضاعها لإطار سيادي وإداري عام، مع الإبقاء على خصوصياتها المؤسسية والعسكرية. كما نري فيما بعد فإن الجمع بين مصطلحي «الدمج» و«ضمن إدارة الدولة السورية» ينفي بشكل صريح أي تفسير قائم على الانصهار أو الحلّ المؤسسي، ويؤكد أن المقصود هو دمج تنظيمي تشاركي يحفظ الخصوصيات المؤسسية .
أولا. التحليل اللغوي لعبارة «دمج
المعنى اللغوي الصحيح لكلمة «دمج» في اللغة العربية. »
فدمج الشيءَ في الشيء لا يعني الاصهار أدخال شيء في شيئ اخر مع بقاء تميّزه البنيوي أو الوظيفي
،لا الإلغاء، لا الذوبان و الاستيعاب القسري.
: الدليل اللغوي
دمج مؤسستين او اكثر لا يعني إلغاء إحداهما، بل إنشاء إطار مشترك مع احتفاظ كل بهويتها القانونية
. اذا الدمج لا يُنتج وحدة مطلقة ، بل شراكة تنظيمية داخل إطار أوسع و لا يعني إلغاء خصوصيتهم
ثالنيا: التحليل القانوني لعبارة «دمج .
: أيضا و لعدة أسباب ان تفسيركلمة دمج بمعني الانصهار غير صحيح قانونياً
أ) مخالف للمعنى اللغوي
هذا التفسير يستبدل لفظ دمج بلفظ إلغاء أو حلّ، وهو ما لم يرد لا نصّاً ولا دلالةً.
.
ب) مخالف لقواعد تفسير الاتفاقات
: وفق القواعد العامة في القانون
العبرة بنص الاتفاق لا بنية طرف واحد –
يُفسَّر النص الغامض لمصلحة الطرف الأضعف–
– لا يُفترض التنازل عن الحقوق إلا بنص صريح
– لا يوجد في المادة أي ذكر لحلّ قسد، لا لإلغاء الإدارة الذاتية او لإنهاء الخصوصية الإدارية أو الأمنية
ثالثا: التحليل الدستوري لعبارة ضمن إدارة الدولة السورية
ا- مفهوم الدولة لا يعني المركزية المطلقة، لان الدولة الحديثة قد تكون مركزية، لا مركزية، فدرالية او كونفدرالية.
لا تعني خضوعا مركزيا مباشرا بل تعني تمثيلاً دستورياً «ضمن إدارة الدولة السورية» عبارة ب –
. ت-المؤسسات المحلية في شمال شرق سوريا ليست كيانات غير شرعية
لان هذه المؤسسات المدنية والعسكرية. نشأت في ظروف فراغ سيادي الناتج من القضاء على السلطة الاستبدادية لنظام اسد بعد نزاع مسلح استمر اكثر من عقد من الزمن و لانها أدّت وظائف الدولة أمن، قضاء وخدمات .
وفق هذا مبدآ ، ما يقوم بوظيفة الدولة يكتسب صفة قانونية : ت- الشرعية الواقعية
.
رابعا: التحليل السياسي الواقعي للدمج.
المقصود من الدمج هو حل توافقي لا أداة الهيمنة لأنه لو كان المراد من كلمة «دمج» هو الإلغاء لما احتاج الأمر إلى اتفاق ولما جرى التفاوض مع مظلوم عبدي بصفته ممثلاً سياسياً للشعب الكري في شمال شرق سوريا.
. خامسا. منطق و أصول حل المشاكل بعد النزاع
في حالات ما بعد النزاعات ، الدمج يعني ، إعادة تنظيم السلطة، تقاسم الصلاحيات، الاعتراف المتبادل وفي البلاد المتعددة القوميات والمكونات الدينية والاثنية الدمج لا يعني الانصهار أو الذوبان بل الاعتراف الدستوري لحقوقهم و في حالة وجود قوميات مختلفة يتم الاعتراف بهم في نظام فدرالي او لامركزي موسع.
سادسا: المبادئ القانونية الداعمة لهذا التحليل القانوني واللغوي
مبدأ عدم جواز التفسير الموسّع للنصوص المقيّدة للحقوق
مبدأ الشراكة في السلطة الانتقالية
مبدأ حماية المكتسبات السياسية
مبدأ التدرج في توحيد المؤسسات
مبدأ الرضا المتبادل كأساس لأي دمج مؤسسي
مخالفة الحكومة السورية لاتفاقية 10 آذار/مارس 2025
ان هذا التحليل يبين بلا شك بان الحكومة السورية المؤقت، تتحمّل المسؤولية القانونية والسياسية الكاملة عن الإخلال بأحكام اتفاقية 10 آذار/مارس 2025، سواء من حيث نصوصها الصريحة أو من حيث روحها ومقاصدها، وذلك من خلال ممارسات أحادية الجانب تتناقض بوضوح مع الالتزامات الناشئة عن الاتفاق. ويمكن بيان أوجه هذه المخالفات على النحو الآتي:
أولًا: انتهاك مبدأ الشراكة الدستورية المنصوص عليه في المادة الثانية
تنص المادة الثانية من الاتفاقية على ما يلي:
«المجتمع الكردي مجتمعٌ أصيل في الدولة السورية، وتضمن الدولة السورية حقه في المواطنة وكافة حقوقه الدستورية».
ويُفهم من هذا النص، على نحوٍ واضح، أن المجتمع الكردي يُعدّ مكوّنًا أصيلًا وشريكًا دستوريًا في الدولة السورية، وهو ما يترتب عليه التزام قانوني صريح بعدم اتخاذ أي قرارات مصيرية تتعلق ببنية الدولة أو مؤسساتها الدستورية من دون مشاركته الفعلية وموافقته السياسية.
إلا أن الحكومة السورية المؤقتة أقدمت، بصورة أحادية، على تنصيب نفسها سلطةً حاكمة جديدة، وحلّ مؤسسات الدولة القائمة، ثم تشكيل برلمان سوري جديد عبر تعيين أعضائه من قبل الرئيس المؤقت، فضلًا عن تشكيل الحكومة وتوزيع الحقائب الوزارية، كل ذلك من دون أي مشاركة أو تشاور مع الطرف الكردي.
وتُشكّل هذه الإجراءات انتهاكًا مباشرًا وجوهريًا للمادة الثانية من الاتفاقية، لأنها تمسّ جوهر مبدأ الشراكة الدستورية، وتُفرغ الاعتراف بأصالة المجتمع الكردي من مضمونه السياسي والقانوني، وتحوله إلى نص شكلي بلا أثر عملي.
ثانيًا: مخالفة مفهوم «الدمج» الوارد في المادة الرابعة من الاتفاقية
تنص المادة الرابعة من الاتفاقية على دمج المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال وشرق سوريا ضمن إدارة الدولة السورية، وهو ما سبق توضيحه بأن مفهوم الدمج لا يعني الانصهار أو الإلغاء.
غير أن الحكومة السورية المؤقتة تسعى، من خلال الضغط السياسي وبدعم من بعض الدول الإقليمية، إلى فرض انصهار كامل للمؤسسات المدنية والعسكرية في شمال وشرق سوريا داخل بنية الدولة المركزية، بما يؤدي فعليًا إلى إلغاء هياكلها وخصوصيتها ووظيفتها الذاتية.
ويُعدّ هذا التوجه متعارضًا صراحةً مع المعنى اللغوي والقانوني لمفهوم الدمج، إذ إن الدمج يعني تنظيم العلاقة بين هذه المؤسسات والدولة ضمن إطار قانوني موحّد، مع الحفاظ على بنيتها المؤسسية وخصوصيتها الإدارية، لا إذابتها أو تفكيكها. وعليه، فإن محاولة فرض الانصهار القسري تُشكّل تحريفًا متعمدًا لمضمون المادة الرابعة، وإفراغًا لها من معناها القانوني والاتفاقي.
ثالثًا: التناقض في التطبيق وتحميل الطرف الكردي مسؤولية الإخلال بالاتفاق
على الرغم من الانتهاكات الواضحة والممنهجة التي ترتكبها الحكومة السورية المؤقتة بحق المادتين الثانية والرابعة من الاتفاقية، فإنها تقوم، في الوقت ذاته، باتهام الطرف الكردي، وعلى مختلف المستويات، ولا سيما الإعلامية والدولية، بعدم احترام أو تنفيذ اتفاقية 10 آذار/مارس 2025.
ويُشكّل هذا السلوك تناقضًا قانونيًا وسياسيًا جسيمًا، إذ لا يجوز قانونًا ولا منطقًا لجهة تنتهك الاتفاق بصورة منهجية أن تدّعي الالتزام به، أو أن تُحمّل الطرف الآخر مسؤولية تعطيله. إن هذه الممارسات تهدف إلى قلب الوقائع، والتنصل من الالتزامات القانونية المترتبة على الحكومة السورية المؤقتة، وتفتقر إلى أي أساس قانوني موضوعي أو حسن نية في التنفيذ.
الخلاصة القانونية
إن مجمل الأفعال والممارسات المشار إليها أعلاه تُشكّل إخلالًا جوهريًا باتفاقية 10 آذار/مارس 2025، وتؤكد بما لا يدع مجالًا للشك أن الحكومة السورية المؤقتة لم تلتزم بمبدأ الشراكة الدستورية، ولا بمفهوم الدمج المتفق عليه، ولا بقواعد حسن النية في تنفيذ الاتفاقات الدولية والسياسية، الأمر الذي يضع مسؤولية التعطيل والانتهاك على عاتقها وحدها، من منظور قانوني وسياسي.
في الختام، يمكن استخلاص الملاحظات التالية .
تشكّل الدولُ الموحدة الحديثة، ولا سيما في منطقة الشرق الأوسط، نماذجَ متكرّرة للدول الفاشلة. فلم تتمكّن أي دولة وحدوية في هذه المنطقة من ضمان الديمقراطية أو الازدهار أو الاستقرار بصورة مستدامة لمواطنيها، كما لم تنجح أيٌّ منها في معالجة مشكلاتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية معالجةً فعّالة.
وتؤكّد ذلك أمثلةٌ بارزة، من بينها العراق في عهد حزب الحزب العربي الاشتراكي ، وسوريا في ظل حكم عائلة الأسد، وليبيا، واليمن، وتركيا، إلى جانب العديد من الدول الأخرى في افرقا ، اسيا و في أمريكا اللاتينية.
و في المقابل، تتميّز الدولُ الفدرالية و اللامركزية بدرجة عالية من الاستقرار السياسي، والتنمية الاقتصادية وبقدرة عظمى على إدارة التنوّع الداخلي، وبازدهارٍ أكثر استدامة. وتُبرز دولٌ مثل سويسرا وكندا وبلجيكا وإسبانيا و روسيا و الهند و جنوب افريقيا و البرازيل و نيجيريا بوضوح قدرةَ الأنظمة الفدرالية أو شبه الفدرالية على استيعاب التعدّدية اللغوية والثقافية والإقليمية، والحدّ من النزاعات الداخلية، والتعامل بفعالية كبيرة مع الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي قد تطرأ مع مرور الزمن.
وتُظهر هذه الأمثلة أنّ الفدرالية لا تمثّل إطارًا مؤسسيًا أكثر شمولًا للحكم فحسب، بل تُعدّ أيضًا عاملًا حاسمًا في تحقيق الاستقرار، وتعزيز التماسك الاجتماعي، وضمان التنمية المستدامة في المجتمعات المتعدّدة.
د . موسي كاڤال مدرس سابق في الفانون الدستوري والمؤسسات السياسية في باريس- فرنسا
29-12-2025
لشرق الأدنى وسوريا مصادر أكاديمية وتاريخية
Georges Roux. Ancient Iraq, London – Penguin Books
Mario Liverani. The Ancient Near East: History, Society and Economy, London & New York – Routledge
Trevor Bryce.The Kingdom of the Hittites,Oxford – Oxford University Pressce en Syrie du Nord.
- Nicholas Postgate.Early Mesopotamia: Society and Economy at the Dawn of History
London & New York – Routledge sociales proto-étatiques de la région.
Pierre Briant.From Cyrus to Alexander: A History of the Persian Empire,
Winona Lake (Indiana) – Eisenbrauns
Gernot Wilhelm. (éd.)The Hurrians Warminster – Aris & Phillips
Maurice Sartre.D’Alexandre à Zénobie : Histoire du Levant antique Paris – Fayard ;
Irfan Shahîd.Byzantium and the Arabs in the Sixth Century, Harvard University Press;
Hugh Kennedy.The Great Arab Conquests, London – Weidenfeld & Nicolson;
Philip S. Khoury & Joseph Kostiner. (éds.)Tribes and State Formation in the Middle East
كتب ومراجع أكاديمية في الفقه الدستوري والقانون المقارن يمكن الرجوع إليها لدراسة مفاهيم التي وردت النص اتفاق ١٠ اذار ٢٠٢٥ (الأصالة – المواطنة – مشاركة المكوّنات – السيادة المشتركة – منطق الأكثرية/الأقلية):
١. المقارنة الدستورية العامة والقانون الدستوري
Constitutional Law” – Georg Jellinek
Comparative Constitutional Law” – Tom Ginsburg & Rosalind Dixon (Editors)
The Constitution of Multicultural States” – Will Kymlicka
٢.حقوق الأقليات والمكوّنات الأصلية
Multinational Federalism: Do Ethnic Groups Benefit from Sharing Sovereignty? John McGarry & Brendan O’Leary
Minority Rights in the Age of Globalization, Tariq Modood
٣.الفكر السياسي حول الأغلبية/الأقلية
On the Tyranny of the Majority, Alexis de Tocqueville
Democracy and Its Critics, Robert Dahl
٤.منظمات دولية وتقارير قانونية
المفوضية الأوروبية لحقوق الإنسان / المجلس الأوروبي
تقارير حول حماية الأقليات في الدول الأوروبية
المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان (UN OHCHR)
مبادئ حقوق الأقليات
معايير المشاركة السياسية
Declaration on the Rights of Persons Belonging to National or Ethnic, Religious and Linguistic Minorities (UN)” – 1992.
٥.المصادر اللغوية لمعنى الصحيح لكلمة «دمج»
المعاجم العربية
ابن منظور ، لسان العرب
المعجم الوسيط (مجمع اللغة العربية – القاهرة)
٦.المصادر القانونية – تفسير النصوص والاتفاقات
. قواعد تفسير النصوص
د .عبد الرزاق السنهوري.– الوسيط في شرح القانون المدني
«لا يُفترض التنازل عن الحق إلا بنص صريح لا لبس فيه»
محكمة العدل الدولية – مبادئ تفسير المعاهدات (اتفاقية فيينا 1969)
المادة 31:
«يُفسَّر النص بحسن نية وفق المعنى العادي للألفاظ»
٧.الفقه الدستوري العربي.
تفسير النصوص المقيّدة للحقوق يجب أن يكون تفسيراً ضيقاً لا موسعاً.
٨. في القانون الإداري.
سليمان الطماوي – القانون الإداري
«الدمج الإداري هو إعادة تنظيم للمرفق العام، لا إلغاء له إلا بنص صريح»
الدمج المؤسسي في فقه الإدارة العامة
دمج = تنسيق + شراكة + توزيع صلاحيات
. الشرعية الواقعية (de facto legitimacy). ٩
ماكس فيبر ، السياسة كمهنة
الشرعية قد تنشأ من القدرة على أداء وظائف الدولة.
الفقه الدستوري المقارن ما بعد النزاعات
من يؤدي وظائف
الأمن
القضاء
الخدمات
يكتسب شرعية واقعية انتقالية.
١٠. المصادر السياسية – ما بعد النزاعات
UNDP – Post-Conflict Governance
Integration ≠ Dissolution
Integration = Power-sharing + Institutional recognition
International IDEA – Constitution-building after conflict
الدمج في الدول المتعددة القوميات:
لا يعني الانصهار
بل الاعتراف الدستوري بالتعدد
١١. المبادئ القانونية العامة الداعمة
مبادئ مستقرة في الفقه والقضاء
مبدأ عدم التفسير الموسّع للنصوص المقيّدة للحقوق
مبدأ الشراكة في السلطة الانتقالية
مبدأ حماية المكتسبات السياسية
مبدأ التدرّج في توحيد المؤسسات
مبدأ الرضا المتبادل كأساس لأي دمج مؤسسي