من إمرالي إلى قنديل… إلى هنا: لماذا يجب أن يُصنع مستقبل الكرد في سوريا داخل الوطن؟

خالد ابراهيم
ليس من حقّ أحد خارج هذه الأرض أن يمدّ أصابعه إلى مستقبلنا. هذه البلاد لم تُصنع في إمرالي، ولا في قنديل، ولا على طاولة مسؤول تركي يُدير ملفّ الكرد كما يدير ملفّ الضرائب.
هذه البلاد صُنعت هنا:
حيث يموت الأطفال قبل أن يتعلموا كتابة أسمائهم، وحيث تصير المدن رماداً قبل أن تكمل سنواتها. فأي عقلٍ يربط مصير غرب كردستان برجلٍ محجوز منذ ربع قرن؟
وأي وعي يقبل أن يُنقل مستقبل الكرد السوريين في أكياس بريد تُسلَّم لوفدٍ تركي قبل أن يعرفها أهل الأرض أنفسهم؟
من يتعلق بصدى صوتٍ في جزيرة تركية، هو نفسه الذي فقد القدرة على التقاط صرخة أم فقدت أبناءها في رأس العين. وهو نفسه الذي لم يعرف أن السياسة هنا ليست نظرية، بل جثث تمشي معنا كل يوم. وحين نتحدث عن القيادة، يجب أن نتحدث عن رجلٍ عرف معنى أن تُنحت الدولة من العدم:
مسعود البرزاني.
هذا رجل لم تجذبه الأضواء، بُني مجده لا من التصفيق، بل من الصمت الذي يسبق المعارك. من جروح البيشمركة، من عيون الأمهات اللواتي غسّلن أبناءهن بالتراب قبل أن يدفنوهم.
البرزاني لم يُرسل شعبه إلى معركةٍ ثم ينام في حضن دولةٍ معادية. لم يُحوّل القضية إلى مكتبٍ في أنقرة، ولا إلى وثيقة تُقرأ في جلسة مغلقة، ولا إلى شعارٍ يُرفع في الليل ويُباع في النهار.
عندما واجه العالم في الاستفتاء، واجهه أعزل إلا من شعبه،
ومع ذلك وقف. لأن القائد الذي يعرف قيمة شعبه لا ينتظر موافقة الجلاد ليمنح شعبه حقه.
أما هنا، في غرب كردستان، فلدينا قيادات تشتري الهزيمة بالجملة، وتبيع الوهم بالمفرّق. قيادات لا ترى من السياسة إلا الكرسي، ولا من الشعب إلا الوقود. قيادات جعلت مصيرنا يتأرجح بين رغبة ضابط تركي، وتوقيعٍ يأتي من قنديل،
ونصيحةٍ تُرسل من جزيرة لا تعرف شيئاً عن رائحة الحرب.
هؤلاء الذين يدّعون أنهم “صوت الشعب”، هل سمعوا مرةً صوت مقاتلٍ مات وهو يبحث عن رصاصة؟ هل سمعوا صوت أبٍ فقد أولاده الثلاثة في ليلة واحدة؟ هل سمعوا صوت مدنٍ امتلأت بالقبور قبل أن تمتلئ بالماء؟
لا، هم لا يسمعون شيئاً. لأن الآذان التي تُصغي لإمرالي
تصمّ نفسها عن سماع وجع الكرد في سوريا. مستقبلنا لا يُكتب في جزيرة. ولا يُستخرج من جيوب أجهزة المخابرات. ولا يُعاد تدويره في خطابات حزبية ميتة. مستقبلنا يُكتب كما كُتبت دماؤنا:
مباشرةً على الأرض، بلا وسيط، بلا وصيّ، بلا تمثيل قائم على الرموز الفارغة. غرب كردستان لن ينهض ما لم تُسقط هذه القيادات القديمة، ويُرفع عنها غبار الفشل، وتُستعاد البوصلة من يد من لم يعرف الطريق يوماً. نحن بحاجة إلى شجاعة تشبه شجاعة البرزاني، لا شجاعة من يبحث عن إذنٍ في كل خطوة.
نحتاج إلى قادةٍ يعرفون أن الأرض أولاً، والشعب أولاً، والقرار يبدأ من هنا، من تحت أقدام الذين يموتون دفاعاً عن بيتٍ لم يبق منه سوى الباب. هذا هو الطريق. وهذه هي الحقيقة. وكل ما عداها…
ليس سوى ضجيجٍ لا يليق بدماء الكرد.
==============

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

سعيد يوسف دار الحرب مصطلح فقهي إسلامي قديم، ارتبط ظهوره تاريخيًا بزمان ومكان محددين، ويقابله مصطلح دار الإسلام. وليس المقصود بالدار هنا المنزل أو دار السكن، بل يراد به : الإقليم أو الدولة والبلدة. تعريف دار الحرب : هي كل بقعة تكون أحكام الشرك فيها ظاهرة. أو كلّ بقعة لا تسود فيها أحكام الإسلام، والسلطة فيها للكفار. وقد وضع…

د. محمود عباس إلى دول الخليج، وإلى العشائر العربية في سوريا والعراق: انتبهوا قبل أن تلتهمكم النار التي يُراد إشعالها باسمكم. من يدفع بعضكم اليوم إلى محاربة الكورد لا يحمي العرب ولا سوريا، بل يستخدم الدم العربي وقودًا لمشروعين إقليميين يتنافسان على إخضاع المنطقة: المشروع التركي والمشروع الإيراني. لا تمنحوا داعش اسم العشيرة، ولا تمنحوا مرتزقة تركيا غطاء العروبة. فالخيام…

د. حمدي سنجاري يتحمّل رئيس الوزراء العراقي، علي فالح الزيدي، مسؤوليات تُعدّ من بين الأكثر تعقيداً في المنطقة، فالعراق يقف عند تقاطع تحديات داخلية وإقليمية ودولية تجعل من قيادة الدولة مهمة استثنائية بكل المقاييس. ولعلّ صعوبة هذه المهمة هي ما يجعل تولّيها، بحدّ ذاته، تعبيراً عن الثقة بالقدرة على الإنجاز، إذ إنّ قيادة العراق اليوم لا تحتمل الاكتفاء بإدارة الأزمات،…

دلدار بدرخان لست هنا بوارد إثارة الفتنة بين مكونات الشعب الواحد ، ولا أبتغي فتح جراحٍ جديدة أو صب الزيت على نار الخلافات الداخلية ، وإنما ما أود التطرق إليه في هذه الجزئية هو أحد أكثر المواضيع إثارةً للجدل في الأوساط الشعبية الكوردية ، ألا وهو موضوع تبرؤ بعض الإيزيديين الكورد من كورديتهم ، والتمسك بمفهوم أن ” الإيزيدية…