الكرد كأمة “لا تاريخية”: قراءة فلسفية وتاريخية في الإشكاليات والتحديات؟

اكرم حسين 

في مقالته المهمة  “الكرد كأمة لا تاريخية”، يُقدّم الدكتور سربست نبي، أستاذ الفلسفة السياسية في جامعة كويه، رؤية نقدية جديدة حول الأمة الكردية. يتناول فيها مشكلة غياب الوعي التاريخي الكردي، والافتقار إلى نظرية قومية مستقلة، والتي يعزوها

 إلى عدم قدرة الامة الكردية على تسجيل” تاريخها بنفسها وبلغتها، ومن منظور وعيها بذاتها في التاريخ ” مما يجعلها ، أمة “لا تاريخية”. لكن هذه الأطروحة تثير العديد من الإشكاليات الفلسفية والتاريخية التي تحتاج إلى تحليل نقدي. في هذا المقال، سنحاول أن نعرض تحليلاً فلسفياً وتاريخياً لفكرة “الأمة اللا تاريخية” وفقاً لرؤية د. سربست نبي، مع محاولة تقديم جواب نقدي يعيد النظر في هذا التصور.

١.مفهوم الأمة والتاريخ.

منذ العصور القديمة، ارتبط مفهوم الأمة بالتاريخ ، فالأمة تعرف عادة على انها مجموعة من الناس الذين يتشاركون في ثقافة مشتركة، لغة، وأرض…الخ ، لكن هل الأمة بحاجة إلى أن تكتب تاريخها بنفسها لتُعتبر “تاريخية”؟ يرى د. سربست نبي أن الكرد أمة “لا تاريخية” لأنهم لم يُسجّلوا تاريخهم بلغتهم الخاصة ، وأن معظم الوثائق التي تتعلق بهم قد كتبها “الآخر” – سواء كان هذا الآخر هو الفرس، العثمانيون، أو العرب. إلا أن هذه الفكرة تحتاج إلى إعادة نظر، خاصة من منظور فلسفي.

في الفلسفة التاريخية، يرى بعض المفكرين أن التاريخ لا يتشكّل فقط من خلال السجلات المكتوبة، بل يشمل أيضاً ما يُسمى بـ “التاريخ الشفوي” أو “التاريخ المعاش”. فالتاريخ ليس مقتصراً على الكتب والمخطوطات، بل يمتد ليشمل الذاكرة الجماعية التي تُحفظ في الثقافات الشعبية والممارسات اليومية. الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو يشير إلى أن التاريخ ليس مجرد سرد للحقائق التي يكتبها الأقوياء أو المسيطرون، بل هو أيضاً الصراع على الذاكرة، حيث أن ما يُستبعد من السرد الرسمي قد يكون بنفس أهمية ما تم توثيقه.

من هذا المنظور، يمكن القول إن الكرد يمتلكون تاريخاً غنياً، رغم أنهم لم يكتبوه بلغة كردية تقليدية. يمكن أن نجد تاريخهم في نضالهم المستمر ضد الإمبراطوريات الاستعمارية، وتقاليدهم الثقافية التي نقلوها عبر الأجيال، والذاكرة الجماعية التي شكّلت وعيهم القومي.

٢.الوعي القومي والمصير المشترك.

يُعتبر الوعي القومي أحد العناصر الأساسية التي تحدّد هوية الأمة ، وفي هذا السياق، يعزو د. سربست نبي غياب “النظرية القومية الكردية” إلى نقص الوعي المشترك بالمصير. يرى أن الأمم الأخرى، مثل العرب والفرس والترك، قد وضعت نظرياتها القومية الخاصة التي تساعد في تشكيل هويتها على مر الزمن. لكن الكرد، في نظره، لم يتمكنوا من بناء هذه النظرية، مما جعلهم أمة من دون مصير مشترك.

لكن، هل يمكن أن تكون القومية مجرد نظرية مكتوبة؟ في الفلسفة السياسية الحديثة، يؤكّد العديد من المفكرين مثل إرنست رينان أن الأمة هي في الأساس إرادة العيش معاً. بمعنى آخر، الأمة لا تتشكّل من خلال صياغة نظرية مكتوبة، بل من خلال الشعور المشترك بين أعضائها بالمصير، والعلاقات الاجتماعية التي تربطهم في مواجهة تحدّيات مشتركة. قد يكون الكرد قد تأخروا في صياغة نظرية قومية مكتوبة، لكن هذا لا يعني غياب الوعي القومي. يمكن أن يكون الوعي القومي الكردي موجوداً في الممارسة اليومية، وفي التضامن الشعبي الذي يتجسد في الانتفاضات الكردية  والمقاومة المستمرة ضد القوى الاستعمارية التي تسيطر على  كردستان .

هذا الفهم يدعونا إلى إعادة النظر في المفهوم التقليدي للقومية الذي يُركّز على الجانب النظري. فالقومية لا تقتصر على الكتابة والنظرية فقط، بل يمكن أن تكون نتاجاً للممارسة الجماعية التي تتحقق عبر المقاومة السياسية، والثقافة الشعبية، والمشاعر المشتركة .

٣.التضامن فوق القومي والشخصية المحورية.

أحد الجوانب التي يثيرها د. سربست نبي في تحليله هو التضامن فوق القومي، الذي يتمثل في ولاء الكرد لقادة مثل عبد الله أوجلان، والذي يرى أنه يحدّ من ظهور وعي قومي قائم على مصالح قومية مشتركة ، وفي هذا السياق، يلاحظ الكاتب أن الحركات الكردية تتبنى سردية أيديولوجية تشبه السردية الإسلامية، حيث يبرز الزعيم المخلص الذي يتخذ دوراً محورياً في بناء الأمة.

هذه الظاهرة، كما يرى د. نبي، هي جزء من الظاهرة “الما وراء قومية”، حيث لا تقتصر الحركات الكردية على مصالح قومية ضيقة، بل تتخطاها إلى مشروع أوسع، مثل الأمة الديمقراطية أو الأمة الإسلامية، ما يضعف الوعي القومي التقليدي. من الناحية الفلسفية، يمكن تفسير هذه الظاهرة في إطار الفكر الهيجلي عن التاريخ، حيث يرى هيجل أن الأفراد الذين يظهرون في لحظات مفصلية من التاريخ يمثلون الروح العامة للأمة. لكن السؤال المهم هنا: هل الأمة هي التي تخلق الزعيم، أم أن الزعيم هو من يخلق الأمة؟ في الحالة الكردية، يمكن أن نرى أن الزعيم هو رمز للأمة في مرحلة معينة، لكنه ليس المسؤول الوحيد عن تشكيل الأمة أو تاريخها.

في الوقت نفسه، يثير الاهتمام الكبير بالشخصية القيادية إشكالية في بناء الوعي الديمقراطي في الحركات الكردية. فتركيز الحركات الكردية على القائد الفرد قد يُضعف من دور القاعدة الشعبية في تشكيل وعي قومي حقيقي، ويزيد من الاعتماد على الهرمية بدلاً من الديمقراطية التشاركية. من هنا، قد يكون هذا التضامن على مستوى القائد مضراً في تطور الوعي القومي الكردي بشكل أوسع.

٤.المفارقة التاريخية: حراك مبكر بلا نظرية قومية.

من أهم المفارقات التي يطرحها د. سربست نبي هي أن الكرد بدأوا حراكهم القومي في وقت مبكر جداً مقارنة بالأمم الأخرى في المنطقة، مثل الفرس والعرب والترك. منذ النصف الأول من القرن التاسع عشر، شهدت كردستان حركات قومية تحررية سبقت غيرها من الحركات القومية في المنطقة. ومع ذلك، ظلّ الكرد حتى الآن، وفقاً لد. نبي، دون نظرية قومية مستقلة، مما جعلها أمة تفتقر إلى “وعي تاريخي”.

قد تكون هذه المفارقة ناتجة عن غياب الفرص للكرد لصياغة نظرية قومية في ظل التشتت السياسي والتهديدات العسكرية المستمرة. فالكرد لم يواجهوا فقط تحديات داخلية ، بل واجهوا أيضاً قوى استعمارية كبرى مثل الإمبراطورية العثمانية، والفرس، والعرب، والترك ، وهذا جعل من الصعب عليهم تطوير نظرية قومية مكتوبة تشكل أساساً لبناء دولة قومية مستقلة.

لكن من منظور الفكر التاريخي، يمكن القول إن الكرد كانوا يصنعون تاريخهم عملياً بأيديهم من خلال الثورات والمقاومة ضد القوى الاستعمارية. فحتى بدون نظرية قومية مكتوبة، كانت الحركات الكردية تكتب تاريخها الخاص عبر الأفعال والمواقف السياسية، وفي مواجهتها المستمرة للأعداء. من هذا المنظور، يمكن تفسير “الفشل” الذي ذكره د. نبي على أنه جزء من عملية تاريخية أكبر، حيث أن الكرد قد واجهوا تحديات جعلتهم يركزون على المقاومة الفعلية بدلاً من بناء النظرية.

5. هل الأمة “اللا تاريخية ” تشكل شعباً؟.

في ختام مقالته، يطرح د. سربست نبي سؤالاً فلسفياً عميقاً: إذا كانت الأمة “لا تاريخية”، هل يمكن أن تُعدّ شعباًً ؟

 في المفهوم الفلسفي ، الشعب ليس مجرد مجموعة من الناس الذين يعيشون على أرض واحدة، بل هو مجموعة من الأفراد الذين يتشاركون تاريخاً جماعياً، وذاكرة ثقافية، وأهداف مشتركة ، ومن هذا المنظور، لا يتعلق الشعب فقط بوجود تاريخ مكتوب أو نظرية قومية، بل بتجربة جماعية تُصنع في الحاضر كما في الماضي.

في الحالة الكردية، رغم عدم وجود تاريخ مكتوب بالطريقة التقليدية، فإن الكرد لا يزالون يُشكّلون شعباً عبر نضالهم المستمر و إرادتهم في الحياة ، وبالتالي  يمكن القول إن الأمة الكردية ليست أمة “لا تاريخية”، بل أمة في عملية بناء تاريخها الخاص.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

سلمان حسين -هولندا في سوريا التي أنهكتها الحروب، وتراكمت على ذاكرتها الجماعية صور الدمار والدماء، يبرز مفهوم النصر عبر السلام بوصفه الرؤية الأعمق والأكثر إنسانية لتحقيق الغاية الأسمى لأي صراع لحماية الحقوق، وصون كرامة المواطن السوري المغلوب على أمره، وترسيخ الأمن والاستقرار. فالنصر الحقيقي لا يُقاس بعدد المعارك التي تُحسم , ولا بحجم القوة التي تُفرض، وخاصة بين أبناء البلد…

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* إن البديل الديمقراطي ضد الديكتاتورية الحاكمة في إيران لا يُعرّف بالشعارات والادعاءات. البديل الحقيقي هو القوة التي تمثل صوت المنتفضين، وتتواجد في قلب المعركة، وتستطيع نقل واقع انتفاضة الشعب الإيراني إلى الرأي العام العالمي. من هذا المنظور، فإن دراسة انتفاضة الشعب الإيراني وتداعياتها توفر معياراً واضحاً لتمييز البديل الحقيقي. التنظيم؛ الشرط الضروري للبديل إن دفع الاحتجاجات المناهضة…

إبراهيم اليوسف   كان الخوف يسكنني طويلاً كلما نظرت إلى أبناء الجيل الذي كبر بعيداً عن تراب الولادة. خشية على ارتباطهم بلغتهم. خشية من انقطاع الخيط الذي يربط البيت الأول بالشارع الجديد. خشية من أن تتحول الذاكرة إلى صورة باهتة معلّقة فوق جدار لا يلتفت إليه أحد. شعرتُ أن الغربة لا تكتفي بأخذ الجغرافيا، إذ تمضي أبعد فتأخذ الكلمات، ثم…

شادي حاجي قاتل الكرد في سوريا بشجاعة، وهزموا “داعش” حيث فشل كثيرون، لكنهم حين انتقلت البلاد من الحرب إلى السياسة، وجدوا أنفسهم خارج الغرفة. هذا الإقصاء لا يمكن تفسيره فقط بتآمر الخارج، ولا تبرئته بحجّة “الظروف الدولية”. خطيئة القوة بلا سياسة امتلك حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) القوة العسكرية، لكنه أخطأ حين افترض أن الانتصار في الميدان يكفي لفرض الاعتراف السياسي….