سوريا ما بعد السقوط: بين قانونٍ يبرأ الجميع وثأرٍ يقتُل الوطن

صلاح عمر

سقطت أركان نظامٍ استبدّ لعقود، وهرب زعيمه إلى حيث يظنّ أن الخطر بعيد. واحتلت فراغ السلطة كيانات مسلحة وجماعات إقليمية تتصارع على النفوذ، وُلدت في ظل هذا الفراغ حكومات مؤقتة وقرارات استثنائية تُحاكي إدارة شأن بلد لا يزال ينزف. لكنّ الجرح الأعظم لا يكمن في تبدّل الوجوه أو تبدّل العواصم الداعمة؛ بل في أن سوريا باتت ساحةً لتجييشٍ طائفيٍ وعنصري، وصارت لغة السرد السياسي ترتكز على قوانين الانتقام والعدميّة بدل أن ترتكز على قوانين العدالة والدولة.

حين يتفوّق خطاب الكراهية على لغة المواطنة، تُصبح الخسارة مزدوجة: نخسرُ الإنسان قبل أن نخسر الوطن. حين تُقدّم المؤسسات الإعلامية والحوارات الحزبية خطابًا يشرعن للثأر، فإنّنا نغذّي آلةً لا تميّز بين العدالة والانتقام، ولا بين القصاص القانونيّ والانتقام العشائري. وفي هذا المناخ تنمو فزعاتُ العصبيات، وتتكاثرُ مواقفٌ تُجهض أي أفقٍ للعيش المشترك. إنّ الخطوة الأولى للبدء في العلاج الوطنيّ هي إدراك هذه الحقيقة: لا سلام ولا استقرار بدون دولة قانون، ولا دولة قانون بدون مؤسسات حيادية تُحمي الحقوق ولا تُغيّبها.

الخطر ليس فقط في التجييش والعصبيّة، بل في منطقٍ سياسيٍ يعتقد أن التفرد بالسلطة أو احتكار القرار قادر على بناء وطن. من ينادي اليوم بعودة زمن الزعيم الواحد، أو يجهد لإصدار قراراتٍ فوق القانون باسم الاستثناء، يمهّد لمرحلةٍ من الفوضى المنظمة التي لن تتوقف عند حدود مدينة أو طائفة؛ ستتّجه سريعًا إلى تهشيم كلّ ما تبقى من نسيجٍ اجتماعيٍ رقيق. علينا أن نقرأ التاريخ لنفهم: أي نظامٍ يولد من الاستثناءات، يستمرُّ بالاستثناءات، وحين تنتهي حاضنته الخارجية أو الداخلية، ينهار مُدمرًا من بنى الدولة نفسه.

المواطنة هي الحلّ، وليست مجرّد شعارٍ يرفع في خطابات المشاهير. المواطنة التي نحتاجها هي التي تُقنن الحقوق وتحوّلها إلى واجبات، وتضع حدودًا لا يمكن تجاوزها لأي خطابٍ يحاول إلغاء الآخر. في هذه المواطنة تحيا سورية بلا استثناءات: كلّ مكوّنٍ يقرّ بحقّه في الوجود، وفي التمثيل العادل، وفي المشاركة بالقرار العام. وهذا لا يُبنَى بقراراتٍ استعراضية، بل بتأسيس دستور جديد يضمن آليات توازنٍ حقيقية وفصلًا فعليًا للسلطات، ويؤسّس لبرلمانٍ منتخبٍ يعكس الخريطة المجتمعية، وحكومةٍ موحّدةٍ قادرةٍ على فرض القانون وتوزيع الخدمات.

اللامركزية ليست حلًا هشًّا بل هي سُلّة أدوات عملية يمكنها أن تُهدئ الصدمات وتوزّع السلطة بصورة تمنع احتكار القرار. لا نقصد باللامركزية فوضىً إدارية، بل إدارةٌ متوازنةٌ تفوّض صلاحياتٍ حقيقيةً إلى المجتمعات المحليّة، وتُبقي على مؤسساتٍ مركزية تمارس اختصاصاتها السيادية في أمور الأمن والعملة والسياسة الخارجية. هذا التوزيع للسلطة هو ما يزيل الحوافز للسيطرة الطائفية أو الفئوية، ويعطي لكلّ منطقةٍ مساحةً لتقرير شؤونها بما يحفظ الوحدة الوطنية ويعزّز التعايش.

إنّ الإعلام اليوم يتحمّل جزءًا لا يُستهان به من المسؤولية: لا يكفي أن يُقال إن دور الإعلام هو نقل الأخبار؛ بل على وسائل الإعلام واجبٌ أخلاقيٌّ ووطنيٌّ في تحمل تبعات خطاباتها. لزامٌ على الإعلام أن يُعيد إنتاج خطابٍ يُغذي العقل لا العاطفة المدمّرة. عليه أن يطرح أسئلةٍ تُعوّد الناس على منطق الاستدلال والحوار بدلاً من منطق الاتهام والتهييج. والمجتمع المدني، من ناحيته، عليه أن يكون درعًا ضدّ أي محاولة لاستغلال المساجد والكنائس والمنابر الاجتماعية لأغراضٍ سياسية تدمّر النسيج الاجتماعي.

الخطاب السياسي كذلك بحاجة إلى مراجعةٍ جذريّة: لا يمكن أن نبني تحالفاتٍ أو نعقد صفقاتٍ تسلّط الحماسة على العقل. لا خلاص لسوريا هو قائمٌ على رهاناتٍ أيديولوجية ضيقة أو على استيراد حلولٍ زائفةٍ من خارج إطارها المجتمعي. الحوار السوري-السوري يجب أن يتحول من لعبة صفقاتٍ شبه سرية إلى منظومة تفاوضية شفافةٍ تحكمها قواعد دستورية وأطر زمنية ومسوغات واضحة لحماية الحقوق.

أما الدور الدولي والإقليمي فلا يمكن تجاهله — لكنه يجب أن يبقى محدودًا في إطار دعم عملية انتقالية تحكمها مبادئ واضحة: إنهاء العنف، حماية المدنيين، دعم مؤسسات انتقالية، وعدم فرض حلولٍ مُسبقة. وأيضًا، على القوى الإقليمية والدولية أن تُفهم أن الحلّ الحقيقي في سوريا لا يمرّ عبر تدخّلاتٍ مباشرةٍ يقودها طموحٌ إقليميٌّ، بل عبر دعمٍ يقوّي بناء الدولة ومؤسساتها ويخفّف من فرص الاستغلال الطائفي.

في خضمّ هذا كله، ينبع النداء الأهمّ: أن نعيدَ بناء ثقافةٍ مدنيةٍ ترفض الثأر وتكرّس ثقافة الحوار والاعتراف المتبادل. هذا لا يعني أن ننسى أو نتنازل عن الحساب، بل أن نُفرّق بين حساب العدالة والانتقام العشائري. العفو الجزئي، المصالحة المهيكلة، آليات العدالة الانتقالية التي تُحقّق الاعتراف بالجرائم وتُعطي ذوي الضحايا حقوقًا مادية ومعنوية، كلها أدواتٌ عملية تخفّف من شحن الأحقاد وتعيد الاعتبار للمستقبل.

ختامًا، لا خلاص لسوريا إلا بإرادةٍ تجمع بين الشجاعة الواقعية والرؤية الأخلاقية: الشجاعة للوقوف في وجه دعاة الاستثناء والفزعات، والرؤية الأخلاقية لإعلاء قانونٍ يحمي الجميع. على كلّ قوى الثورة، كلّ مناضلٍ وفاعلٍ مدنيٍّ وسياسي، أن يُدرك أن السرد الوطنيّ لا يُكتب بالخطابات النارية فقط، بل يُكتبُ بصبرٍ تشريعي ومؤسّساتي، وبثباتٍ في المبدأ: أن الوطن لا يبنى على قهر أحد، بل على اعترافٍ متبادل، ومؤسسةٍ عادلة، وقانونٍ لا يميّز بين أحد بسبب عرقه او دينه. فإذا أردنا سوريّةً تُعانقُ مستقبلها، فعلينا أن نختار اليوم أن نكون دعاةَ قانونٍ لا دعاة ثأر، بناةَ مؤسساتٍ لا بناة أحزابٍ مسلّحة، ورافعين لراية المواطنة لا رايات الانتقام.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أحمد عبدالقادر محمود لم ينعم الكرد السوريين حيناً و لا يوماً بحركة سياسية تُناسب تطلعاته ، بعد تنامي الشعور القومي وتصاعد وتيرته ، جراء المخزون الهائل و التراكمي لصدى الثورات الكردية في الأجزاء الأخرى من كُردستان ، تلك الثورات التي قارعت أعتى القوى العنصرية و الشوفينية المناهضة للحقوق الكردية ، مخزونٌ تاريخي و وجداني شكّل وعياً كان من شأنه…

محمود أوسو كلما فشلنا في قراءة الحاضر ،هربنا إلى الماضي لنصنع كبش فداء في الرواية الشعبية السائدة ،إن كردستان ضاعت لأن نائبا” كرديا” إسمه حسن خيري وقف في برلمان أنقرة عام ١٩٢٠ باللباس الكردي وقال :نحن والترك إخوة ودولتنا هي تركيا . بهذه الجملة وبحسب هذه الرواية ،سقطت معاهدة سيفر وجاءت معاهدة لوزان ودفن الحلم. هذه ليست قراءة تاريخية لأسباب…

د. محمود عباس ليست المؤتمرات الثقافية مجرد محطات تنظيمية تُراجع فيها اللوائح وتُنتخب الهيئات، بل هي، حين ترتبط بقضية شعب وذاكرته وثقافته، لحظات لمراجعة المسار وتجديد المسؤولية وتحديد ما ينبغي أن يكون عليه دور الكلمة في المراحل المتغيرة. ومن هذا المعنى يكتسب المؤتمر الثالث للاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكورد في غربي كوردستان، المزمع انعقاده غدًا، في 23/8/2026 بمدينة إيسن الألمانية،…

اكرم حسين منذ تأسيس أول حزب سياسي كردي في سوريا عام 1957، دخلت القضية الكردية مرحلة جديدة، انتقلت فيها من التعبير الثقافي والاجتماعي المتفرق إلى العمل السياسي المنظم ، وبعد قرابة سبعة عقود، يبقى السؤال مطروحاً: لماذا لم تجد القضية الكردية حلاً؟ وهل يعود ذلك إلى الظروف الموضوعية، أم أن جانباً من الإخفاق يرتبط أيضاً بطبيعة القيادة الكردية وأدواتها السياسية؟…