التغيير الديمغرافي في غربي كوردستان هو استمرار لجريمة البعث بوجوه جديدة

د. محمود عباس

كثيرًا ما نسمع النداءات الصاخبة والدعوات المتكررة إلى عودة النازحين السوريين إلى مناطقهم بعد زوال نظام الأسد المجرم، لكننا نادرًا ما نسمع صوتًا واحدًا يتحدث عن إعادة التوازن الديمغرافي المسلوب لغربي كوردستان، من جيايي كورمينج – عفرين، مرورًا بـ الباب وجرابلس وسري كانيه وكري سبي وصولًا إلى عين ديوار وتل كوجر شرقًا.

لا أحد يتحدث عن إعادة الأملاك الكوردية المصادرة أو المستولى عليها منذ عهد البعث، وخاصة مستعمرات الغمريين التي كانت أداة سياسية لتغيير هوية الأرض والإنسان.

فإعادة تلك الحقوق لا تعني تصحيح ظلمٍ قديم فحسب، بل تعني ولادة سوريا جديدة لا تتلاءم مع عقلية التكفير والاستبداد التي تواصل حكم البلاد بثوبٍ جديد.

منذ أن برزت على الساحة هيئة تحرير الشام وذراعها السياسي المسمى بالحكومة السورية الانتقالية، عادت القضية الكوردية إلى الواجهة، لا كقضية وطنية تُبحث عن حل، بل كعدوٍّ يُراد محوه.

فالخطاب السائد اليوم يكرر، بوقاحة مذهلة، منهج البعث ذاته في التهجير والتعريب والتشويه، لكنه يفعل ذلك بوجهٍ جديد: وجه التكفير السني المسلّح، الذي يشرعن الحقد ويمنح الكراهية لباس الدين.

وما جرى في عفرين وكري سبي وسري كانيه ليس سوى الفصل الأكثر قسوة من هذه السلسلة، الممتدة من جيايي كورمينج غربًا إلى أقصى الجزيرة شرقًا، سلسلة لا تُحارب جغرافيا، بل تُحارب هوية كاملة اسمها كوردستان.

وتحت مظلة هيئة تحرير الشام ووصاية أنقرة، يُعاد اليوم بثّ مفهوم “الأغلبية العربية” في الجزيرة الكوردستانية، ورفع شعار “الجزيرة العربية” على نسق “سوريا العربية”، وكأن التاريخ يبدأ من فم المتحدث.

في الواقع، تمضي الحكومة الانتقالية على خطى البعث، وتُعيد صياغة مشروعه بذكاء أشد وبلسانٍ أكثر تبريرًا، تحت شعار مضلل “لسنا ضد الكورد، بل ضد حراكهم الفيدرالي”.

لكن الحقيقة الواضحة هي أنهم ضد وعي الكورد، وضد أي شكل من أشكال اللامركزية التي تُهدد سلطتهم المؤقتة، وضد أي مشروع وطني حقيقي يعترف بالتعددية والحقوق.

والأدهى أن تركيا ومعها الحكومة الانتقالية تُعوّمان اليوم شخصياتٍ كانت في صميم مشاريع التعريب القديمة، بل يقدّمانها كواجهات “وطنية” جديدة!

هؤلاء أنفسهم الذين كانوا أدوات البعث في مصادرة الأرض وتزوير الهوية، أصبحوا اليوم ضيوف الإعلام، يتحدثون عن “الوحدة الوطنية” فيما يبثّون خطاب الكراهية ضد الكورد.

قناتا “سوريا اليوم” و “الإخبارية” تحوّلتا إلى منبر رسمي للتضليل، تُعيدان إنتاج فكرة “الأغلبية العربية” في غربي كوردستان، متناسيَتين أن الإدارة الذاتية كانت الملاذ الوحيد لأكثر من مليوني نازح عربي من الداخل السوري، احتضنتهم وأطعمَتهم وحمَتهم طوال أربعة عشر عامًا، بما فيهم من استوطن في أراضي الكورد أنفسهم.

لقد حمت الإدارة الذاتية حتى مستعمرات الغمريين، التي سُلبت من الكورد سابقًا، ولم تُعدها بعد لأصحابها رغم أحقية ذلك.

إن ما يجري في سوريا اليوم ليس مشروعًا وطنيًا، بل مشروع ثقافي مريض يهدف إلى تدمير ما تبقى من الوطن، خدمةً لأجندة تركية واضحة، ترى في القضية الكوردية خطرًا وجوديًا، وفي الجزيرة الكوردستانية عقدة يجب تفكيكها.

فهذه الحكومة الانتقالية ليست سوى أداة في يد أنقرة، تمارس التعريب بلسانٍ جديد، وتسير في طريق تمزيق سوريا لا توحيدها.

منذ أكثر من سبعين عامًا، كان التعريب في غربي كوردستان جريمة موصوفة، واليوم أضافت إليها تركيا فصلًا جديدًا باحتلالها عفرين، وتهجير أهلها، وتوطين نازحين عرب مكانهم.

لقد قالها الدكتور أحمد خليل يومًا: “عفرين هي رئة كوردستان، وتركيا بقطعها أرادت خنق النفس الكوردي قبل أن يصل إلى البحر الأبيض المتوسط.”

هذا المخطط هو ذاته الذي نفذته أنقرة في لواء إسكندرونة حين قضت على الوجود الكوردي فيه، كامتدادٍ لجيايي كورمينج وجبل الأكراد.

أما الترويج اليوم لإعادة أبناء الرقة ودير الزور إلى القرى الكوردية في الجزيرة، فليس سوى تهويل ممنهج لإخفاء حقيقة أن المنطقة تستضيف أصلاً أكثر من مليوني عربي نازح منذ بدايات الصراع.

ولو كانت الإدارة الذاتية كما يدّعي خصومها تمارس الإجلاء أو التمييز، لما كانت احتضنتهم أو حمتهم، بل لكانت أعادت ببساطة أملاك الكورد المصادرة.

لكنها لم تفعل، لأنها تؤمن بمبدأ التعايش، رغم أن الآخر لا يرى في الكوردي سوى غريبٍ على أرضه.

إن الذين يروجون اليوم لأكذوبة “العودة” يعلمون أن سوريا التي يحلمون بها ليست سوريا الوطن، بل سوريا الطائفة والولاء والصفقة.

وأن ما يُبنى الآن باسم “الانتقالية” ليس سوى استبداد جديدٍ بثوبٍ مختلف.

أما الشعب الكوردي، فقد تجاوز الخوف، وعرف أن معركته ليست على الأرض فقط، بل على الذاكرة والهوية والكرامة.

إنّ ما يجري اليوم في غربي كوردستان ليس صراعًا على الجغرافيا فحسب، بل هو امتحانٌ للوعي الإنساني في جوهره. معركة على هوية وطنٍ تُراد له الإبادة البطيئة تحت شعارات براقة، تخفي في جوفها مشاريع تقسيمٍ وإلغاء.

فالأرض يمكن أن تُحتل، لكنّ الهوية لا تُستباح إلا حين يصمت أبناؤها. وما بين عفرين وكري سبي وسري كانيه تُكتب فصولٌ جديدة من التاريخ، لا بقلم الطغاة، بل بدماء الصامدين الذين قرروا أن يواجهوا الكراهية بالعقل، والاحتلال بالوعي، والخيانة بالإصرار على البقاء.

لن تنكسر كوردستان، لأنّ ما تحطّم في هذه الأرض لم يكن الجبال ولا المدن، بل أقنعةُ الزيف التي تلطّخت بها الوجوه الجديدة للبعث القديم.

وسيبقى الوعي الكوردستاني، ما دام ينبض في صدور الأحرار، السور الأخير الذي لا يُهدم، والذاكرة التي لا تُطمس، والعهد الذي لا يُنقض مهما تغيّرت الأعلام والوجوه.

 

على هؤلاء أن يدركوا أنّ زمن الخداع انتهى، وأنّ الشعب الكوردي الذي واجه الإمبراطوريات والغزوات، لن يُرهبَه شريحة من الإرهابيين والمرتزقة، ولا خُطَب بعض المأجورين على شاشاتٍ مصنوعة من الأكاذيب.

 

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

31/10/2025م

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. فريد سعدون استقبل المحافظ وفد مربي النحل .. استقبل مدير المنطقة وفد تجار البوظة استقبل مدير الناحية وفد مزارعي البابونج.. استقبل عظيم الروم وفد رعاة البط وديوك الحبش ……… كنت أتمنى أن نقرأ : قام المحافظ بتدشين أوتستراد ديريك/ قامشلو/ الحسكة، وافتتاح مشفى الحسكة لأمراض السرطان. قام مدير المنطقة بتدشين محطة كهرباء قامشلي النووية. قام مدير الناحية بتدشين مصفاة…

*شيرزاد مامساني/ اسرائيل من أكثر الظواهر المؤلمة التي بدأت تنتشر بين بعض المثقفين والناشطين الكورد، ولا سيما في المهجر، أن بعضهم يربط نجاح أي مشروع أو مؤتمر أو نشاط بوجوده الشخصي. فإذا لم يُدعَ، أو دُعي ولم يُمنح فرصة لإلقاء كلمة، أو لم يكن في الصف الأول، انقلب فجأة إلى معارض لكل شيء. لا يبحث عن مكامن القوة والضعف، ولا…

عمر إبراهيم تمرّ سوريا اليوم بمرحلة تاريخية دقيقة ومفصلية، تتداخل فيها التحولات السياسية مع التحديات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية، وسط حالة من عدم اليقين بشأن شكل الدولة ومستقبلها. وفي ظل هذه المرحلة الحساسة، تبرز الحاجة إلى قوى سياسية تمتلك رؤية واضحة، وتدرك أن مستقبل البلاد لا يُبنى بالإقصاء أو فرض الأمر الواقع، بل بالحوار والشراكة والاعتراف بحقوق جميع المكونات. وفي هذا…

مهند محمود شوقي لا تُقاس قوة الدول الاتحادية بعدد المناصب التي يتقاسمها شركاؤها، ولا بالشعارات التي تُرفع في المناسبات السياسية، وإنما بمدى احترام الدستور، وعدالة توزيع الثروة، والمساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات. فالأرقام لا تجامل، والدستور لا يفرق بين إقليم ومحافظة، والاقتصاد لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة للضغط السياسي. بعد أكثر من عقدين على التغيير في…