هل نثق بمن شق وحدة الصف الكردي ؟

المحامي حسن برو

يتكرر في المشهد السياسي الكردي شعار “من أجل وحدة الصف الكردي” مع كل انشقاق أو تأسيس حزب جديد يولد من رحم حزب أخر حتى بات هذا الشعار مرافق لمعظم البيانات والتصريحات الحزبية غير أن المفارقة تكمن في أن من يرفع هذا الشعار اليوم هو ذاته من كان سببا في انقسام لحزبه أمس وحركته لمرات عديدة فبتنا نحفظ الأسماء لكثرة تكرارها ، أما ما يثير التساؤل مدى الجدية حول جدوى هذه الدعوات ومصداقيتها الفعلية على أرض الواقع وفي الساحة العملية بين الناس.
إن تكرار الانشقاقات داخل الحركة السياسية الكردية في سوريا لا يمكن تفسيره فقط بالخلافات التنظيمية أو الشخصية، بل يعكس خلل بنيوي في ثقافتنا السياسية والتنظيمية السائدة والمعمول بها ،فالعقلية الحزبية ما زالت في كثير من الأحيان أسيرة النمط العشائري والمناطقي الذي لم يتطور بالقدر الكافي نحو مفاهيم العمل المدني والمؤسساتي الحديث والذي تأخذ بها الأحزاب في البلدان الأوربية ، حيث تغلب الولاءات الشخصية والعلاقات الضيقة على المصلحة العامة ،والمحسوبية على حساب المؤسساتية
ويضاف إلى ذلك هناك العامل الإقليمي المؤثر دائما في الحالة الكردية و المتمثل في تأثير الأحزاب الكردستانية في اقليم كردستان العراق وكردستان تركيا على مايحدث داخل الحركة السياسية الكردية السورية فمنذ عام 2011، ألقى الصراع بين الحزب الديمقراطي الكردستاني في العراق وحزب العمال الكردستاني بظلاله الثقيلة على الأحزاب الكردية في سوريا، ما أدى إلى اصطفافات سياسية متقابلة انقسمت بموجبها معظم القوى الكردية إلى محورين متوازيين ، يدوران في فلك هذا الصراع الإقليمي أكثر مما يعكس ذلك على واقع المجتمع الكردي السوري نفسه.
هذا التباين في المواقف والرؤى أدى بطبيعة الحال، إلى إضعاف الدور السياسي الكردي في سوريا، وقلص من قدرة الأحزاب على تمثيل تطلعات الشارع الكردي الذي واجه ظروفًا قاسية خلال سنوات الحرب، بدءًا من القمع والتهجير، وصولًا إلى هجمات التنظيمات المتطرفة وفي مقدمتها داعش، التي استهدفت المناطق الكردية بشكل خاص، من سري كانييه إلى مناطق أخرى من شمال وشرق سوريا.
في ظل هذه التجارب المتكررة، يبدو أن الحديث عن وحدة الصف الكردي ظل شعارا أكثر منه مشروعا سياسيا واقعيا، فالتجارب السابقة أظهرت أن التقارب بين القوى الكردية لم يتحقق إلا بضغط و رعاية خارجية، كما حدث في كونفرانس 26 نيسان 2025، والذي جاء نتيجة توافق إقليمي ودولي وضغوط من دول التحالف، وشارك فيه ممثلون عن الأحزاب الكردستانية المختلفة وقد شكل هذا الحدث خطوة أولى نحو تقريب وجهات النظر، لكنه لم يصل بعد إلى مستوى الاتفاق السياسي طويل الأمد.
إن تحقيق وحدة الصف الكردي يتطلب قبل كل شيء مراجعة نقدية داخلية وشجاعة في الاعتراف بالأخطاء، إضافة إلى إرادة سياسية مستقلة قادرة على تجاوز الحسابات الحزبية والمصالح الضيقة، فالوحدة الحقيقية لا تفرض من الخارج، بل تُبنى من الداخل على أساس رؤية مشتركة لمستقبل الشعب الكردي في سوريا، ضمن إطار دولة لا مركزية ديمقراطية مدنية تضمن العدالة والمواطنة المتساوية، وتبقي القرار السياسي الكردي مستقلا عن تأثيرات الخارج.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

شادي حاجي يواجه إقليم كردستان، أرض الصمود ونبض الجبل ووجع الحرية، مرة أخرى تداعيات صراع إقليمي لم يكن طرفاً مباشراً فيه، ولا يملك قرار اندلاعه، لكنه يتحمل جانباً من نتائجه الأمنية والسياسية. وتأتي الهجمات التي تستهدف مؤسسات الإقليم وشخصياته الرسمية بالصواريخ والطائرات المسيّرة لتطرح تساؤلات جدية حول احترام أمن كردستان وسيادة العراق واستقراره، ومسؤولية الأطراف الإقليمية والدولية في منع تحويل…

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* إن المقاومة الإيرانية، شأنها شأن الشعب الإيراني، تطالب بجمهورية ديمقراطية قائمة على فصل الدين عن الدولة، والمساواة بين المرأة والرجل، وإلغاء عقوبة الإعدام، وإيران غير نووية خالية من أسلحة الدمار الشامل، مبنية على السلام والتعايش والتعاون الدولي والإقليمي، وتناضل من أجل إحقاق حقوق شعبها. وبعبارة أخرى، فهي تعمل قبل كل شيء على نقل السيادة إلى أصحابها الحقيقيين،…

عزالدين ملا في ذكرى ميلاد الرئيس مسعود بارزاني، تتجاوز المناسبة حدود الاحتفال بميلاد شخصية سياسية، لتصبح محطة تستعيد فيها الذاكرة الكوردستانية محطات طويلة من النضال والتضحيات والتحولات التي رافقت مسيرة الشعب الكوردي. فاسم مسعود بارزاني ارتبط، بالنسبة إلى شريحة واسعة من أبناء كوردستان، بتاريخ الحركة التحررية الكوردستانية وبمرحلة الانتقال من زمن الثورة والمواجهة إلى زمن المؤسسات والسياسة والدبلوماسية، ولذلك تحضر…

خالد حسو من يتخلّى عن قضيته الوطنية والمصيرية، تحت أي ذريعة كانت، سواء أُطلق عليها اسم التكتيك أو السياسة أو الواقعية أو الحسابات المرحلية، لا يخسر موقفًا عابرًا فحسب، بل يغامر بمكانته في ذاكرة شعبه والتاريخ. فالتاريخ لا يحفظ أسماء الذين فرّطوا بالحقوق حين اشتدّت المحن، ولا يكرّم من جعلوا من التراجع فضيلة، ومن التنازل سياسة، ومن الصمت حكمة. قد…