الاندماج الديمقراطي… أم الانصهار في العدم؟

صلاح عمر

من المؤلم أن نسمع اليوم من بعض الأبواق المنهزمة حديثا عن ما يسمّونه “الاندماج الديمقراطي” وكأنهم اكتشفوا معجزة الخلاص!
يتحدثون عن الاندماج، وكأننا نحن الكرد كنا طارئين على هذه الأرض، لا أصحابها الأوائل، وكأن جبال كردستان لم تنطق يوماً بلغتنا، ولم تشهد دماءَ آلاف الشهداء الذين صعدوا إلى القمم ليقولوا للعالم: نحن هنا… شعبٌ لا يموت.

أليس من حقنا أن نسألهم:
لأجل ماذا احترقت قرانا؟
ولأجل من امتلأت السجون بأبناء الكرد من ديرسم إلى عامودا؟
هل كان كل ذلك من أجل أن نذوب في قوالب الآخرين تحت شعارٍ براق اسمه “الاندماج الديمقراطي”؟

من المؤسف أن البعض يحاول أن يجمّل مشروع الإلغاء بثيابٍ ديمقراطيةٍ زائفة،
وأن يقدّم الانصهار في العدم على أنه انفتاح حضاري!
لكنهم ينسون، أو يتناسون، أن الديمقراطية لا تُبنى على إنكار الهويات،
ولا تُقاس بعدد الشعارات، بل بقدر ما تعترف بالشعب وحقوقه وكرامته.

من يريد اندماجا بلا اعترافٍ بالهوية الكردية،
كمن يطلب من النهر أن يجف ليصبح صديقا للصحراء!

نعم، نحن دعاة حرية،
نؤمن بالشراكة، لا بالتبعية،
نؤمن بالوطن الذي يتسع للجميع، لا بالوطن الذي يُقصي اسماً ويحتكر هوية.
لكننا في الوقت ذاته نرفض أن نكون ملح الديمقراطية الذي يُذاب ليُرضي ذوقَ الطغاة.

أيها المتنكرون لدماء الشهداء،
هل تعتقدون أن من صعدوا إلى الجبال طلبوا منصباً أو سلطة؟
لقد صعدوا لأنهم أرادوا أن يبقوا كرداً أحراراً، لا أرقاماً في سجلّ الآخرين.
فمن يتحدث اليوم عن الاندماج وكأنه ترف سياسي،
ينسى أن هذه الأمة دفعت أغلى الأثمان كي تحيا باسمها وهويتها وكرامتها.

نحن لا نخاف الديمقراطية،
نخاف أن تُستعمل الديمقراطية كستارٍ جديدٍ للإنكار.
نريد وطنا يتسع لكل أبنائه،
لكننا نرفض أن نُدفن فيه بلا اسم، وبلا راية، وبلا تاريخ.

الكرد لم يولدوا ليذوبوا،
بل وُلدوا ليضيئوا دربَ الإنسانية بشمس الحرية.
وكل من يحاول إطفاء هذه الشمس،
سيدرك في النهاية أن النور لا يُطفأ بالخطابات،
ولا تُكسر الجبالُ بالكلمات.

نحن لا نطلب أكثر من حقّنا…
ولا نقبل بأقلّ من وجودنا.
نحن أبناءُ قضيةٍ لا تموت،
وامتدادُ نضالٍ لا يُختزل بشعارٍ أو مؤتمر.

 

فاحذروا أن تبيعوا الحلم الكردي باسم “الاندماج”،
لأن التاريخ لا يرحم من يتاجر بدماء الشهداء،
ولا يغفر لمن يساوم على هوية شعبٍ،
كان ولا يزال… ضمير الحرية في هذه الجغرافيا المتعبة.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
1 Comment
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
زبير عبدالله
زبير عبدالله
5 شهور

بعد هذا العمر والاحتكاك مع الكثير من شعوب العالم،اوروبيين اسيويين ،افارقة امريكا اللاتينية…ليس هناك شعب افضل من الشعب الكوردي،فينا السيئين لكن اقل من الآخرين…اترك الترك والفرس والعرب فنحن افضل منهم بدون ادنا شك..هذا ليس عنصرية او تعصب ،وانما حياة عشتها ..وها ان اقترب من الثمانينات…..لقد اقترب اجل الحاقدين على الكورد ،وأن غدا لناظره لقريب

اقرأ أيضاً ...

عمر إبراهيم بعد أربعة عشر عامًا من الحرب السورية، لم تعد القضية الكردية مشروعًا عسكريًا بقدر ما أصبحت اختبارًا سياسيًا لمستقبل الدولة نفسها. فالأكراد، الذين ملأوا فراغ السلطة في الشمال الشرقي خلال سنوات الصراع، يجدون أنفسهم اليوم أمام واقع جديد تحكمه التوازنات الإقليمية والدولية أكثر مما تحكمه القوة على الأرض. تراجع الحديث عن الاستقلال أو الفيدرالية الواسعة، لصالح طرح أكثر…

صديق ملا عزيزي العربي السوري : الكورد ليسوا ضيوفا في سوريا …??.!! بعض الكورد الذين هجِّروا من تركيا بعد ثورة الشيخ سعيد إلتجؤوا إلى (الدولة الفرنسية) وليس إلى الجمهورية العربية السورية وسكنوا في المناطق الكوردية بين أهلهم وإخوانهم الكورد . وأول وفد عربي ذهب إلى (سيفر ) وطالب بالدولة السورية كانت جغرافية دولته من انطاكية مرورا بحلب دون شمالها وحماه…

د. محمود عباس قبل فترة استُهدفت ليلى زانا، واليوم سريا حسين، وغدًا قد تكون كوردية أخرى. ليست القضية في الأسماء، ولا في اتجاهاتها السياسية، بل في النمط الذي يتكرر بإيقاعٍ مقلق، المرأة الكوردية تتحول إلى ساحة اشتباك. ما يجري لا يمكن اختزاله في (نقد عابر)، كما لا يجوز إنكار وجود أخطاء أو اختلافات داخلية، فذلك جزء طبيعي من أي مجتمع…

نظام مير محمدي * استراتيجية “الهروب إلى الأمام يدرك النظام الإيراني اليوم، أكثر من أي وقت مضى، أن بقاءه بات على المحك. إن دخول طهران في أتون حروب إقليمية طاحنة ليس مجرد خيار عسكري، بل هو استراتيجية سياسية تهدف إلى تصدير الأزمات الداخلية المتفاقمة. ومع تحول هذه الحروب إلى عبء يستنزف ما تبقى من شرعية النظام، تصاعدت حالة السخط الشعبي…