خدم السلطان بلباس المثقف والمحلل السياسي

د. محمود عباس

قال نيتشه (ليس أخطر من المثقف الذي يخدم الطغاة وهو يظن أنه يكتب للحقيقة).

تُضيء هذه العبارة بحدة مشهدًا مألوفًا في حاضرنا العربي، ولا سيما في السوري المستترك، حين ترى شرائح من المكوّن المستعرب باللسان، وقد غيّروا نسبهم القومي ليُلصقوه زورًا بالإيغور أو بالأتراك، يتصدرون المنابر الإعلامية بوقاحة تفوق مثقفي أنقرة أنفسهم.

 إنهم موالٍ جدد، يخدمون أسيادهم العثمانيين أكثر مما يفعل أبناء الدولة التركية ذاتها، ناسين أو متناسين أن حكّام أنقرة الحاليين لا يمتّون إلى القومية التركية بصلةٍ صافية، بل يستغلونها غطاءً لسلطةٍ توسعيةٍ مريضة.

فهل يدافع هؤلاء حقًا عن تركيا بوصفها “دولة للجميع” كما يدّعي أردوغان الأستيني وهاكان فيدان الكوردي الأصل، أم عن العرق الطوراني وميراث السلطنة العثمانية التي تاقت دومًا لإحياء عبودياتها القديمة؟ إنهم أقرب إلى عبيدٍ جدد، مسحوا ذاكرتهم القومية، وخلعوا انتماءهم لصالح أحلامٍ زائفة، يلهثون وراء رضا أسيادٍ يرون فيهم أدوات لا أكثر.

وما يزيد المشهد قبحًا أن هؤلاء يملأون الفضاء الإلكتروني السوري والعربي ضجيجًا وصخبًا، وكأنهم أوصياء على الوعي الجمعي، لا نتحدث هنا عن مثقفي النظام البعثي الأسدي البائد الذين باعوا ضمائرهم منذ عقود، فهؤلاء نُبشوا وانتهى زمنهم، بل عن الجيل الجديد من المثقفين المتأنقين بشعارات الحرية والوطن، بينما أقلامهم تخدم أجندة أنقرة، وتمجّد أدواتها في سوريا، من هيئة تحرير الشام إلى بقايا داعش، وتصبّ جامَ حقدها على الشعب الكوردي تحت ستار “النقد الوطني”.

إنها الطبقة الأخطر، مثقفون بلا روح، يكتبون بلغاتٍ متعددة لكن بأفكارٍ مستنسخة من غرف المخابرات، يهاجمون المظلوم باسم الوطنية، ويخدمون المستبد باسم الحقيقة، فيجسّدون بالضبط ما قصده نيتشه حين وصف المثقف الذي يظن نفسه ضمير الأمة، بينما هو في الواقع سكينها المغروس في الظهر.

تراهم يوزّعون التهم على الكورد، ويزايدون على وطنيتهم، ويختبئون خلف مفردات زائفة كالوحدة والسيادة، فيما أقلامهم تخدم مشاريع الاحتلال التركي، وتبرّر جرائم التنظيمات الإرهابية بحق الأبرياء، إنهم يهاجمون ضحاياهم باسم الدين، ويطعنون نضال الكورد باسم الوطنية، وينكرون تاريخهم باسم “العقلانية السياسية”. هؤلاء لا يكتبون للحقيقة، بل للسلطة التي تشتري أقلامهم بالوهم أو الخوف أو المكاسب.

الشعب الكوردي يعيش اليوم مأساة مضاعفة، بين من ينكر وجوده علنًا، ومن يزوّر تاريخه بثقافة خبيثة، ومن يدّعي صداقته ثم يطعنه بخنجرٍ مغلفٍ بعباراتٍ منمّقة عن الوطن والمواطنة. الأخطر من كل هؤلاء هم من يحاولون احتكار الحقيقة، فيدّعون أنهم “يحذرون” الكورد من الانفصال، بينما يعملون على محوهم من الذاكرة السورية ذاتها.

لقد جُيّشت أقلامٌ وأبواق لتقويض كل ما بنته الحركة الكوردية من قيم الوطنية والمواطنة، فصارت الأخوّة عندهم تهمة، والفيدرالية خيانة، والمطالبة بالحقوق مشروع تقسيم، وهؤلاء المثقفون الزائفون لا يدركون أنهم، من حيث لا يشعرون، أصبحوا وقودًا في ماكينة الطغيان، يُعاد إنتاجهم مع كل مرحلة بأسماء وشعارات جديدة.

إن أخطر ما تواجهه سوريا اليوم ليس فقط الاستبداد المسلح، بل الاستبداد الفكري الذي يمارسه هؤلاء باسم الوعي، وهم في الحقيقة عبيدٌ لفكرٍ استعماري جديد، فالقلم الذي يُسخَّر للطغاة لا يكتب الحقيقة، بل يكتب نهايتها، والقضية الكوردية لن تُهزم ما دام فيها من يكشف زيف الأقلام التي تبيع الضمير بثمن الخيانة.

لهذا أقول، أن كوردستان قادمة، ليس كحلمٍ عابر، بل كإرادة لا تُقهر، ومع كل سخافةٍ ثقافيةٍ تخدم الاحتلال وتُذكي الفرقة، فإنها في المقابل تسرع من مسيرة الحرية والمواجهة الصريحة، تلك الشرائح الفاسدة التي تروج لنظرياتٍ واهية عن «وحدةٍ» تُبنى على محو الآخر، أو تدّعي أن مطالب الكورد هي «مطالب هوية فقط»، هي في واقعها تُحرّك النضال الكوردي من حالة المطالبة بالحقوق، وكتابة دستور نقي، إلى إعلان المطالبة بالحرية الكاملة.

اليوم لم تعد الدعوة الكوردية مجرّدةً من الطموح السياسي؛ فقد دفعتنا الوقائع إلى أن تتجاوز مطالبنا حدود الفيدرالية الشكلية والصيغ التجميلية التي تُرضي طرفًا وتُقصي آخر، لتصبح الكلمة الأوضح في الشارع ووجدان الناس: كوردستان حرة.

سواء بدا ذلك صائبًا أو سابقًا لأوانه في نظر القوى الكبرى أو الإقليمية، إلا أنه يعكس حقيقة ثابتة: ما دام الشعب الكوردي تحت احتلالٍ أو ضغطٍ خارجي، فلن يكون هناك سلام حقيقي في المنطقة، بل مجرد هدنةٍ هشةٍ تنكسر عند أول امتحان.

ولا خلاص للمنطقة إلا باعتماد نظامٍ فيدراليٍّ لا مركزيٍّ يضمن العدالة والمشاركة، أو بالمضيّ في المطالبة بالحقوق الكاملة وإنهاء الاحتلال بكل أشكاله، عبر نضالٍ واضح من أجل حرية تقرير المصير في إطارٍ من العيش المشترك والحقوق المتبادلة.

أما الخطابات التي تُقدَّم اليوم باسم “الوطنية” وهي تخدم المحتل وتُكفّر الكورد وحراكهم، فإنها لا تُضعف القضية، بل تُسرّع إعادة صياغة العلاقة الوطنية بين الكورد والحكومة السورية الانتقالية، وتزيد إرادة الشعب الكوردي صلابةً نحو الحرية.

 

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

25/10/2025م

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

جان دوست ما يمكن أن يعتبرها البعض صحوة وعودة وعي ومراجعة بعد هزائم قسد وانهيار نظام الإدارة الذاتية في سوريا، لم تصل ارتداداتها بعد إلى بيئة حزب العمال الكردستاني في سوريا. ما زال هؤلاء مؤمنين ب-“فلسفة” أوجلان ومعتقدين أن “تكتيكات” حزب العمال ناجحة في كل زمان ومكان. صعب على هؤلاء تصديق أن “فكر القائد” يعيش مراحله الأخيرة وأن الوظيفة انتهت…

خالد جميل محمد لم يَعُدِ الترويجِ للقُبحِ أمراً عَارِضاً، بل بات ظاهرةً ومقياسَ عصرٍ ينتشي بفسادِه، ويتباهى بالزيف والنِّتاجات الردئية، (في الأخلاق، السياسة، العلاقات، الأدب، الكتابة، الفنّ، الثقافة والإعلام..)، ويكافئ منتجي القُبحِ الماضِين في تدمير قيم الجَمال الحقيقي، جملةً وتفصيلاً، حتى صار منتجو الجَمال الحقيقي يشعرون بالخجل ممّا لديهم من إبداع ثمين، ويُفرَض عليهم التواري لِئَلّا يكونوا عرضة للاستخفاف بهم…

في لحظة تاريخية دقيقة تمر بها القضية الكوردية في روجافا/كردستان سوريا، حيث تتقاطع التحديات الداخلية مع التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، لم يعد التشتت خياراً، ولم يعد الانقسام تفصيلاً يمكن تجاوزه. إن ما يواجهه شعبنا اليوم يتطلب مستوى غير مسبوق من الوعي والمسؤولية الوطنية. لقد أثبتت التجارب أن غياب الرؤية الموحدة وتعدد المرجعيات السياسية يضعف الموقف الكوردي، ويفتح الباب أمام التدخلات…

عبدالجبار شاهين أحياناًعندما ننظر إلى واقعنا السياسي اليوم يصعب تجاهل شعور متراكم بأن الامور لم تعد مجرد اختلافات سياسية عادية. هناك شيء أعمق تشكل مع الوقت نوع من الانقسام الذي تسلل إلى طريقة التفكير نفسها وليس فقط إلى المواقف. كثير من الناس خاصة الاجيال التي نشأت في ظل هذا المشهد أصبحوا يعرفون انفسهم أولا من خلال الانتماء السياسي قبل…