مزكين حسكو: القصيدة في دورتها الأبدية!

إبراهيم اليوسف

هاهي ذي الشاعرة مزكين حسكو في رسالتها الأخيرة إلينا، في أول ليلة الأول من أكتوبر/ تشرين، تؤكد أن صوتها لم يتوقف. إذ إنها تغيب جسداً، لكنها تظل في كل ما كتبته وما أوصت به. أجل، هاهي قد بقيت في وصاياها الصغيرة التي سلمتها للأهلين، في خوفها على أمها وأولادها ورفيق دربها وإخوتها وصديقاتها وأصدقائها، أكثر مما خافت على نفسها. كانت تعرف أن النهاية موشكة، فقد قالت بوضوح يليق بشجاعة الشعراء: “خال، لست خائفة، أعرف أنّه لم يبق لي إلا شهران”. لم يكن ذلك استسلاماً، بل نوعاً من المصالحة مع الموت، كأنها سبقت خطاه وأرادت أن تروضه بالكلمة.

سنتان كاملتان قاومت فيهما مرضاً غادراً لا يرحم، لكنّها لم تمنحه فرحة الانتصار. حيث إنّها كانت تحوّل كل تقرير طبي إلى قصيدة، وكل جلسة علاج إلى نص جديد. جسدها كان دريئة لسهام المرض، لكنها كانت ترفع على هذه الدريئة رايات مكتوبة بالحبر، كأنها تردّ الطعن بالكتابة. قالت لي: “أنا لا أخاف الموت يا خالي، لكني أخاف على أمي وأولادي ورفيق دربي”، قالتها لتؤكد أن معركتها لم تكن شخصية، بل عائلية، إنسانية، ممتدة إلى من يعرفها ومن لا يعرفها.

قبل أسابيع من الغياب، طلبت من رفيق دربها أن يهاتفك. أرادت أن تطمئنني ضمن أسرة مقربة تنتمي إليها، وهي تتأهب للرحيل، أرادت أن تترك أثرها الأخير في حوار قصير قالت فيه إنها تعرف حدود الوقت. شددتَ أنت من عزيمتها، وعدتها بأمسية نقدية، وأخبرتها أنّ زميلاتها وزملاءها في انتظار إشارة إيذان منها كي يزوروها، كي يقيموا لها احتفالية جديدة بإصدار أعمالها، أجابت “أجل، سآتي”، لكنها لم تأت. لم تأت بجسدها، إنما حضرت بغيابها، لتقرر اللجنة التحضيرية لمهرجان الشعر الكردي أن يجعل دورتَه الحالية باسمها، ليضع اسمها وصورتها في الموازاة مع صورة واسم جكرخوين معلمها. معلمنا جميعاً….

بعد أن صحت من غيبوبتها الأخيرة، حين حاول بعض أهلها أن يذكروا أسماء مقربين لها ومن بينها اسمك، حاول آزاد أن يمازها ويقسو علي، لكنها لم تستطع أن تنسى أن لك مكاناً مع مقربات ومقربين في قلبها حتى وهي على حافة الغياب. ومن هنا يصبح التسجيل الصوتي الذي لا تجرؤ على سماعه شاهداً على أن حضورها وتواصلها لم ينقطع حتى في السكون الأخير.

كتبت القصيدة الكردية الجديدة بلغة أحلامها. لم تكن أسيرة شكل، ولا مكرورة في إيقاع، بل كتبت كما تحلم، كما تتنفس، كما تواجه. كانت حالمة أكثر مما يسمح به الواقع، لكنها جعلت من الحلم بيتاً، ومن اللغة وطناً، ومن الشعر جسراً يربطها بجميع من تحب. ومن هنا لم يكن غيابها غياباً، بل انتقالاً إلى مكان آخر هو مقبرة” دوكر” مقبرة الرجال الكرد المشاهير، كي تستمر كلمتها.

الذين قرروا أن يضعوا اسمها على دورة المهرجان لم يفعلوا ذلك وفاءً لشاعرة، فحسب، بل فعلوه إدراكاً أن الشعر لا يغيب بغياب صاحبه. إذ إنّها تركت وراءها قافلة قصائد، ومقالات وكتباً وسرديات تحمل أثرها، وكلها تواصل الحديث عنها، كما لو أنّها ما زالت تجلس بين أسرتها من الشعراء والكتاب لتقول: “ها أنا معكم”.

توقف القلب، لكن الصوت لم يتوقف. ومزكين حسكو، التي عرفت أنها لن تعيش أكثر من شهرين، جعلت من تلك الفترة القصيرة عمراً إضافياً للقصيدة. كتبت وهي تعرف أنّها تكتب آخر فصولها، لكنّها أصرّت أن يراها الآخرون بالصورة التي لا تؤلمهم، بالصورة التي تحتفظ بجمالها، بضحكتها، بأحلامها، بألق قصيدتها وهي تلقيها كأميرة كردية باذخة السمو والروح.

إنما يبقى الأشد إيلاماً أنها رحلت وفي ذاكرتها خوفها على أسرتها الصغيرة والكبيرة. رحلت وهي تفكر بأمها وأولادها وأخواتها وصديقاتها وأصدقائها، رحلت وفي صوتها نبرة من يدافع عن الآخرين حتى وهو ينهار. وهذا ما يترك فينا جميعاً يقيناً أنّ الشعر لم يكن عندها مهنة ولا هواية، بل كان شريان حياة، كان البديل عن الأوكسجين حين ضاقت الرئتان، وكان الوسيلة الوحيدة كي تهزم المرض في المعنى، ولو عجزت عن هزيمته في الجسد.

من هنا فإنّ الحديث عنها ليس رثاءً، بل حديث عن حضور ممتد. حيث إنّ اسمها سيبقى عالياً، يتردد كما أصداء قصائدها، لا كذكرى فحسب، بل كصوت لا ينقطع، كقصيدة لم تكتمل بعد، كوصية لم تُنفّذ كلها. ومن يقرؤها الآن، سيجد أنّها ما زالت بيننا، لأن الشعراء لا يموتون، بل يرحلون ليتركوا لنا مهمة أن نواصل أصواتهم.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عمر إبراهيم بعد أربعة عشر عامًا من الحرب السورية، لم تعد القضية الكردية مشروعًا عسكريًا بقدر ما أصبحت اختبارًا سياسيًا لمستقبل الدولة نفسها. فالأكراد، الذين ملأوا فراغ السلطة في الشمال الشرقي خلال سنوات الصراع، يجدون أنفسهم اليوم أمام واقع جديد تحكمه التوازنات الإقليمية والدولية أكثر مما تحكمه القوة على الأرض. تراجع الحديث عن الاستقلال أو الفيدرالية الواسعة، لصالح طرح أكثر…

صديق ملا عزيزي العربي السوري : الكورد ليسوا ضيوفا في سوريا …??.!! بعض الكورد الذين هجِّروا من تركيا بعد ثورة الشيخ سعيد إلتجؤوا إلى (الدولة الفرنسية) وليس إلى الجمهورية العربية السورية وسكنوا في المناطق الكوردية بين أهلهم وإخوانهم الكورد . وأول وفد عربي ذهب إلى (سيفر ) وطالب بالدولة السورية كانت جغرافية دولته من انطاكية مرورا بحلب دون شمالها وحماه…

د. محمود عباس قبل فترة استُهدفت ليلى زانا، واليوم سريا حسين، وغدًا قد تكون كوردية أخرى. ليست القضية في الأسماء، ولا في اتجاهاتها السياسية، بل في النمط الذي يتكرر بإيقاعٍ مقلق، المرأة الكوردية تتحول إلى ساحة اشتباك. ما يجري لا يمكن اختزاله في (نقد عابر)، كما لا يجوز إنكار وجود أخطاء أو اختلافات داخلية، فذلك جزء طبيعي من أي مجتمع…

نظام مير محمدي * استراتيجية “الهروب إلى الأمام يدرك النظام الإيراني اليوم، أكثر من أي وقت مضى، أن بقاءه بات على المحك. إن دخول طهران في أتون حروب إقليمية طاحنة ليس مجرد خيار عسكري، بل هو استراتيجية سياسية تهدف إلى تصدير الأزمات الداخلية المتفاقمة. ومع تحول هذه الحروب إلى عبء يستنزف ما تبقى من شرعية النظام، تصاعدت حالة السخط الشعبي…