جدلية الداخل والخارج في ” الحكاية ” السورية

صلاح بدرالدين

        السورييون الذين يحبون وطنهم ، وعانوا الامرين من شرور النظام البعثي – الاسدي طيلة عقود ، وناضلوا في صفوف المعارضة الوطنية من كل الاطياف ، والمكونات القومية والاجتماعية ، اعتبروا يوم الثامن من ديسمبر من العام الفائت ، يوم الخلاص من الدكتاتورية ، عيدا وطنيا ، الذي توج بفضل نضال السوريين ، ووقوفهم بوجه السلطة القمعية بكافة الوسائل ، وقدموا التضحيات الجسام لعقود  لتحقيق هذا اليوم ، كما يسجلون العرفان بالجميل للفصائل التي وجهت الضربة القاضية لابشع دكتاتور مجرم بتاريخ سوريا .

      بعد اقل من عام على يوم التحرير غمرت السوريين فرحة أخرى عندما اعيدت مكانة سوريا في المجتمع الدولي بعد غياب دام نحو ستين عاما ، وخروج البلاد من العزلة ، وفك قيود العقوبات التي جلبها النظام السابق ، واعيد طرح ” الحكاية السورية ” ( بحسب تعبير الرئيس السوري الانتقالي احمد الشرع )  من جديد امام انظار العالم  ، وفي مركز الأمم المتحدة بنيويورك .

       وهكذا يعاد الاعتبار للقضية او الحكاية السورية لتعبر عن ذاتها من جديد ، كقضية وطنية ، ديموقراطية ، اقتصادية ، دبلوماسية ، إنسانية ، كقضية سيادة وأعادة بناء المؤسسات الدستورية ، وتطبيق العدالة الانتقالية ، والتشاركية ، والحوار الداخلي بشان استكمال العملية السياسية ، والتوافق الوطني لحل القضية الكردية ، والاستجابة لطموحات كافة الشرائح ، والفئات الاجتماعية بالعدل والمساواة .

      لاشك ان هناك تشابك بين مهام الخارج والداخل ، فلولا الانتصار الداخلي باسقاط الاستبداد ، لما امكن الانفتاح على الخارج ، وإعادة موقع سوريا الطبيعي بين الاسرة الدولية ، ” فحكايتنا ” تحمل وجهين متكاملين ، اذاغاب وجه تغيب الحكاية كلها ، وتفقد توازنها ، ويواجه شعبنا الردة السوداء ، ويتراجع نحو عهود الظلام والاستبداد .

     وعندما يوضع الاصبع على الجرح في الداخل ، ويضمد ويشخص العلاج ، وعندما تتحقق التشاركية الوطنية في قيادة البلاد ، وعدم الاقتصار على لون واحد ، وتستكمل شرعية السلطة الحاكمة باجراء الانتخابات البرلمانية في الوقت المناسب ، من دون استبعاد ممثلي المكونات قومية كانت ام اجتماعية ، وتترسخ أسس الوحدة الوطنية ، حينها فقط يمكن الحفاظ على المكتسبات الخارجية وتطويرها ، وادامتها .

      ومن مظاهر التشابك بين قضايا الداخل والخارج ، محاولات استغلال اية ثغرة من جانب اطراف خارجية ، وهي قائمة ومتبعة منذ القدم ، بدأت بظهور– المسالة الشرقية – واستمرت تحت أسماء وشعارات متعددة حتى توقفت الان حصرا على التدخلات الذرائعية الإسرائيلية ليس حبا بالسوريين بل من اجل استغلالهم لمصالحها الخاصة .

      وفي حقيقة الامر فان مسؤولية التدخلات الخارجية تقع على عاتق من بيده السلطة والقرار الداخلي ، فان احسن التصرف ، وعدل في الحوكمة ، واستجاب لطموحات السوريين المشروعة ، سيقطع الطريق بشكل نهائي على التدخلات من القريب والبعيد ، ومن دون الخوض في تفاصيل أسباب ، وذرائع دخول إسرائيل طرفا في قضايا السوريين الداخلية في منطقة – السويداء – اسمح لنفسي بالتركيز على الحالة الكردية السورية بهذا الصدد .

      منذ قيام دولة إسرائيل ، وتحديدا في ظل حكم – ديفيد بن غوريون – اتخذت استراتيجية استغلال القوميات غير العربية ، والأديان غير المسلمة بالدول المحيطة بها او القريبة ، خاصة وان تلك المكونات كانت تعاني الاضطهاد والحرمان في ظل الأنظمة الاستبدادية المعادية للحرية والديموقراطية ، وفي بلدان لم تنجز فيها قضية الحريات والمواطنة ، هناك وقائع من هذا النوع حدثت مع وجهاء من الكرد وتنظيمات سياسية ، نشرت تفاصيلها في وسائل الاعلام ، وفي كتب وتقارير موثقة ،  وتبين في مجملها انها لم تكن لمناصرة الحقوق الكردية المشروعة ، بقدر ما صبت لمصلحة إسرائيل .

      وخلال سنوات قيادتي في الحركة الكردية السورية التي امتدت عقودا ، حصلت معنا أيضا وقائع ، واحداث من هذا القبيل نشرتها في مذكراتي ، فخلال مشاركتنا بمؤتمرات ، وفعاليات خارجية تصدينا لمحاولات – اسرائيليين – مرارا حاولوا استمالتنا لمعاداة ( العرب كعدو مشترك ) ، واستغلال معاناة شعبنا تحت ظل النظام المستبد ، وهناك فرق شاسع بين لجوء شعب ما عند تعرضه للابادة ، والاضطهاد ، والقمع الى مؤسسات دولية مهتمة بحق الشعوب وحقوق الانسان ، وبين الوقوع بين مخالب نظام يضطهد شعبا آخر ، وضد مبدأ حق تقرير المصير ، وما الاتصالات التي تمت – ومازالت مستمرة – بين مسؤولين في جماعات – ب ك ك – السورية وبينها – مسد – الا وصمة عار ، لاصلة للكرد والحركة الكردية بذلك لامن قريب او بعيد .

        في الوقت الذي نبارك الخطوات التي أنجزت مؤخرا على الصعيد الخارجي ، نتمنى بالوقت ذاته ان تصان تلك المنجزات الهامة بخطوات مماثلة على الصعيد الداخلي وبشكل اخص حول الحالة الكردية الخاصة ، وذلك بالاستجابة العاجلة لمذكرة حراك ” بزاف ” حول التعاون في عقد المؤتمر الكردي السوري الجامع بالعاصمة دمشق ، من اجل صياغة المشروع الكردي للسلام ، وانتخاب من يمثل الحركة السياسية الكردية بشكل شرعي ، ويكون المحاور مع الإدارة الانتقالية من اجل حل القضية الكردية عبر التوافق الوطني .

  بات واضحا للجميع من كرد ، والإدارة الانتقالية ، وجميع شركاء الوطن من قوى سياسية واجتماعية ، ان الحلول الجزئية مع الأحزاب ، وجوائز الترضية المؤقتة ، لن تجدي نفعا بالنسبة لقضية ظهرت ماقبل الاستقلال ، وكانت موضع ابتزاز ، وحقل تجارب مؤلمة ، ومنطلق للمزايدات القومجية ، من جانب الأنظمة والحكومات المتعاقبة ، والقضية احوج ماتكون الى معالجة شاملة من خلال التمثيل الشرعي للكرد السوريين .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
1 Comment
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
زبير عبدالله
زبير عبدالله
3 شهور

لاتتوقع شيئا اكثر ماهو مسموح به ،اسرائيليا ،وامريكيا، ولنقل عبر سمسرة أردوغان ايضا…وجود الشرع في الحكم أتى من غباء الرئيس الراحل، حيث اعتقد انه لابديل له،لذالك لم يوافق على لقاء اردوغان،قبل هروبه . .الشرع يجب ان يكون أفضل لإسرائيل من الاسدين،…وهذا ماسيثبته عاجلا ام اجلا….إسرائيل تستحق المكافأة، حيث قضت على ذيول ايران الاربعة،وماتبقى منهم من الحشد الشعبي، هي مسألة وقت …الحكومة السورية ،سميه الجولاني او الشرع ،تريد الاستعجال في التطبيع،لكن تم فرملتهم في اللحظة الاخيرة حتى لاينكشف أوراقهم بسرعة…..دعاني حاخام يهودي الى مؤتمر للادبان في هولندا قبل خراب سوريا ،بعد مؤتمر جبهةالخلاص؟لكنه قال مازحا بشرط لاتتخانق مع الاتراك …فريد الغادري،ومجموعته زاروا مكتب مخلوف في تل ابيب وطلب من بعد الكورد ايضا لكنهم رفضواالذهاب معه….العلاقة مع إسرائيل بالنسبة للكورد يتوقف على التكلفة،لأن الغوغاء من العربان والترك والفرس ،يتربصون بالكورد للقضاء عليهم ،بالعلاقة مع إسرائيل او بدونه ..ولنقل بصراحة أردوغان على رأسهم

اقرأ أيضاً ...

ادريس عمر منذ عام 1979، ومع انتصار ما سُمّي بالثورة الإسلامية في إيران، وإسقاط الحكم الملكي، دخلت البلاد مرحلة جديدة كان يُفترض أن تحمل الحرية والعدالة والكرامة للشعب الإيراني بكل مكوّناته القومية والدينية. إلا أنّ ما جرى على أرض الواقع كان عكس ذلك تماماً. فمع وصول روح الله الخميني إلى الحكم، ثم انتقال السلطة بعد وفاته إلى علي خامنئي، ترسّخ…

صلاح عمر ما يتكشف اليوم في المشهد السوري، وبصورة أكثر خطورة في حلب، لم يعد يحتاج إلى كثير من التحليل لفهم اتجاه الريح. سلطات دمشق، ومعها فصائلها الوظيفية، تتحضّر بوضوح لهجوم جديد وواسع، هدفه اقتحام الأحياء الكردية وكسر إرادة أهلها، في محاولة قديمة بثوب جديد لإعادة إنتاج معادلة الإخضاع بالقوة. لكن ما يغيب عن حساباتهم، أو يتجاهلونه عن عمد، أن…

سمكو عمر لعلي قبل الحديث عن تطبيق القانون، لا بدّ من التذكير بحقيقة بديهية كثيراً ما يتم تجاهلها، وهي أنّ من يتصدّى لتطبيق القانون يجب أن يكون قانونياً في سلوكه، شرعياً في مصدر سلطته، ومسؤولًا في ممارساته. فالقانون ليس نصوصاً جامدة تُستَخدم متى شِئنا وتُهمَل متى تعارضت مع المصالح، بل هو منظومة أخلاقية وسياسية قبل أن يكون أداة حكم. وهنا…

شـــريف علي لم تكن رسالة الرئيس مسعود بارزاني بشأن هجوم قوات الحكومة السورية على الأحياء الكوردية في حلب – الأشرفية وشيخ مقصود – مجرد موقف تضامني أو رد فعل سريع، بل كانت إعلاناً سياسياً واضحاً بأن الوجود الكوردي في سوريا لم يعد مكشوفاً ولا متروكاً لمعادلات القوة التي تحاول دمشق فرضها، على غرار محاولاتها في الساحل السوري والسويداء. ورغم شراسة…