منطق القوة لا يرحم الكورد بين عجز المجلس الوطني وهيمنة الإدارة الذاتية 1/3

د. محمود عباس

علينا أن نعي، بوعيٍ تاريخيٍّ متجذّر وبصيرةٍ فكرية نافذة، أن سجلّ الإنسانية لم يعرف يومًا قوةً سياسية أو عسكرية بسطت سلطانها على الجغرافيا واستحوذت على مقدرات شعبها، ثم تخلّت طوعًا عن هيمنتها أو قدّمت نفوذها هديةً لخصم أضعف أو مخالف لها فكريًا وإيديولوجيًا. فجوهر السلطة – كما علّمنا ميكيافيللي وهوبز – يقوم على شهوة البقاء وهاجس السيطرة، لا على أوهام الإيثار ولا على طوباويات الشراكة.

القوة لا تُسلَّم إلا تحت وطأة الضرورة القاهرة أو المصلحة العاجلة، أما حديث الشراكات المجرّدة خارج موازين القوة فليس إلا وهمًا سياسيًا، ورفاهًا ذهنيًا لا مكان له في صراعٍ تحكمه المصالح وتحدد مصائره رهانات البقاء.

لا شك أنّ هذه الجدلية تنطبق اليوم بكل تفاصيلها على مجريات الأحداث بين الحراك الكوردي والحكومة السورية الانتقالية، فلولا وجود قوات قسد والإدارة الذاتية والدعم المباشر من دول الحلفاء، لما تجرأت حكومة الجولاني أصلًا على فتح باب الحوار معهم، ولا كانت ستعيرهم أي وزن سياسي أو تفاوضي.

هذا هو منطق القوة في السياسة، من يمتلك أدوات الردع هو من يُستدعى إلى الطاولة، أما من يفتقدها فمكانه على الهامش.

 ولهذا لم تُحاور حكومة الجولاني حتى الآن المجلس الوطني الكوردي ولا الهيئة المنبثقة من مؤتمر قامشلو حول القضية الكوردية بشكل مستقل، بل تجاهلتها كليًا، ولولا قوة قسد لكان مصيرهم كمصير قادة المجلس الذين تم تناسيهم في فنادق دمشق بعد يوم واحد من سقوط بشار الأسد، بلا اعتبار ولا قيمة.

والمعادلة ذاتها تنطبق على الداخل الكوردي، بين طرفي الاستقطاب، المجلس الوطني الكوردي من جهة، وقوى الإدارة الذاتية من جهة أخرى، الحقيقة التي يجب أن ندركها بلا أوهام ولا رومانسية هي أنّ السياسة لا تعترف بالطوباويات أو النوايا الحسنة، بل تُدار بموازين القوى ومصالح الأطراف، من يملك القوة يفرض شروطه، ومن يفتقدها يجد نفسه تابعًا أو مهمشًا مهما كانت نبل مقاصده، إنّ البحث عن العدالة المطلقة أو الإنسانية الخالصة في عالم محكوم بصراعات النفوذ والهيمنة ليس سوى وهم فكري لا يغير في الواقع شيئًا.

ومع ذلك، فإننا نحاول أن نهدم أركان هذه الجدلية داخل البيت الكوردي، خدمةً للمصلحة القومية ومن أجل الغاية الأسمى التي نؤمن بها، وهي بناء وطن يليق بتضحيات شعبنا، وندرك أنّ بلوغ هذه الغاية لن يكون سهلًا، لكنه ممكن فقط عبر شراكة صادقة بين جميع أطراف الحراك الكوردي، حتى وإن كنا على خلاف، لأن ما يجمعنا أكبر وأعمق من كل ما يفرقنا.

لهذا، وبعكس جدلية القوة والضعف، كنت ولا أزال، مع أغلبية الشارع الكوردي، أطالب بالتوافق بين أطراف الحراك الكوردي جميعها، حتى وإن كان بينها خلافات عميقة، مرارًا طرحت مقترحات وسبل للتعاون، وقلت في أكثر من منبر إنه لا بد من تناسي الخلافات مرحليًا في سبيل الهدف الأسمى، الوطن. لكن الإشكالية الكبرى تكمن أحيانًا في مطالب الضعيف لإدماجه في إدارة مصيرية، من دون أن يدرك أو يدرس حقيقة أنّ المنطقة محاطة بقوى إقليمية ودولية تتربص بها وتترقب أي شرخ لتوظيفه.

يتبع…

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

31/8/2025م

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أصدرت وزارة الثروات الطبيعية في حكومة إقليم كوردستان، اليوم الأحد 15 آذار (مارس) 2026، بياناً توضيحياً رداً على الاتهامات التي ساقتها وزارة النفط في الحكومة الاتحادية بشأن أسباب تعرقل تصدير النفط عبر ميناء جيهان التركي. وفيما يلي نص البيان: أصدرت وزارة النفط العراقية بياناً تزعم فيه عدم استعداد إقليم كوردستان لتصدير النفط عبر الأنبوب الناقل إلى ميناء جيهان التركي. وتصويباً…

صلاح بدرالدين نشر الصديق د عبد الحكيم بشار عضو المكتب السياسي للحزب الديموقراطي الكردستاني – سوريا ، على موقعه بالفيسبوك – META – جملة من التساؤلات تمحورت أساسا حول السبب في تصدر – حزب الاتحاد الديمقراطي – ب ي د – المشهد السياسي الكردي السوري الراهن كما يراه هو، امام تراجع حزبه ، وذلك اسوة بالدور الوحيد لعبدالله اوجلان وحزبه…

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)   في تركيا يُعدّ السيد أوجلان القائد الأبرز للكرد، ويكاد يكون بلا منافس حقيقي، حتى ولو شكليا. كما أن التيار المرتبط به يمتلك حضورا سياسيا واضحا عبر ممثليه في البرلمان ورؤساء البلديات. أما في سوريا فكان الوضع مختلفا تماما؛ إذ لم يكن لهذا التيار في السابق حاضنة شعبية واسعة، بينما كانت البارزانية، أو من يمثلها سوريا،…

ولاتي مه|خاص: بمناسبة مرور عشرين عاما على تأسيسه، كرم موقع «ولاتـي مه» الفنانة الكردية المعروفة شيريفانا كوردي (شهريبان) تقديرا لمسيرتها الفنية وإسهاماتها البارزة في خدمة الأغنية الكردية والحفاظ على تراثها الغنائي الأصيل. وتعد شيريفانا كوردي واحدة من أبرز الأصوات النسائية في الغناء الكردي، حيث استطاعت منذ بداية تسعينيات القرن الماضي أن ترسخ مكانتها في الساحة الفنية الكردية بصوتها النقي وأسلوبها…