نداء إلى الحكومة الانتقالية لا تكرّروا الخطيئة السورية 1/2

د. محمود عباس

 

تمعنوا، وفكروا بعمق، قبل صياغة دستور سوريا القادمة.

فالشعب السوري، بكل مكوناته، لم يثر لينقلنا من دمار إلى آخر، ولا ليدور في حلقة مفرغة من الخيبات، بل ثار بحثًا عن عدالة مفقودة، وكرامة منهوبة، ودولة لجميع أبنائها، واليوم، وأنتم تقفون على مفترق مصيري، تُظهر الوقائع أنكم تسيرون في ذات الطريق الذي أوصل البلاد إلى الهاوية.

فلا تجعلوا النفق أكثر ظلمةً وطولًا، ولا تُطفئوا ما تبقّى من بصيص الضوء في آخره.

السلفية التي بشّر بها الشيخ الكوردي ابن تيمية، وأنتم تطبقونها، كانت ابنة سياقها التاريخي، وظرفها الزمني، لكنها اليوم، وقد أُعيد نفخ الروح في خطابها، تحوّلت إلى متاهة فكرية موحشة، تُعيد إنتاج الاستبداد بلبوس ديني، وتنذر بكوارث قد لا تقل فتكًا عمّا مضى.

ونحن، إذ نحذّر من استحضار هذا النمط من الخطاب في صياغة الدولة القادمة، ندعوكم للاستماع، بتروٍّ وتبصّر، إلى خطابات وتأويلات الشيخ الكوردي الآخر، الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي، لا من باب التبجيل، بل من باب استخلاص العبرة، فرغم اختلاف الرؤية معه، ظلّ، حتى آخر لحظاته، يُطلق نداءً صادقًا يُحذر فيه الجميع مما كان سيقع، وقد وقع فعلاً.

استمعوا إليه، لا بوصفه مرجعًا، بل بوصفه جرس إنذار فكري، تأملوا كلماته كتحذير من أن تُلدغ سوريا من الجُحر نفسه مرتين.

لا تقتلوا سوريا مرةً أخرى.

 لا تشعلوا فتيل الحرب الأهلية الجديدة باسم “المواطنة” المجرّدة من العدالة.

 لا تُغتالوا العقل السوري، لا تقسّموا سوريا بخمس رصاصات سياسية، تكتبونها في نصوص دستورية، ثم تُطلقونها على جسد الوطن باسم الوحدة.

قرأنا لابن تيمية في الماضي، ولبعض شيوخ السلفية، واستمعنا إلى خطابات تلميذه القرضاوي قبل وفاته، وقارنتها بخطابات الشيخ الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي. وقبل أيام، تابعت ثلاث تسجيلات مرئية له، في فترات متباعدة، وكل واحدة منها كانت تُنير زاوية طالما أُريد لها أن تبقى معتمة في المشهد السوري.

ورغم خلافي العقائدي العميق معه، خصوصًا في مسألة أولوية الدين على حساب البعد القومي، وسكوته الطويل عن مأساة المكونات غير العربية في سوريا، لا يسعني إلا أن أقرّ أن الرجل، في تلك اللحظات، كان يقرأ المشهد السوري لا كواعظٍ يُردد ما يُرضي الجماهير، بل كمفكرٍ يرى من وراء الغبار، ويحاول، بصوته المرتجف والهادئ لكن الجريء الواضح والصارم في القول، أن يمنع زلزالًا كان يلوح في الأفق.

الفيديو الأول، الذي يعود إلى عام 2011، لم يكن خطابًا سياسيًا على النحو التقليدي، بل أقرب إلى قراءة دقيقة لمستقبلٍ كان على وشك أن يُولد من رحم الفوضى.

تحدث فيه الشيخ، بوضوح تقشعر له الروح، تحدّث عن سوريا، بلغة الواعظ وبصرامة المفكر، وكأنه رأى الانقسام قبل أن يقع.

أما الفيديو الثالث، فكان قبل استشهاده بأيام، تحديدًا في آذار 2013، قبل أن يُغتال في 21 من الشهر ذاته، أثناء إلقائه محاضرة دينية داخل جامع الإيمان بدمشق.

لم يكن يتحدث عن ثورة، بل عن صراع أجهزة وأجندات، وعن مسرحٍ يُدار من خلف ستار، والدم فيه أرخص من الحبر.

ليس مبالغة القول إن كلماته تلك كانت سبب اغتياله، كما أودت كلمات ابن تيمية به إلى السجون، لم تُردِه جهة واحدة، بل تآمر على قتله أطراف متناقضة ظاهرًا، موحدة في خوفها من الحقيقة، المعارضة التكفيرية، التي رأت في صوته فضحًا لعقيدتها، بدعم من القرضاوي، والنظام البائد المجرم، الذي اعتبره خارجًا عن طاعته.

وليعلم المنتصرون اليوم، سواء بالسلاح أو الصفقات، أن ما جرى خلال العقد الماضي لم يكن سوى نتيجة حتمية لهيمنة لون واحد، وهذا ما يُعاد إنتاجه الآن، مهما حاولوا تزيينه بلغة دبلوماسية ناعمة، بدون فيدرالية، وبدون نظام لامركزي حقيقي، ستتجه سوريا حتماً نحو الانقسام.

المسؤولية الأولى والأخيرة ستقع على الحكومة الانتقالية الحالية، التي تدعي تمثيل الشعب، بينما تخضع فعليًا لهيمنة هيئة تحرير الشام وإملاءات تركيا.

 

يتبع…

 

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

mmokurda@gmail.com

15/4/2025م

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

تنكزار ماريني بداية اعتذر لكل القراء وخاصة قراء كتاباتي وقراء الأخ ابراهيم اليوسف على الكتابات التي كنت ارد فيها على كتاباته. برأيي انها تدخل في بوتقة المدح الشخصي وعرض العضلات وخلق عداوات وهمية وأنا بغنى عن ذلك. أخي سالار واستاذي رزو لم يعلمانني هكذا فاعتذر لهما على مابدى مني وأعلم أن مهمتي تقديم مادة للقارئ ليحولها الى سؤال وليس الكتابة…

أوجه شكري بداية إلى كل من أشرفوا على إدارة ” المؤتمر الأول لفيدراسيون الكتّاب الكوردستانيين في المهجر” الدياسبورا “في ” 25 تموز 2026 ” وممَّن حضروا المؤتمر من الزملاء الكتاب والمعنيين بقضية الثقافة ودورها الفاعل في بناء المجتمع، وتنوير قضيتهم للعالم، وأسهموا في دفع عجلته الثقافية إلى الأمام بنتائجه، وفي السياق، أوجّه شكري إلى اللجنة التي اختارت أسماء كتّابها الكرد…

د. فريد سعدون استقبل المحافظ وفد مربي النحل .. استقبل مدير المنطقة وفد تجار البوظة استقبل مدير الناحية وفد مزارعي البابونج.. استقبل عظيم الروم وفد رعاة البط وديوك الحبش ……… كنت أتمنى أن نقرأ : قام المحافظ بتدشين أوتستراد ديريك/ قامشلو/ الحسكة، وافتتاح مشفى الحسكة لأمراض السرطان. قام مدير المنطقة بتدشين محطة كهرباء قامشلي النووية. قام مدير الناحية بتدشين مصفاة…

*شيرزاد مامساني/ اسرائيل من أكثر الظواهر المؤلمة التي بدأت تنتشر بين بعض المثقفين والناشطين الكورد، ولا سيما في المهجر، أن بعضهم يربط نجاح أي مشروع أو مؤتمر أو نشاط بوجوده الشخصي. فإذا لم يُدعَ، أو دُعي ولم يُمنح فرصة لإلقاء كلمة، أو لم يكن في الصف الأول، انقلب فجأة إلى معارض لكل شيء. لا يبحث عن مكامن القوة والضعف، ولا…