من دفتر يومياتي: في الذكرى السنوية الثامنة والثلاثين لرحيله، محادثات اللقاء الأخير مع ادريس بارزاني

صلاح بدرالدين
  كنت قد التقيت بالمرحوم ادريس مصطفى بارزاني خلال زيارتي الأولى الى المناطق المحررة لثورة أيلول صيف ١٩٦٧ ومعي رفيقنا الشهيد – محمد حسن – ، حيث كان لايفارق والده الزعيم الراحل ، وبمثابة ساعده الأيمن ، وسكرتيره ، ومعاونه ، ومكلفا بعدد من اهم واخطر الملفات ذات الطبيعة العسكرية ، والسياسية ، والتنظيمية ، من بينها ملف العلاقات القومية الكردستانية ، ومن ضمن هذا الملف بطبيعة الحال الحركة الكردية السورية ، وكنت قد اشرت سابقا انه وخلال مباحثات وفدنا في زيارتنا الأولى مع الزعيم الراحل كنا نتاول مع جنابه الخطوط العريضة ، ثم نغوص بالتفاصيل مع – ادريس –  الذي توصلنا معه في تلك الزيارة الى جملة من التفاهمات ، يتعلق معظمها بمسالة دعم الثورة إعلاميا ، وبشريا ، وماديا ، والعمل المشترك على مستوى أوروبا ، الى جانب العلاقات الثنائية ، وانتهت المباحثات التي دامت نحو أسبوعين بتعارف بالعمق ، وبناء صداقة متينة أساسها الثقة المتبادلة .
  المرة الثانية التي التقينا فيها كانت خلال المؤتمر الثامن للحزب الديموقراطي الكردستاني عام ١٩٧٠ بناوبردان ، حيث كنا الحزب الكردي الوحيد خارج العراق مدعوون كوفد باسم حزبنا ( آنذاك ) – البارتي الديموقراطي الكردي اليساري – والمكون من – المرحوم محمد نيو ، وعبد اللطيف من منظمة الحزب بلبنان وانا – وكانت لنا كلمة في الجلسة الافتتاحية بحضور الزعيم الراحل ، ومندوبي منظمات الحزب الشقيق ، ود كامران بدرخان ، ووفود عراقية ، وإعلامية بينها وفد القيادة القومية لحزب البعث الحاكم ببغداد ، وممثلون عن سفارات الدول الاشتراكية في العراق .
  التقيت عدة مرات بالمرحوم ادريس بعد المؤتمر ، وكذلك خلال ( المؤتمر التوحيدي ) للكرد السوريين ، والذي كتبت عنه مرارا ولا أرى حاجة بالدخول بتفاصيله الان ، كل مااريد قوله ان المرحوم لم يكن راضيا عن نتائجه ، ولم يؤخذ رايه بعين الاعتبار كمشرف على العلاقات القومية ، وكان يرى ان حزبنا يمثل إرادة الكرد السوريين ويقف منذ اليوم الأول مع ثورة أيلول ، وعلى الاخرين الالتحاق به من دون مؤتمرات ، ومحاصصات جديدة ، وتدخلات جانبية .
اللقاء الثالث الأخير
  عندما غادرت كردستان العراق أواخر عام ١٩٧٠ وبعد توديع الزعيم الراحل ، كان المرحوم ادريس آخر المودعين ، ثم تتالت الاحداث ، وانقطعت الصلات ، وحصلت نكسة عام ١٩٧٥ ، وغادر مع والده واخيه كاك مسعود الى الولايات المتحدة الامريكية ، وعاد الى كردستان بعد رحيل الزعيم ، ونشوب ثورة – كولان – ، وللتذكير عندما وصلوا طهران بعثت برسالة تعزية معبرة الى الاخوين مسعود وادريس لرحيل الزعيم بارزاني في وقت كان الجميع تخلوا عنهم بمافيهم معظم قيادات حزبهم ( سامي عبد الرحمن – د محمود عثمان – صالح اليوسفي – دارا توفيق – نوري شاويس ، وآخرون ) ، وتلقيت رسالة جوابية منهما تضمنت مشاعر نبيلة ، وهي منشورة في مذكراتي .
   وبعد مضي – ثلاثة عشر عاما – عن آخر لقاء ، التقينا في طرابلس – ليبيا – بالمؤتمر الشعبي العام عام ١٩٨٣ – الذي شاركت فيه اوساطا عديدة من الحركات السياسية ، ووفودا من منظمة التحرير الفلسطينية وأنظمة ( الجزائر – اليمن الجنوبي – سوريا إضافة الى الدولة  ليبيا ) وكان المرحوم يتراس وفد حزبه ، وكنت امثل منظمة حزبنا في لبنان العضو في الحركة الوطنية اللبنانية .
  صادفت في بهو فندق الوفود الصديق فاضل ميراني وبعد العناق والسلام اخبرني ان كاك ادريس موجود أيضا فتوجهنا سوية الى غرفته ، وتفاجأ برؤيتي وتوجه الي بوجهه البشوش وناداني : ” صلاح انتم مغدورون ” وبدانا الحديث بحضور كل من ( فاضل ميراني – د روز شاويس – د بيروت إبراهيم – د سعيد بارزاني ) وردد مرارا ” ان مؤتمر –توحيد كرد سوريا في  ناوبردان – كان خطأ تاريخيا ، وتم الحاق الأذى بك وبحزبك من دون مبرر ، نعم تعرضنا لضغط خارجي ( وكان يقصد نظام الشاه ) بسبب كلمتك في المؤتمر التي تضمنت تهجما عليه ومطالبة بحل القضية الكردية هناك ، وكذلك بسبب نهجكم اليساري ، ولكن كان يمكن ترتيب الامر بشكل سليم ، وتجاوز ذلك بطريقة أخرى ، وعلينا تصحيح ذلك الخطأ ، واعادة علاقاتنا الى سابق عهدها ” ، ودخلنا بالتفاصيل حول التعاون ، وتنظيم اللقاءات ، بطبيعة الحال مازال الصديقان ( فاضل وبيروت ) على قيد الحياة طال عمرهما ، وموجودان في أربيل وكانا مشاركان باللقاء .
  بعد ذلك حصلت عدة لقاءات خلال وجودنا في طرابلس اتسمت بالودية ، والاحترام المتبادل ، وماحصل هناك شكل منطلقا لاعادة الروح الى العلاقات ، وتمت زيارات ، وتعاون ، وعمل مشترك ، وبعد رحيل كاك ادريس – تلكات – العلاقات مجددا ، وصادفت عقبات خصوصا بعد مرحلة تحقيق الفيدرالية والانتقال من مرحلة الثورة الى مرحلة السلطة ، هذه المرحلة التي بدات الكتابة حولها بمذكراتي ، وساستمر بذلك للفائدة العامة .
  الامر الأهم بنظري هو شعور هذا المناضل بما لحق بنا كحزب ، وقيادة من غبن ، وتجاهل ، واعترف علنا وامام رفاقه بذلك ، وانني اعتبر ذلك نقدا ذاتيا على طريقته ، وتواضعا من جانب قائد شجاع ، ومااحوجنا اليوم أحزابا ، وافرادا مناضلين الى هذه الروحية في اجراء المراجعات ، والنقد الذاتي ، وتصحيح السياسات ، والمسارات .
  طبعا تلك المراجعة السريعة كانت تعبيرا عن وجود خلل في العلاقات الكردستانية ، وغياب القواعد ، والاليات الواضحة ، والمؤسسة الديموقراطية التي ينطلق منها العمل القومي المشترك العام ، والتنسيق ، على أساس المساواة ، واحترام خصوصيات البعض الاخر ، وتقديم الدعم أيضا للبعض الاخر ، وعدم التدخل في شؤون البعض الاخر ، ومازالت الحركة الكردستانية ، والكردية تعاني نفس الازمة القديمة منذ عقود ، ولم تنجح في حلها الى يومنا هذا ، وتتعرض على الدوام الى كوارث ، وتقاتل ، ومواجهات ، مما يسهل على الأعداء ، التغلغل ، واختراق الصفوف ، وتعميق الصراعات .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* قرأنا في تاريخ ثورات العالم أن الشعوب المظلومة قد تتعثر، لكنها لا تستسلم. لقد نهضت مراراً وتكراراً وانتفضت ضد الديكتاتورية والاستبداد؛ لأنها آمنت بهدفها. الحرية هي المثل الأعلى الذي تصمد الشعوب من أجله، وتكسر الطرق المسدودة بأمل الانتصار. والشعب الإيراني ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فهو شعب يؤمن بأن القيود ستتحطم يوماً ما وأن الحرية ستتحقق. ورغم…

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…