مفاهيم تُعيد إنتاج الاستبداد: قراءة نقدية في رؤى المرحلة

إبراهيم اليوسف
 
طرح الكاتب  مضر رياض الدبس في مقال له نُشر على موقع تلفزيون سوريا بعنوان “عشرة مفهومات أساسية للمرحلة” بتاريخ 3 يناير 2025،  رؤيته حول بعض المفاهيم التي اعتبرَها ضرورية لتأسيس مرحلة جديدة في سوريا. ورغم أن المقال يهدف إلى تقديم إطار مفاهيمي للمستقبل، إلا أنه يعيد القارئ إلى أجواء الهيمنة والإقصاء التي عانى منها السوريون لعقود. وهو- في رأيي- يتطلب استقراء هذه الأطروحات وتفكيكها، ومناقشة تأثيراتها السياسية والاجتماعية ضمن سياق وطني جامع.
إعادة إنتاج مفهوم “السُنَّة” خارج إطار الطائفة
تناول المقال دور السُنَّة في سوريا باعتبارهم الحاضنة الأكبر لمشروع وطني-هكذا- واعتبر أنهم ليسوا طائفة بل نواة لهوية جامعة، وهذا ما لا يصمد أمام أي حوار ويتطلب ذلك وقفة مطولة، لأنني- وأنا الكردي السني- أرى أن من حق غيري أن يرى ذاته الأصل، كما الكردي العلوي أو الشيعي أو حتى على صعد الدين: اليهودي أو الإيزيدي أو المسيحي أو اللاديني.  وقد استند  في هذا الطرح الذي أسمعه- لأول مرة- إلى أمثلة تاريخية مثل التنسيق بين عبد الرحمن الشهبندر وسلطان الأطرش، وتنصيب الأخير قائدًا للثورة السورية الكبرى. ورغم أهمية هذا التحالف، يغفل المقال ذكر أدوار شخصيات وثورات أخرى أسهمت في النضال ضد الاستعمار، ولاسيما الكرد من أمثال: إبراهيم هنانو وسليمان الحلبي ويوسف العظمة. كما تجاهل الدور الكردي في الثورة السورية الكبرى، بدءًا من إطلاق محو إيبوشاشو أول رصاصة في عفرين، إلى ثورة بياندور في منطقة الجزيرة التي جمعت الكرد وبعض القبائل العربية في مقاومة مشتركة.
بداية، لابد من أن نؤكد هنا أن تجاوز هذه الأدوار هو تهميش صريح للمساهمات المتنوعة التي شكّلت النسيج السوري. فالتأكيد على هوية وطنية جامعة لا يعني إقصاء الهويات الموازية و الفرعية بل الاعتراف بها كجزء من هذه الهوية الجامعة، مع خصوصية كل منها.
الفيدرالية والمطالب المشروعة للمكونات
ينفي المقال أهمية الفيدرالية ويصفها بأنها مطلب” أقلوي” لا يمثل غالبية السوريين. لكن الواقع يشير إلى أن الفيدرالية ليست مجرد مطلب كردي، بل هي خيار منطقي تبنّاه أيضًا أبناء الساحل والسويداء كآلية لتحقيق العدالة الإدارية والتنموية. الفيدرالية ليست بدعة، بل نموذج أثبت نجاحه في دول متعددة الثقافات حيث تضمن لكل مكون حقه في إدارة شؤونه ضمن إطار الدولة الواحدة.
تجاهل هذا الطرح يعني الإصرار على مركزية مفرطة أثبتت فشلها في سوريا، حيث عززت من هيمنة جهة واحدة على حساب بقية المكونات. إن الاعتراف بالفيدرالية كخيار سياسي لا يعني تقسيم البلاد، بل يُعد خطوة نحو بناء دولة حديثة تستوعب جميعهم.
اختزال المجتمع المدني إلى مفهوم الشعب
يتناول المقال مفهوم المجتمع المدني بطريقة مبسّطة، ويختصره في كلمة “الشعب”. هذا الطرح يتماشى مع خطاب النظام السوري الذي لطالما اعتبر أن المجتمع المدني ليس سوى امتداد للدولة أو للحزب الحاكم. لكن المجتمع المدني هو ركيزة أساسية لأي ديمقراطية حقيقية، إذ يمثل الحاضنة التي تتيح للمواطنين تنظيم أنفسهم بعيدًا عن الإطار الرسمي، والعمل لتحقيق أهداف تخدم المصلحة العامة.
اختزال المجتمع المدني إلى الشعب يعني إلغاء التنوع الذي يتميز به هذا المفهوم، من جمعيات ومنظمات حقوقية وثقافية، إلى نقابات وروابط مهنية. هذا التوجه لا يهدد فقط تطور المجتمع المدني بل يعيد إنتاج الهيمنة التي رسّختها الأنظمة الاستبدادية.
مفهوم العدالة الانتقالية والعدالة الشاملة
يطرح المقال أن العدالة الانتقالية قد تحققت وصارت منجزًا، وهي رؤية لا تعكس الواقع. العدالة الانتقالية ليست مجرد مسار لتصفية الحسابات مع الماضي، بل عملية شاملة تستهدف بناء الثقة بين الدولة والمجتمع عبر كشف الحقيقة، وجبر الضرر، وضمان عدم تكرار الانتهاكات. ما تحقق حتى الآن لا يتعدى الخطوات الرمزية التي تفتقر إلى آليات واضحة لتعويض الضحايا ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم.
إن أية عدالة انتقالية لا تضمن حقوق جميعهم، بمن في ذلك الكرد والعرب والسريان والدروز وغيرهم، لا يمكن اعتبارها مكتملة. سوريا بحاجة إلى عدالة شاملة تعيد بناء العقد الاجتماعي على أسس المساواة والإنصاف.
الفلكلور والتنوع الثقافي
يتناول المقال التنوع الثقافي بطريقة غير متعمقة، حيث يصف الفلكلور بأنه مجرد “تنويعات”، دون الاعتراف به كجزء أساسي من هوية الشعوب. التنوع الثقافي في سوريا ليس مجرد ألوان جميلة بل هو تعبير عن تاريخ غني ومتنوع يعكس أصالة المكونات السورية المختلفة. تجاهل هذه الحقيقة يعزز من نزعة صهر الهوية التي سادت في الحقبة البعثية.
كما أن الفلكلور ليس رفاهية بل هو عنصر أصيل في الحفاظ على الهوية الثقافية. الحفاظ على هذا الإرث يتطلب اعترافًا رسميًا وإجراءات تضمن استمراره كجزء من الهوية الوطنية السورية.
عود على بدء:
يتجاهل المقال حقيقة التناقض الصارخ الذي يتجلى في الخطوات الراهنة على الأرض، حيث تُشكَّل حكومة و وزراء و مقدمات تهيئة رئاسة وجيوش يُعتمد فيها على عساكر أجانب، في تناقض مع الدعوات المستمرة لطرد الأجانب، ولا سيما فيما يتعلق بالإشارة إلى “ب ك ك”، وليس دفاعاً ع وجود أية قوى أو أفراد مقاتلين أجانب في سوريا. هذا النهج لا يعكس فقط ازدواجية في المعايير، بل يتنافى أيضاً مع الأحلام التي طالما طُرحت عن الاستقلالية الحقيقية والإدارة الذاتية الصادقة. إن هذا الواقع يثير تساؤلات جوهرية حول مصداقية الخطاب ومدى ارتباطه الفعلي بمصالح الشعب وتطلعاته، في ظل هذا التباين الواضح بين ما يُعلن وما يُمارَس.
إن قراءة مقال “عشرة مفهومات أساسية للمرحلة” تكشف عن توجهات تحمل في طياتها مخاطر العودة إلى سياسات الإقصاء والهيمنة التي أنهكت سوريا. التأسيس لمرحلة جديدة يتطلب رؤى شاملة تأخذ بعين الاعتبار التنوع السوري كقوة وليس كعائق، مع الالتزام ببناء دولة ديمقراطية تعددية تضمن حقوق جميع مكوناتها.
رابط مقال الأستاذ مضر رياض الدبس:
 
https://www.syria.tv/%D8%B9%D8%B4%D8%B1%D8%A9%D9%8F-%D9%85%D9%81%D9%87%D9%88%D9%85%D8%A7%D8%AA%D9%8D-%D8%A3%D8%B3%D8%A7%D8%B3%D9%8A%D9%91%D9%8E%D8%A9%D9%8C-%D9%84%D9%84%D9%85%D8%B1%D8%AD%D9%84%D8%A9

شارك المقال :

1 1 vote
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح بدرالدين وقفة احتجاجية لاهالي الاسرى والمفقودين الذين ( يربو عددهم السبعمائة ) على اقل تقدير وذلك بمدينة القامشلي يوم الخامس من نيسان / ابريل ، وبالرغم من التعتيم الإعلامي من جانب سلطة الامر الواقع لقسد ، وب ي د ، وامتناع وسائل اعلامها لتغطية الحدث الأهم في الفترة الأخيرة ، وبالرغم من علائم الحذر والخوف المخيمة على وجوه الأهالي…

كفاح محمود في ذكرى تأسيس الحزب الشيوعي العراقي في 31 آذار (مارس)، لا يعود الحديث عن حزب سياسي فحسب، بل عن واحدة من أعرق مدارس الوطنية العراقية وأكثرها تضحية ونبلًا، فثمة أحزاب تُعرف بما بلغت من سلطة، وأخرى تُعرف بما تركته في الضمير العام من أثر، والحزب الشيوعي العراقي من ذلك الطراز الذي خسر كثيرًا في حساب القوة، لكنه ربح…

نورالدين عمر بناءً على معرفتي بخفايا حزب العمال الكردستاني على الأقل أكثر من السيد عبدالباسط سيدا، أجد من الضروري توضيح وتصحيح بعض النقاط التي وردت في مقاله “حزب العمال في استراتيجية النظام الإيراني”، تفنيداً لبعض المغالطات التاريخية والسياسية. أولاً: جدلية العلاقة مع طهران.. تكتيك أم تبعية؟ كافة القوى الكردية المؤثرة، وفي مقدمتها الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، تمتلك…

د. محمود عباس ليس كل ما يُقال نقدًا هو نقد، وليس كل من يتحدث باسم الكورد ينتمي إلى قضيتهم، ما يجري اليوم ضد (ليلى زانا) ليس مجرد هجوم عابر، بل اختبار لوعي الشارع الكوردي، وبداية مسار خطير إن لم يُفهم في توقيته ومعناه. في الآونة الأخيرة، وبعدما تخطت القضية الكوردية حدود الجغرافيا التي فُرضت عليها تاريخيًا، وبدأت تفرض حضورها في…