مظاهرة بروكسل: لا للدكتاتورية، نعم للديمقراطية

نظام مير محمدي *

في لحظة تاريخية تتصاعد فيها الأزمة الداخلية للنظام الإيراني وتتزايد الضغوط الدولية عليه، يبرز حدث استثنائي يحمل رسالة قوية إلى العالم: تظاهرة حاشدة للإيرانيين في بروكسل. إن هذا التجمع ليس مجرد تظاهرة عادية، بل هو انعكاس حيّ لإرادة الشعب الإيراني الذي لا يمكن إسكاته، وصوتٌ يصدح بالحق في وجه أربعين عاماً من القمع. هذه التظاهرة تكتسب أهمية خاصة، كونها تجسيداً حقيقياً لأصوات الآلاف من الإيرانيين في الداخل، الذين لا يجدون سبيلاً للتعبير عن مطالبهم سوى عبر تجمعات أنصار مقاومتهم في الخارج.

في مقطع فيديو عرض في اللقاء الحواري، تم التأكيد على أن الحشود التي ستشارك في تظاهرة بروكسل هي امتداد للشعب في سائر أرجاء إيران، وتجسيد لصرخة عوائل 120 ألف شهيد سقطوا على يد هذا النظام. إنها صوت المطالبين بالعدالة لضحايا مجزرة عام 1988، وصوت وحدات المقاومة التي تنشط في عمق إيران وتقود الانتفاضة الحتمية.

تأثيرات التظاهرة ومطالبها

في يوم السبت 6 سبتمبر، سيقيم عشرات الآلاف من الإيرانيين في بروكسل تظاهرة كبرى بمناسبة الذكرى الستين لتأسيس منظمة مجاهدي خلق، ليعلنوا دعمهم للقوة التي ناضلت طيلة ستين عاماً ضد دكتاتوريتين: دكتاتورية الشاه ودكتاتورية الملالي. كما سيؤكدون تأييدهم للخطة ذات البنود العشرة للسيدة مريم رجوي من أجل إيران ديمقراطية الغد. وتأتي هذه التظاهرة في وقت تعيش فيه إيران منعطفاً تاريخياً، ولوجود هذا الحشد الضخم معانٍ ورسائل وتأثيرات خاصة.

أهم رسالة لهذه التظاهرة تتعلق بالذكرى الستين لتأسيس منظمة مجاهدي خلق، والتي تظهر للجميع أن هذه المنظمة، وهي العمود الفقري للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، قد خاضت نضالاً مستمراً منذ ستين عاماً ضد دكتاتوريتي الشاه والملالي، رغم ما تعرضت له من أشد حملات القمع والإعدامات والمجازر. وقد اتسعت أكثر فأكثر حتى باتت اليوم التهديد الرئيسي لنظام الملالي.

إن تجمع عشرات الآلاف من الإيرانيين في بروكسل أمر غير مسبوق، ولم نشهد مثله إلا أثناء انتفاضة 2022 حين خرجت جموع الإيرانيين في المهجر بتظاهرات حاشدة. واليوم نشهد وضعاً مشابهاً، حيث يتجمع هذا الحشد الضخم لإيصال رسائل مهمة إلى العالم. أبرز هذه الرسائل أن الحل الحقيقي لمشكلة إيران يتلخص في عبارة واحدة: “الحل الثالث”، أي لا للحرب ولا للمساومة مع النظام، بل إسقاطه عبر انتفاضة الشعب والمقاومة المنظمة. وعلى المجتمع الدولي أن يقف بجانب الشعب الإيراني ومقاومته إن أراد الخلاص من شر هذا النظام.

رسالة أخرى من تظاهرة بروكسل هي أن هناك بديلاً حقيقياً يمكن الاعتماد عليه من أجل إيران، يمتلك تاريخاً وعمقاً نضالياً ستين عاماً، وله قاعدة وقوة شعبية في الداخل، وبرنامج واضح لنقل السيادة إلى الشعب وبناء إيران ديمقراطية متقدمة، تكون في سلام وصداقة مع المنطقة والعالم.

تضامن دولي مع نضال الشعب الإيراني

إن هذه المظاهرة لا تحظى بدعم الإيرانيين في الخارج فحسب، بل تلقى تضامناً واسعاً من مختلف الأوساط الدولية. فقد أعلن مئات من الشخصيات السياسية والبرلمانية والحقوقية والفنانين والكتاب وغيرهم من الشرائح، دعمهم لمطالب هذه المظاهرة ونيتهم المشاركة فيها. وفي خطوة هامة تعكس هذا الدعم المتزايد، قام 102 من الفائزين بجائزة نوبل للسلام بإرسال رسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة، أعلنوا فيها تضامنهم مع المقاومة الإيرانية ودعوتها لإرساء الديمقراطية في إيران من خلال برنامج المجلس الوطني للمقاومة وخطة السيدة مريم رجوي ذات البنود العشرة. وهذا ما يؤكد على أن الحل الذي تطرحه المقاومة هو حلٌ إنساني وعملي يلقى قبولاً عالمياً.

الخلاصة

تمثل هذه التظاهرة في الواقع الشبكة الاجتماعية لمجاهدي خلق والمقاومة الإيرانية في الداخل، وهي شبكة لا تقتصر على وحدات الانتفاضة بل تشمل طيفاً واسعاً من مختلف فئات الشعب في أنحاء البلاد. إن النظام الإيراني يخشى بشدة مثل هذه التجمعات والمظاهرات، لأنه يعلم جيداً أن كل صوت خارج إيران يمثل آلاف الأصوات المعارضة داخل البلاد، التي تخضع للقمع والخنق المطلق. هذه التظاهرة هي صوت تلك الجماهير المضطهدة، وهي تؤكد أن إرادة الشعب الإيراني لن تقهر، وأن الأمل في الحرية والديمقراطية يتجسد اليوم في شوارع بروكسل.

*كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني

 

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

ادريس عمر منذ عام 1979، ومع انتصار ما سُمّي بالثورة الإسلامية في إيران، وإسقاط الحكم الملكي، دخلت البلاد مرحلة جديدة كان يُفترض أن تحمل الحرية والعدالة والكرامة للشعب الإيراني بكل مكوّناته القومية والدينية. إلا أنّ ما جرى على أرض الواقع كان عكس ذلك تماماً. فمع وصول روح الله الخميني إلى الحكم، ثم انتقال السلطة بعد وفاته إلى علي خامنئي، ترسّخ…

صلاح عمر ما يتكشف اليوم في المشهد السوري، وبصورة أكثر خطورة في حلب، لم يعد يحتاج إلى كثير من التحليل لفهم اتجاه الريح. سلطات دمشق، ومعها فصائلها الوظيفية، تتحضّر بوضوح لهجوم جديد وواسع، هدفه اقتحام الأحياء الكردية وكسر إرادة أهلها، في محاولة قديمة بثوب جديد لإعادة إنتاج معادلة الإخضاع بالقوة. لكن ما يغيب عن حساباتهم، أو يتجاهلونه عن عمد، أن…

سمكو عمر لعلي قبل الحديث عن تطبيق القانون، لا بدّ من التذكير بحقيقة بديهية كثيراً ما يتم تجاهلها، وهي أنّ من يتصدّى لتطبيق القانون يجب أن يكون قانونياً في سلوكه، شرعياً في مصدر سلطته، ومسؤولًا في ممارساته. فالقانون ليس نصوصاً جامدة تُستَخدم متى شِئنا وتُهمَل متى تعارضت مع المصالح، بل هو منظومة أخلاقية وسياسية قبل أن يكون أداة حكم. وهنا…

شـــريف علي لم تكن رسالة الرئيس مسعود بارزاني بشأن هجوم قوات الحكومة السورية على الأحياء الكوردية في حلب – الأشرفية وشيخ مقصود – مجرد موقف تضامني أو رد فعل سريع، بل كانت إعلاناً سياسياً واضحاً بأن الوجود الكوردي في سوريا لم يعد مكشوفاً ولا متروكاً لمعادلات القوة التي تحاول دمشق فرضها، على غرار محاولاتها في الساحل السوري والسويداء. ورغم شراسة…