سوريا من قبضة الأسد إلى مخالب الإرهاب

د. محمود عباس
 
تعيد تركيا وأدواتها إنتاج الفوضى؟
في سوريا اليوم، تتجلى الخدع الدستورية المعروفة للجميع، ورغم ذلك، نأمل ألا يكون ما يُروّج له على أنه حكومة مؤقتة مجرد غطاء لنفاق سياسي يمهّد لإغراق البلاد في ظلام التكفير والتطرف الإسلامي.
  • معظم السوريين، باستثناء جيل الحرب، يتذكرون كيف تم تغيير الدستور عام 2000 ليتماشى مع عمر الصبي بشار الأسد، ومن ثم تم تنصيبه، وكانت تلك بداية المرحلة الكارثية الأبشع من حكم والده المقبور. اليوم يتكرر المشهد نفسه، لكن بأدوات جديدة، حيث يتم تعطيل الدستور والبرلمان السوريين، ليس لتحقيق الحرية، بل لتنصيب شخص مثل أحمد الشرع، زعيم جبهة النصرة سابقًا، والمصنف بين أكثر الإرهابيين المطلوبين على المستويين الإقليمي والعالمي.
  • لا شك أننا سعداء بإلغاء الدستور وحل البعث والبرلمان والجبهة الوطنية، وغيرها من الهيئات التي كانت مرتعًا للفساد والاستبداد والإجرام، مثلما فرحنا بزوال النظام المجرم، لكن أن يتم استبدالها بقوانين عبثية دون الرجوع إلى مرجعيات وطنية، ويتم فرض إدارة لسوريا وفقًا لمتطلبات قوى إقليمية، فهذا ليس سوى إعادة إنتاج للاستبداد بوجه جديد.
عندما يتم تنصيب الإرهابيين ببدلات رسمية، وربطات عنق، ولحى، مستخدمين خطابًا معسولًا يخفي وراءه توجهات إجرامية، فإن سوريا لن تتجه إلا إلى مزيد من الدمار. هؤلاء المتطرفون الذين يتم زرعهم في حكومة يُقال إنها انتقالية، لن يكونوا سوى الأساس للحكومة القادمة الدائمة، تمامًا كما فعل بشار الأسد عند وصوله إلى السلطة، حيث روج للإصلاح، لكنه رسخ الاستبداد وجعل البلاد رهينة لأهوائه.
  • لا فرق كبير بين الحالتين، فالقوة هي التي تخلق الشرعية، وعندما جاء بشار الأسد، أطلق وعودًا وتصريحات لا تقل كذبًا عمّا يصدر اليوم عن حكومة هيئة تحرير الشام، وحينها صفق له البرلمان والجيش والشعب رغمًا عنهم. اليوم، القوة بيد هيئة تحرير الشام والتنظيمات التكفيرية الأخرى، فيصفق لهم أتباعهم من الجماعات المتطرفة، وشرائح من الشعب السوري، سواء كان ذلك طواعية أو كرهًا بالنظام المجرم البائد.
  • سيتم حل هيئة تحرير الشام شكليًا، ولكن من سيحكم سوريا هم أنفسهم، ولكن تحت أسماء جديدة، ومسميات مثل “حكومة انتقالية” و”وزارة دفاع”، فيما تظل نواة السلطة وعصب الوزارات عناصر جبهة النصرة والمنظمات الأخرى التي تعمل تحت راية الهيئة. الخدعة مكشوفة، وهي لا تقل عريًا عن المسرحية التي جلبت بشار الأسد إلى السلطة، وكانت نتيجتها ما يراه العالم اليوم.
 إذا استمرت هيئة تحرير الشام وقادتها في هذه الأكاذيب، فمن المرجح أن تواجه سوريا نفس الكوارث التي تسبب فيها النظام السابق، وربما يكون المصير أكثر سوءًا، إذ قد تدخل البلاد في حرب أهلية دائمة، خاصة مع استمرار تركيا في تأجيج الصراع عبر دعم ميليشياتها المرتزقة لمحاربة المكونين الكوردي والعربي في شرق الفرات.
  • من المتوقع أن تدفع تركيا بميليشياتها ومرتزقتها من المنظمات الإرهابية في عفرين، التي تهاجم الكورد في شرق الفرات، إلى إعلان حل نفسها اسميًا، بنفس الطريقة التي ستفعلها هيئة تحرير الشام، لكنها ستستمر في محاربة القوات الكوردية وقسد، وقصف المدنيين، تحت غطاء “جيش وزارة الدفاع السورية الوطني” المزعوم. الجميع يعلم أن هؤلاء ليسوا إلا نفس الجماعات التكفيرية التي دمرت عفرين وشردت شعبها. بهذه الخدعة العسكرية السياسية، ستحاول تركيا إضفاء الشرعية على محاربتها للشعب الكوردي وقواته، تمامًا كما فعلت حكومة بشار الأسد عندما منحت الشرعية للفرقة الرابعة التابعة لماهر الأسد، والتي لم تكن سوى مافيا مخدرات، وجنودها مجرد أدوات لخدمة مصانع الكبتاغون.
  • على أحمد الشرع وولي أمره التركي أن يدركوا أنه إذا استمرت وزارة الدفاع السورية المزمع تشكيلها في بناء جيشها من عناصر هذه المنظمات الإرهابية، وتمادى قادتها في خداع الشعب، فإن سوريا لن ترى النور كدولة وطنية، بل ستظل غارقة في الكوارث والصراعات الدموية، وقد تشهد موجة جديدة من الحروب الداخلية. تعيين وزير دفاع متطرف من الإيغور وترقيته إلى رتبة لواء، كما حدث مع بشار الأسد وأخيه ماهر بعد تعديل الدستور، لن يكون سوى إعادة تدوير للفوضى، وهو مؤشر على أن البلاد لن تعرف الاستقرار أبدًا.
   لإضفاء المصداقية على ما يتم، وخلق الثقة بين مكونات سوريا، ومن بينهم الكورد، يجب على الحكومة الانتقالية، ورئيس الجمهورية السورية المزمع تنصيبه السيد احمد الشرع، ووزير دفاعه، مطالبة تركيا بإيقاف تحريض مرتزقتها وأدواتها في مهاجمة الشعب السوري في شرق الفرات، وإيقاف الحملات المسعورة على الشعب الكوردي والإدارة الذاتية وقوات قسد.
ومنع تركيا أو على الأقل مطالبتها بأن لا تعيد إنتاج الإرهاب في سوريا، إذا كنتم فعلا تتبرؤون من الإرهاب، ولا تسمحوا لها باستغلال الدين والطائفية والصراعات الداخلية لإحكام قبضتها على سوريا، كما تفعل اليوم في عفرين وشرق الفرات، حيث تسعى لإذكاء العداء بين العرب والكورد، وتحويل البلاد إلى ساحة صراع دائم يخدم مصالحها.
 افعلوا ما ترونه مناسبًا، ولكن لا تصبحوا نسخة جديدة من الطغاة الذين سبقوكم، فلكل طاغية نهاية مأساوية. لا تسمحوا لتركيا بأن تعبث بمقدرات سوريا تحت أي مسمى، ولا تدعوها تزرع الكراهية وتقود البلاد إلى دمار دائم.
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
mamokurda@gmail.com
29/1/2025

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* قرأنا في تاريخ ثورات العالم أن الشعوب المظلومة قد تتعثر، لكنها لا تستسلم. لقد نهضت مراراً وتكراراً وانتفضت ضد الديكتاتورية والاستبداد؛ لأنها آمنت بهدفها. الحرية هي المثل الأعلى الذي تصمد الشعوب من أجله، وتكسر الطرق المسدودة بأمل الانتصار. والشعب الإيراني ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فهو شعب يؤمن بأن القيود ستتحطم يوماً ما وأن الحرية ستتحقق. ورغم…

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…