سوريا عبر التاريخ و تبدلات الأسماء والهوية الوطنية.. من المملكة إلى الدويلات و الجمهوريات

إبراهيم اليوسف
تُعد سوريا- بخريطتها الممتدة اليوم- واحدة من أقدم البلدان التي شهدت تعاقب الحضارات والإمبراطوريات، ما جعلها مسرحًا للتحولات التاريخية الكبرى التي انعكست على أسمائها وهويتها. ومع دخول القرن العشرين، بدأ فصل جديد في تاريخها السياسي والاجتماعي، حيث تغيّرت أسماؤها وحدودها مرات عدة لتعبّر عن طبيعة المرحلة والتوجهات السياسية السائدة. هذا المقال يستعرض تطور أسماء سوريا، تأثير الهيمنة القومية على مكوناتها المتعددة، وأهمية الاعتراف بالتعددية القومية في بناء مستقبل يليق بتاريخها الغني.
لقد شهدت سوريا تغيرات كبيرة في أسمائها مع التحولات السياسية والاجتماعية التي عصفت بها منذ القرن العشرين، ما يعكس تطور الهوية الوطنية للبلاد. إذ إنه بعد سقوط الدولة العثمانية، أُعلنت المملكة السورية العربية بقيادة الملك فيصل الأول في 8 مارس 1920، بعد حوالي سنتي مخاض بعد دخول قوات الملك فيصل الأول، و كانت المملكة تشمل أجزاءً واسعة من بلاد الشام، بما فيها سوريا الحالية ولبنان وفلسطين والأردن. غير أن هذه المملكة لم تستمر سوى أربعة أشهر، حيث انتهت بعد معركة ميسلون في يوليو 1920، حينما فرضت فرنسا انتدابها على سوريا وقد تمت إضافة وصف” العربية “لسوريا، لأول مرة، تحت تأثير صعود التيار القومي العربي و ما سميت بالثورة العربية الكبرى. إذ إنه في ظل الانتداب الفرنسي، وُضع دستور جديد عام 1930 وأُعلن عن “الجمهورية السورية”، وذلك بسبب وجود أكثر من قومية في البلاد. حدود هذه الجمهورية تطابقت مع الحدود الحالية تقريبًا، باستثناء” لواء إسكندرون” الذي ظل جزءًا من سوريا حتى عام 1939، حينما تنازلت فرنسا عنه لصالح تركيا، إلا أن سوريا هذه كانت مقسمة إلى دول خمس، أو دويلات خمس، هي دولة دمشق- دولة الدروز- دولة حلب- دولة العلويين- دولة الدروز.  ومع نيل سوريا استقلالها في 17 أبريل 1946، استمرت سوريا باسم “الجمهورية السورية”. لكن مع صعود القومية العربية وإقرار دستور جديد عام 1950، أضيفت كلمة ” العربية” إلى اسم الدولة لتصبح ” الجمهورية العربية السورية”. بعد الوحدة مع مصر بقيادة جمال عبد الناصر في 22 فبراير 1958، تغير اسم الدولة إلى “الجمهورية العربية المتحدة”، في تعبير عن رغبة في الوحدة العربية. استمرت هذه التسمية حتى انهيار الوحدة في 28 سبتمبر 1961. بعد الانفصال عن مصر، عادت سوريا لتسمية ” الجمهورية العربية السورية”، التي تعكس توجهًا قوميًا عربيًا واضحًا، على الرغم من تعددية مكوناتها القومية والثقافية.
خلال الحكم العثماني بين عامي 1516 و1918، كانت سوريا جزءًا من ولاية الشام الكبرى، التي شملت سوريا الحالية ولبنان وفلسطين والأردن. في هذه الفترة، كانت المناطق الكردية مثل: الجزيرة وعفرين وكوباني التي ضمت إلى سوريا، فيما بعد، تعتبر جزءًا من كردستان الكبرى، المرتبطة ثقافيًا وجغرافيًا بباقي المناطق الكردية فيما تسمى اليوم بتركيا والعراق وإيران. إذ إنه بعد اتفاقية سايكس بيكو عام 1916، قسمت هذه الاتفاقية مناطق النفوذ العثماني بين فرنسا وبريطانيا. أصبحت سوريا خاضعة للنفوذ الفرنسي، وجرى ترسيم حدودها بشكل يتجاهل الواقع التاريخي والإثني، ما أدى إلى ضم المناطق الكردية الشمالية الشرقية، مثل الجزيرة وكوباني وعفرين، إلى الدولة السورية الحديثة. خلال فترة الانتداب الفرنسي من عام 1920 إلى 1946، استمرت حدود سوريا الحالية تقريبًا، لكن فرنسا قامت بتقديم لواء إسكندرون لتركيا عام 1939. هذا التنازل قُوبل بمعارضة شديدة داخل سوريا، إذ كان اللواء جزءًا أساسيًا من الدولة السورية. مع الاستقلال في عام 1946، ثبتت الحدود الحديثة لسوريا، لكن البلاد استمرت بفقدان أراضٍ. في عام 1967، خسرت سوريا مرتفعات الجولان لصالح إسرائيل  التي احتلتها خلال حرب الأيام الستة، ما أضاف تعقيدًا إلى وضعها الجغرافي والسياسي.
رغم أن سوريا تُعرف بتنوعها الثقافي والقومي، إلا أن السياسات القومية التي تبنتها الحكومات المتعاقبة أسهمت في هيمنة هوية واحدة على حساب مكونات أخرى. يشكل الكرد القومية الثانية في سوريا من حيث العدد، إلا أن الكثير من سياسات الدولة سعت إلى صهرهم ثقافيًا ولغويًا. العديد من الكرد الذين كانوا يقطنون المناطق الشمالية مثل الجزيرة وكوباني وعفرين، تم تهجيرهم أو استقطابهم للعيش في المدن الكبرى بالإضافة إلى من هاجروا أو هجروا إلى خارج سوريا. هذه السياسات ساهمت في تقليص الوجود الكردي في مناطقه التقليدية وذوبانه داخل الأغلبية العربية. تشكلت ما يُعرف بالأغلبية العربية في سوريا نتيجة سياسات إقصاء وتذويب استهدفت مكونات أساسية مثل الكرد والآشوريين والسريان.هذه السياسات تضمنت تغيير الأسماء الجغرافية، ومنع التعليم باللغة الكردية، وتجاهل الموروث الثقافي غير العربي. أضف إلى كل ذلك ما تم من تذويب للكرد في محافظات مثل: دمشق- الساحل- حماة- حلب إلخ.
مع استقلال سوريا، أصبح الانتماء العربي جزءًا رئيسيًا من الهوية الرسمية. انضمامها إلى جامعة الدول العربية عام 1945 كان تعبيرًا عن هذا الانتماء. غير أن هذا التوجه لم يعكس التعددية الفعلية داخل البلاد، بل سعى إلى فرض هوية أحادية على مجتمع متنوع. الاعتراف بالتنوع القومي والثقافي في سوريا هو الخطوة الأولى نحو بناء دولة عادلة ومستقرة.  من هنا، فالكرد، كجزء أصيل من النسيج الوطني، يطالبون بالاعتراف بحقوقهم الثقافية والسياسية، بما يعكس التداخل الثقافي والتاريخي بين العرب والكرد، كشعبين جارين، بل شقيقين، عاشا معاً عبر التاريخ الطويل.
إن استخدام اسم جامع مثل “الجمهورية السورية” بدلاً من ” الجمهورية العربية السورية” قد يكون خطوة نحو الاعتراف بالتعددية القومية في البلاد. هذه الخطوة تتطلب إصلاح الدستور بما يضمن الاعتراف الرسمي باللغات والثقافات المختلفة في سوريا، بما في ذلك اللغة الكردية، وضمان تمثيل عادل لجميع المكونات في المؤسسات السياسية. إعادة النظر في الهوية الوطنية ضرورة لصياغة هوية وطنية شاملة تعترف بجميع القوميات والمكونات، وتضمن حقوقهم دون هيمنة أي هوية على الأخرى. الانضمام إلى جامعة الدول العربية يجب أن يقابله انفتاح على كيانات تعكس التعددية، مثل جامعة كردستانية عربية، ما يعزز التعاون الإقليمي ويضمن حقوق جميع السوريين.
أجل. لقد شهدت سوريا تحولات كبيرة في أسمائها وحدودها، عكست مراحل مختلفة من تاريخها السياسي والاجتماعي. غير أن السياسات القومية التي ركزت على هوية واحدة تجاهلت التعددية الغنية التي تميز البلاد. إن الاعتراف بجميع القوميات كجزء أصيل من النسيج الوطني ليس خيارًا، بل ضرورة لضمان استقرار سوريا وبناء مستقبل يتسع لجميع. السوريين

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest


0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

ألبيرتو نيغري النقل عن الفرنسية: إبراهيم محمود ” تاريخ نشر المقال يرجع إلى ست سنوات، لكن محتواه يظهِر إلى أي مدى يعاصرنا، ككرد، أي ما أشبه اليوم بالأمس، إذا كان المعنيون الكرد ” الكرد ” لديهم حس بالزمن، ووعي بمستجداته، ليحسنوا التحرك بين أمسهم وغدهم، والنظر في صورتهم في حاضرهم ” المترجم   يتغير العالم من وقت لآخر: في…

شادي حاجي مبارك نجاح كونفرانس وحدة الصف والموقف الكردي في روژآڤاي كردستان في قامشلو ٢٦ نيسان ٢٠٢٥ الذي جاء نتيجة اتفاقية بين المجلس الوطني الكردي السوري (ENKS) واتحاد الأحزاب الوطنية (PYNK) بقيادة حزب الاتحاد الديمقراطي بعد مفاوضات طويلة ومضنية على مدى سنوات بمبادرات وضغوط كردستانية واقليمية ودولية وشعبية كثيرة بتصديق وإقرار الحركة الكردية في سوريا بمعظم أحزابها ومنظماتها الثقافية…

د. محمود عباس   إلى كافة الإخوة والأخوات، من قادة الحراك الكوردي والكوردستاني، وأعضاء الكونفرانس الوطني الكوردي، والضيوف الكرام، وإلى كل من ساهم وشارك ودعم في إنجاح هذا الحدث الكوردستاني الكبير. أتوجه إليكم جميعًا بأسمى آيات الشكر والتقدير، معبّرًا عن فخري واعتزازي بما حققتموه عبر انعقاد الكونفرانس الوطني الكوردي في مدينة قامشلو بتاريخ 26 نيسان 2025. لقد كان هذا الكونفرانس…

أثمرت إرادة الشعب الكردي في سوريا، الذي لطالما تطلّع إلى وحدة الصف والموقف الكردي، عن عقد الكونفرانس الذي أقرّ وثيقة الرؤية الكردية المشتركة لحل القضية الكردية في سوريا، بإجماع الأحزاب الكردية، ومنظمات المجتمع المدني، والفعاليات المجتمعية المستقلة من مختلف المناطق الكردية وعموم سوريا. ويجدر بالذكر أن هذا الإنجاز تحقق بمبادرة من فخامة الرئيس مسعود بارزاني، وبالتعاون مع الأخ الجنرال مظلوم…