سوء استخدام ثنائية الأقلية والأكثرية: نقد قانوني وإنساني في الحالة الكردية

إبراهيم اليوسف
لطالما شكّلت ثنائية: الأقلية والأكثرية أحد المفاهيم المحورية في الفقه السياسي والقانون الدولي، لكنّ هذه الثنائية قد تتحول إلى أداة للظلم والإقصاء إذا أسيء استخدامها. إد إنه في بعض الحالات، تصبح الأكثرية العددية وسيلة للهيمنة على قوميات أو جماعات تعيش فوق ترابها التاريخي. وتعد الحالة الكردية في إيران، تركيا، سوريا، والعراق نموذجًا حيًا لإبراز الإشكاليات العميقة لهذا المفهوم.
الأقليات القومية قبل رسم الخرائط
ومن المعروف أنه عندما تكون الأقلية عبارة عن  قومية تعيش على أرضها التاريخية، فإن توصيفها كأقلية يصبح اختزالياً. ففي مرحلة ما قبل تأسيس الخرائط الحديثة، كانت هذه الجماعات قوميات مستقلة ذات تاريخ وجغرافيا وهوية خاصة.  حيث إن الكرد، على سبيل المثال، هم شعب قديم يعيش فوق أرضه منذ آلاف السنين، لكن رسم الخرائط وفق مصالح الدول الكبرى، كما حدث بعد اتفاقية سايكس بيكو 1916، حولهم من قومية تاريخية إلى أقلية ضمن حدود دول حديثة.
 
الأكثرية التي تحوّلت إلى أقلية
من هنا، فإنه قد تصبح الأقلية، التي يُفترض أنها منتمية لوطنها الأم، أكثرية في جوهرها إذا ما نظرنا إلى هويتها القومية وشمولها للأرض التي تسكنها. لكن التجزئة السياسية وتقسيم الوطن، كما حدث مع كردستان، أدّت إلى تجزئة هذا الشعب وتحويله إلى أقليات في أربع دول رئيسية. إذ إنه  في سوريا، على سبيل المثال، يشكل الكرد شريحة كبيرة في جغرافيتهم، لكن سياسات الإقصاء والتهميش جعلتهم يُعاملون كأقلية بلا حقوق قومية. وفي العراق، وعلى الرغم من التغيرات السياسية بعد عام 2003، لا تزال حقوق الكرد عرضة للتهديد بسبب الصراعات مع المركز في بغداد.
 
صناديق الاقتراع ليست الحل
إن الدعوة إلى جعل صناديق الاقتراع معياراً لمنح الحقوق القومية تبدو مغالطة في حالة الكرد. فالمعارضة السورية، على سبيل المثال، طرحت هذا المبدأ قبل سقوط نظام الأسد، متجاهلة أن النظام نفسه أسس لسياسات محو الهوية الكردية منذ عقود. ولا يمكن لمبدأ الأغلبية العددية أن يكون حلاً عادلاً عندما تكون هناك سياسات منظمة لتذويب هوية قومية وإلغاء وجودها.
ومن أبرز الأمثلة على السياسات الممنهجة لتغيير التركيبة الديمغرافية ما حدث في سوريا مع مشروع الحزام العربي في الستينيات. عندما قامت السلطات السورية بتهجير آلاف العائلات الكردية من أراضيها في مناطق الجزيرة، واستبدلتهم بعائلات عربية بهدف إحداث تغيير ديمغرافي يخدم السلطة المركزية. بالإضافة إلى ذلك، فقد نفذت الدولة الإحصاء الجائر لعام 1962، والذي جرد مئات الآلاف من الكرد من جنسيتهم السورية، محرماً إياهم من الحقوق الأساسية كالتعليم والعمل.
القانون الدولي والحالة الكردية
إذا كان مفهوم الأقلية صالحاً في بعض الحالات وفق القانون الدولي، فإنه يصبح محل نقد في الحالة الكردية. الكرد ليسوا مجرد أقلية تقطن مناطق متفرقة داخل دول متعددة؛ بل هم شعب له تاريخه وجغرافيته وثقافته التي تعرضت للتهميش والطمس عبر سياسات منهجية. إن القانون الدولي نفسه يعترف بمبادئ تحظر التهجير القسري، التغيير الديمغرافي، ومحو الهوية الثقافية. ومع ذلك، فإن هذه المبادئ لم تُفعّل لحماية الكرد، رغم أن الانتهاكات بحقهم موثقة دولياً. فعلى سبيل المثال، وثقت المنظمات الدولية عمليات التهجير القسري في عفرين بعد سيطرة الفصائل المدعومة من تركيا عليها عام 2018، حيث تم تهجير السكان الكرد وإسكان عائلات من مناطق أخرى مكانهم.
في سياسات المحو القومي
تشمل سياسات محو القومية الكردية في الدول الأربع: التهجير القسري: كما في الحزام العربي وعفرين،و طمس اللغة والثقافة حيث مُنع التعليم باللغة الكردية وتجريم استخدامها في الحياة العامة، بالإضافة إلى  حالةعدم الاعتراف القانوني بالكرد، وتهميشهم الكرد دستورياً، كما في الدستور التركي الذي لا يعترف بهم كقومية مستقلة. ناهيك عن سياسات  التغيير الديمغرافي من خلال توطين جماعات أخرى في المناطق الكردية بهدف إضعاف وجودهم التاريخي.
 
عود على بدء: في التضليل المصطلحي
أجل، ظهرت مصطلحات كثيرة مثل “المواطنة”، و”الأقلية”، و”الأكثرية”، واستخدمت في سياقات عديدة لا تخلو من التضليل والتشويش، بغرض شرعنة الظلم أو تغطية الحقائق. هذه المصطلحات، التي قد تكون ذات دلالات إيجابية أو محايدة في فضاءات أخرى، جرى توظيفها بعيداً عن معانيها الحقيقية فيما يتعلق بالحالة الكردية، لا سيما في سوريا. فالكرد، الذين يعيشون فوق أراضيهم التاريخية، أُجبروا على أن يُنظر إليهم كأقلية ضمن منظومات سياسية وجغرافية قامت على رسم الخرائط بمعزل عن الحقائق الديمغرافية والحقوق القومية. وبالتالي، فإن استخدام هذه المصطلحات يصبح في هذا الإطار أداة لطمس الهوية الكردية، وشرعنة السياسات الإقصائية التي تستهدفهم، لأن مصطلح الأقلية، رغم صلاحيته في سياقات معينة، لكنه لا يعبر عن الواقع الكردي الذي يعاني من تهميش قومي وديمغرافي موثق وممنهج. إذ تحتاج الحالة الكردية إلى معالجة خاصة تأخذ في الاعتبار حقوق الشعوب في تقرير مصيرها والعيش بكرامة فوق أرضها التاريخية.

شارك المقال :

3 1 vote
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. عدنان بوزان لا ينبغي اختزال مستقبل الكورد السوريين في السؤال المتعلق ببقاء قوة عسكرية أو اندماجها في مؤسسات الدولة. فالقضية الكوردية في سوريا أقدم من جميع التشكيلات العسكرية القائمة، وأعمق منها، لأنها في جوهرها قضية سياسية ودستورية تتعلق بالهوية والحقوق والمواطنة والشراكة في الدولة. ومن هذا المنطلق، فإن وجود الكورد السوريين داخل السلطة المركزية ومؤسسات الدولة، بوصفهم شركاء…

صلاح عمر سربست نبي ليس مجرد أستاذ جامعي أو كاتب كردي يختلف الناس حوله؛ إنه واحد من أولئك المثقفين الذين اختاروا أن يجعلوا من الكلمة مسؤولية، ومن الفكر موقفًا، ومن السؤال طريقًا إلى الحقيقة. ولهذا فإن ما يتعرض له اليوم من حملات إعلامية وتشويه لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مجرد خلاف شخصي أو سجال عابر، لأن القضية في جوهرها أكبر…

نظام مير محمدي كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني   يبذل النظام الإيراني جهوداً متواصلة للحفاظ على شبكة وكلائه وحلفائه المسلحين في المنطقة، في وقت تبدو فيه البيئة الإقليمية والدولية أكثر تشدداً تجاه الدور الذي لعبته هذه الجماعات في زعزعة الاستقرار. فالإستراتيجية التي حكمت علاقة طهران بوكلائها خلال العقود الماضية لم تعد قابلة للاستمرار بالشكل نفسه، خصوصاً بعد…

نورالدين عمر تتجلى قيمة القيادة الحقيقية في القدرة على بناء التوافقات في اللحظات التاريخية الحرجة. وفي هذا السياق، يظل الجنرال مظلوم عبدي الشخصية الأكثر قبولاً واحتراماً بين الكرد في سوريا وروجافا، حتى لدى أشد المعارضين والمنتقدين لنهجه السياسي؛ إذ يعكس هذا القبول الضمني إدراكاً عاماً بفرادة دوره كرمز جامع يتجاوز الخلافات الحزبية والأيديولوجية الضيقة. وعلى عكس ما يروجه البعض،…