خالد بهلوي
لم يعد سرًّا أن البلاد تمر بحالة انهيار اقتصادي شملت جميع القطاعات والمؤسسات، والدليل على ذلك المعاناة اليومية للمواطنين من الفقر والجوع والعجز عن تأمين أبسط مستلزمات الحياة اليومية، نتيجة توقّف الرواتب وتسريح الآلاف من الموظفين من أعمالهم. تزامن ذلك مع ارتفاع الأسعار والغلاء الفاحش الذي يزداد يومًا بعد يوم دون أي حلول تلوح في الأفق. العديد من العائلات التي كانت تعيش حياة متوسطة الحال اضطرت حاليًا إلى اللجوء إلى مصادر بديلة للعيش، كالتسوّل أو البحث في مكبات القمامة لتحصيل قوت يومها.
أصبح الحصول على الطاقة، سواء من كهرباء أو غاز أو مازوت، بالإضافة إلى مصادر مياه صالحة للشرب، معاناة يومية للمواطن. هذه المسؤولية تقع على عاتق المسؤولين، فهم قادرون على تجاوز العديد من هذه الصعوبات، وعليهم أن يشعروا بهموم الناس عمليًّا، وليس فقط من خلال وعود كبيرة غير قابلة للتطبيق أو التظاهر بأن البلاد تحتاج إلى وقت طويل لتتعافى.
ورغم ضخامة التحديات، يتطلع المواطن إلى إحداث تغيير في السلوك والمفاهيم، والاعتراف بحقوق الشعب المشروعة كأساس لأي حل عادل وشامل يمكن الوصول إليه. هذا التغيير يمكن أن يُحدث نقلة نوعية نحو تحقيق حياة أفضل، وتوفير الأمن والاستقرار لجميع فئات المجتمع، بما يضمن للأجيال الحالية والقادمة العيش الكريم.
ساهمت الأحداث في تدمير البنية التحتية الزراعية والصناعية، مما أدى إلى تراجع الإنتاج الغذائي وفقدان فرص العمل. كما تسببت النزاعات المسلحة في نزوح ملايين السوريين، مما جعلهم يفقدون مصادر رزقهم ويعتمدون على المساعدات الإنسانية.
إضافة إلى ذلك، أدت العقوبات الاقتصادية والقيود المالية وأزمة الوقود والطاقة إلى منع استيراد المعدات اللازمة للصيانة وإعادة تشغيل القطاعات الإنتاجية، لا سيما في مجال الكهرباء، مما زاد من ارتفاع أسعار المواد الغذائية واستفحال الغلاء والفقر.
ومع استمرار التدهور الاقتصادي وارتفاع الأسعار، يزداد عدد المواطنين غير القادرين على تأمين احتياجاتهم الأساسية. وكلما ارتفعت معدلات الفقر والجوع، زادت احتمالية خروج الناس إلى الشوارع احتجاجًا على الأوضاع المعيشية المتدهورة.
للأسف، أصبح مشهد المواطنين الذين يعلنون صراحةً “نحن جوعى” أمرًا متكررًا عبر وسائل الإعلام، بل إن بعض العائلات اضطرت إلى إيقاف صيام أطفالها لعدم توفر الطعام لتقديمه على وجبة الإفطار.
لا بد من إيجاد حلول عاجلة لمعاناة المواطنين، فالمستقبل غامض، والأمراض النفسية في تزايد، والتهجير القسري أصبح واقعًا مريرًا. ومن الأهمية، كإجراء إسعافي، تقديم الوقود لأصحاب المشاريع الزراعية المروية لضمان إنتاجية جيدة، خاصة بعد سنوات الجفاف واستحالة الاعتماد على الزراعات البعلية. ومن الحكمة توفير فرص عمل مناسبة لتمكين المواطنين من تأمين احتياجاتهم الأساسية، ومنحهم الرواتب المستحقة، وخاصة للمتقاعدين، وإعادة الموظفين الذين لم تتلطخ أيديهم بدماء الشعب إلى وظائفهم.
إن الفقر والجوع يؤديان إلى تفشي الأمراض الناجمة عن سوء التغذية، خاصة بين الأطفال، وزيادة معدلات الوفاة بين الأطفال دون سن الخامسة. كما أن الجوع يؤدي إلى ضعف المناعة وزيادة خطر الإصابة بالأمراض، خصوصًا بين المرضى الفقراء الذين لا يستطيعون تأمين غذاء صحي أو الحصول على العلاج الطبي اللازم.
الجوع في سوريا ليس مجرد أزمة غذائية، بل هو مأساة إنسانية تهدد مستقبل أجيال بأكملها. لا يمكن لأي قيادة أن تتجاهل معاناة السوريين، ويجب اتخاذ إجراءات عاجلة لإنقاذ الملايين من براثن الجوع والفقر، قبل أن تتحول الأزمة إلى كارثة إنسانية لا يمكن تداركها.
حان الوقت لأن تتحمل القيادات مسؤولياتها، وأن تمنح دورًا لجميع أفراد المجتمع وفق كفاءاتهم، ليكونوا قادرين على اجتياز هذه المرحلة الصعبة وبناء مستقبل أفضل. هذا الهدف يجب أن يكون مشتركًا بين جميع الوطنيين الأحرار المخلصين لهذا الوطن، التواقين إلى الحرية والعيش في جو ديمقراطي، واستعادة كرامتهم وإنسانيتهم.