إعادة الثقة بين جميع مكونات الشعب السوري ضرورة لبناء سوريا الجديدة

خالد بهلوي
تُعدّ العلاقة بين الكُرد والعرب جزءًا لا يتجزأ من النسيج التاريخي والاجتماعي لمنطقة الشرق الأوسط. ورغم ما تعرضت له هذه العلاقة من تحديات خلال العقود الماضية، شهدت سوريا عبر تاريخها الطويل تنوعًا غنيًا في مكوناتها القومية والثقافية والدينية. تعد العلاقة بين العرب والكُرد أحد أبرز عناصر هذا التنوع.
تاريخيًا، عاش الكُرد والعرب في سوريا كجزء من مجتمع متنوع يتشارك في الثقافة والمصير. إلا أن السياسات القمعية للنظام السوري عمّقت الشقاق بين المكونات السورية. فقد اتسمت العقود الأخيرة بتهميش الكُرد سياسيًا واقتصاديًا، ومورست ضدهم سياسات تعسفية مثل التجريد من الجنسية، والحرمان من الحقوق الثقافية والاجتماعية، والاستيلاء على أراضيهم، وحرمانهم من مصدر رزقهم، وتعريب الأسماء الكُردية.
على الجانب الآخر، عانى أغلبية الشعب السوري من استبداد النظام، حيث لم تميّز آلة القمع بين مكونات الشعب المختلفة، بل سعت إلى إسكات كل صوت يدعو إلى الحرية والكرامة. هذا القمع المشترك خلق معاناة جماعية يمكن أن تكون نقطة انطلاق لبناء سوريا جديدة ومستقبل مشرق للأجيال القادمة.
سوريا ما بعد الأسد يجب أن تقوم على مبادئ المواطنة، حيث تُحترم حقوق جميع مكوناتها العرقية والدينية. يتطلب ذلك دستورًا جديدًا يضمن المساواة بين جميع السوريين. ويقترح البعض اللامركزية كحل سياسي لتحقيق التوازن بين المركز والمناطق المختلفة، مما يتيح للكُرد والعرب وجميع المكونات على حد سواء إدارة شؤونهم المحلية مع الحفاظ على وحدة البلاد. مثلما هو الحال في العديد من الدول الأوروبية التي تطبق النظام الفيدرالي اللامركزي؛ على سبيل المثال، في ألمانيا، تتمتع كل مقاطعة بصلاحيات واسعة ضمن إطار حكومة مركزية تدير شؤون البلاد ككل.
لإنجاح عملية بناء الأخوة الكردية-العربية، من الحكمة أن يلعب المجتمع المدني والإعلام الحر والمستقل دورًا محوريًا  في تعزيز الحوار ونشر ثقافة التعايش. كذلك، فإن القوى الوطنية السورية، من أحزاب سياسية وحركات شبابية ونسائية، مطالَبة بالعمل المشترك لبناء سوريا الجديدة على أساس الوحدة في التنوع.
لطالما عاش العرب والكُرد جنبًا إلى جنب في سوريا، مشكّلين جزءًا لا يتجزأ من نسيج المجتمع السوري. ورغم الاختلافات الثقافية واللغوية، ظل الشعبان يتشاركان القيم والتقاليد، ويجمعهما تاريخ طويل من التعايش والتعاون بين جميع مكونات الشعب السوري.
ومع ذلك، تعرضت العلاقات بين الطرفين إلى محاولات ممنهجة لزرع الفتنة من قبل أنظمة الاستبداد التي حكمت البلاد لعقود، حيث اتبعت سياسة التفرقة لتحقيق السيطرة على مقدرات وخيرات البلاد.
يمثل سقوط نظام الأسد لحظة تاريخية لإعادة صياغة العلاقات بين جميع مكونات الشعب السوري، وبشكل خاص العلاقات الكردية-العربية، على أسس جديدة في سوريا قائمة على مبدأ المواطنة المتساوية، حيث يتم ضمان حقوق جميع المكونات دون تمييز.
يتطلب ذلك:
  1. تشكيل حكومة وحدة وطنية تمثل جميع الأطراف والمكونات دون استثناء.
  2. بذل جهود واسعة للمصالحة الوطنية لمعالجة الجراح التي خلفها الصراع، وإنهاء إرث الشك والانقسامات.
  3. فتح المجال أمام تبادل المنتجات بين المحافظات حسب إنتاج وحاجة كل محافظة.
  4. دعم التنوع الثقافي واللغوي من خلال سياسات تعليمية وإعلامية تعكس الهوية المتعددة للنسيج السوري المتنوع.
إن الأخوة الكردية-العربية ضرورة وطنية تضمن استقرار سوريا ووحدتها. بناءً على التاريخ المشترك والروابط الثقافية والاجتماعية، يمكن تحقيق دولة حديثة تحتضن جميع أبنائها. يتحقق ذلك بإرادة سياسية حقيقية من جميع الأطراف، وشراكة قائمة على الحوار والاحترام المتبادل.
في النهاية، يمثل سقوط نظام بشار الأسد فرصة لإعادة بناء سوريا على أسس جديدة قائمة على العدالة والمساواة والتعايش المشترك والاحترام المتبادل، وفتح صفحة جديدة من الأخوة بين جميع القوميات والأقليات والطوائف والأديان والمذاهب. بذلك يمكن تحقيق حلم الشعب السوري في حياة حرة كريمة ومستقبل يليق بتضحيات ودماء السوريين.
إن حلم كل سوري هو أن تصبح سوريا أبيّة، مزدهرة، وآمنة لجميع أبنائها بمختلف طوائفهم ومذاهبهم وقومياتهم، متساوين في الحقوق والواجبات.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

زار وفد من المنظمة الآثورية الديمقراطية ضم السيد كبرئيل موشي مسؤول المنظمة والسيد بشير سعدي نائب المسؤول، والسيد ريمون يوخنا عضو الأمانة العامة، مكتب المجلس الوطني الكردي في دمشق، في إطار تعزيز العلاقات الثنائية والتنسيق المشترك. وكان في استقبال الوفد الأستاذ نعمت داوود، عضو هيئة رئاسة المجلس، والأستاذ لقمان أوسو، رئيس محلية دمشق، حيث بحث الجانبان لقاء رئاسة المجلس مع…

شارك وفدٌ من ممثلية أوروباللمجلس الوطني الكردي في سوريا في إحياء الذكرى الرابعة عشرة لاستشهاد المناضل نصرالدين برهك عضو المكتب السياسي في الحزب الديمقراطي الكردستاني-سوريا وضمّ الوفد كلاً من السيد عبد الكريم حاجي رئيس ممثلية أوروبا للمجلس الوطني الكردي في سوريا، إلى جانب وفدٍ من مكتب العلاقات شمل كلاً من كاميران خلف برو مسؤول مكتب العلاقات، وجنكيدار محمد، وباران درباس….

عبدو خليل Abdo Khalil أواخر صيف عام 2012 كنت قد لجأت للقرية هربا من مخاطر الاعتقال.. كانت المنطقة سلمت بالكامل من قبل النظام السوري للعمال الكردستاني ولم يتبقى سوى بعض عناصر الأمن المكلفين بالمراقبة عن بعد.. جاء يوم َرفع فيه فتية وفتيات قريتنا نازواوشاغي علم الثورة فوق مسجد القرية.. سرعان ما أصاب الذعر زعران قنديل.. نزلوا العلم وتوعدوا أهل القرية…..

صلاح بدرالدين إشكالية الداخل والخارج : بين حين وآخر نسمع أصواتا – فيسبوكية – تدعو الى اسكات كرد الخارج ، ومنح احقية الكلام حول الشعب ، والوطن ، والقضية لمن هم بالداخل فقط ، وكما أرى : ١ – بسبب تعرض الكرد السوريين للاضطهاد القومي منذ الاستقلال وحتى يوم سقوط نظام الاستبداد في الثامن من ديسمبر \ ٢٠٢٤ ، وملاحقة…