هل اتعظ السوريون ؟

الدكتور عبد الحكيم بشار

إن الأنظمة الاستبدادية في المنطقة عامة والعربية منها خاصة كان أحد أهم أسباب ديمومتها وتسلطها على رقاب شعوبها واستنزاف وهدر كل خيرات بلدانها ، ونهب ممتلكات شعوبها .

كانت تلك الشعارات الرنانة التي نجحت في تسويقها في معظم الدول العربية (شعار العروبة – الوحدة العربية – المقاومة – الدفاع عن القضية الفلسطينية …إلخ) وقد تلقفت تلك الشعوب وجماهيرها ومثقفوها وسياسيوها تلك الشعارات لتتحول جميعها إلى فرقة موسيقية تردد نفس الشعارات دون أن يعمل أحد لأجلها ، وبات الكل يكذب على الكل ، والكل يكذب على نفسه ، ولكن هذا لا ينفي وجود قطاعات من الشعوب العربية كانت مؤمنة بتلك الشعارات .
وقد سعت المعارضة وبدلاً من البحث عن الذات الوطنية ومراجعتها بكل جرأة وموضوعية ، وتحديد مصالح الشعب والوطن بشكل دقيق والانطلاق منه ، نقول بدلاً من ذلك سعت إلى تقليد السلطات والمزاودة عليها والعمل على اقتطاع جزء من الشرائح التابعة للسلطة والانطلاق منها وفي الحالة السورية أكدت الأحداث أن السلطات المتعاقبة التي رفعت شعار (وحدة – حرية – اشتراكية) لم تعمل على تحقيق أي منها بل العكس عملت بالضد والنقيض منها دائماً .
وكذلك شعار الثورة والممانعة وغيرها من الشعارات التي من خلالها سيطرت على البلاد وعلى الشعب والاقتصاد والإدارة سيطرة تامة ، وأخفقت في تحقيق أية أهداف سياسية لصالح الشعب والوطن وأيضاً في تحقيق أية تنمية اقتصادية لابل على العكس كانت سبباً في لجم النهوض الاقتصادي خاصة في شقه الخاص وسبباً في انتشار الفساد والإفساد في كل مفاصل الدولة ، وسبباً في أزمة اقتصادية خانقة عاشتها وتعيشها البلاد ، حتى إن أكثر من نصف سكان سوريا باتوا يعيشون تحت خط الفقر ويعانون من انعدام الحريات العامة وحرية الرأي والتعبير والمشاركة في رسم سياسات بلدانهم ، كل ذلك تم تحت اسم (الوحدة – العروبة – الممانعة) .
وبعد انطلاق الربيع العربي واستمرارالاحتقان الشعبي ، وتصاعده في سوريا ، انطلقت الثورة المباركة في 15/3/2011 لرفض جميع سياسات النظام في بداية الانتفاضة إلى  رفض النظام بكل بنيانه في الوقت الراهن ، وقد دفع الشعب السوري بمختلف مكوناته أكثر مما يزيد عن /2200/ شهيد حتى الآن ولاتزال الدول العربية في حالة صمت مطبق تجاه الأوضاع في سوريا لابل تدعم النظام بشتى السبل والوسائل خاصة الاقتصادية والتي تشكل العامل الحاسم في بقاء النظام وقوته واستمراريته ليستمر نزيف الدم السوري ويراق على مذبح الحرية ليجد نفسه وحيداً في معركة غير متكافئة أحد أطرافها عموم الشعب السوري بعربه وكرده وأقلياته الأخرى بسواعد شبابه وصدورهم العارية ، والنظام بجيشه وشبيحته ومخابراته وقوته الاقتصادية والتي هي اقتصاد الدولة مع المعونات من الدول العربية وإيران لوأد ثورة الشعب السوري ، ولو كان الأمر مقتصراً على صمت الحكومات العربية ودعمها للنظام السوري لقلنا إن الحكومات زائلة ولا تعبر عن وجهة نظر شعوبها والشعوب العربية ، ولكن أين دعم الشعوب العربية للشعب السوري ؟ أين دعم الجامعة العربية ؟ أين دعم منظمات حقوق الإنسان والمجتمع المدني ؟ أين دعم النقابات المهنية ؟ الكل بات متفرجاً على الدم السوري وهو يراق يومياً ويسفك في معركة الكرامة والحرية .
إن الأحداث أثبتت بشكل لا لبس فيه أن السوريين من هم الذين يقررون مصيرهم وأن لا عون لهم في أي مكان خارج سوريا ، إنهم العرب والكرد والآشوريون ، هم السوريون الحقيقيون هم الأشقاء الحقيقيون ، فليتعظ السوريون ، ولتكم سوريا للسوريين لا عربية ولا كردية ولا آشورية ، إنها سوريا بلد الكل ومستقلة عن أية ارتباطات أثبتت الأحداث أنها ليس لم تساعد الشعب السوري فقط بل أنها وقفت بالضد من ثورته .
نعم فلتكن سوريا لنا نحن السوريين كرداً وعرباً … إلخ ، سوريا مستقلة ، جمهورية  سوريا المستقلة دون ارتباط لا بالجامعة العربية ولا بوطن (الوطن العربي) لا تدعم شعوبه الثورة السورية بل بسترخصون دم الشعب السوري ، أم لا يزال هناك نفر يعيش في الوهم ويدور في فلك النظام أو على الأقل يتبنى شعاراته وسياساته وثقافته لتؤدي بالشعب السوري إلى متاهات لا ناقة للشعب السوري فيها ولا جمل .
أعتقد جازماً أن الشعب السوري قد استفاق من سبات عميق ومن تخدير طالما تعرض له ليقول بصوت عال : نحن سوريون وكفى .

6/8/2011

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

خالد حسو   عندما تختار الشعوب أسماء قادتها ورموزها التاريخية لتطلقها على مؤسساتها ومشاريعها، فهي لا تختار مجرد أسماء، بل تختار المعاني والرسائل التي تريد أن تبقى في الذاكرة. فالأسماء الكبرى تحمل معها تاريخًا وتجارب ومواقف، ولهذا فإن طريقة تخليدها تصبح بحد ذاتها موضوعًا للنقاش. وفي المجتمعات المتنوعة دينيًا وثقافيًا، تزداد أهمية هذا النقاش، لأن الرمز الوطني الجامع يجب أن…

ابراهيم برو ان تصل متاخرا خير من ان لا تصل يمثل بيان الامانة العامة للمجلس الوطني الكردي في سوريا الصادر بتاريخ 29 حزيران اعترافا سياسيا واضحا بحقائق سبق أن حذر منها عدد من قيادات وكوادر المجلس منذ سنوات بشأن طبيعة العلاقة مع حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وسياسات الاستفراد وتعطيل الشراكة والالتفاف على التفاهمات. يومها تعرضنا للتشكيك…

عدنان بدرالدين في الحلقة السابقة، كان الحديث عن كردستان الغربية بعد الوهم: كيف تحولت قوة عسكرية كردية واسعة إلى شريك وظيفي في حرب دولية ضد داعش، من دون أن تتحول إلى ضمانة سياسية مستقرة للقضية الكردية في سوريا. كانت تلك الحلقة محاولة لفهم اللحظة التي انكشف فيها الفرق بين القوة والشرعية، وبين السيطرة والتمثيل، وبين التحالف العسكري والاعتراف السياسي. تأتي…

تابعت الأمانة العامة للمجلس الوطني الكردي في سوريا ما تداولته بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي بشأن الاجتماع الذي عُقد في مقر حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) بمدينة قامشلو بتاريخ 28 حزيران. وقد أدلت السيدة بروين يوسف، الرئيسة المشتركة لحزب الاتحاد الديمقراطي، بجملة من التصريحات التي اتسمت بالتناقض، حيث أشارت إلى أن مهمة الوفد الكردي المشترك هي التفاوض مع سلطات دمشق…