ستة وأربعون عاما على كونفرانس آب

صلاح بدرالدين

شكل الاجتماع الموسع لممثلي قواعد – الحزب الديموقراطي الكردي في سوريا –وكنت بكل اعتزاز واحدا من نشطائه المنظمين الذي التأم وعرف بكونفرانس الخامس من آب قبل نحو ستة وأربعين عاما محطة بارزة في تاريخ الحركة الكردية السورية أفرزت وللمرة الأولى جناحا يساريا قوميا مستقلا يحمل برنامجا مرحليا واضح المعالم والأهداف يقود النضال ضد الاستبداد معبرا عن مصالح ومطامح الغالبية الساحقة من المجتمع الكردي ومنسجما مع الخط العام للحركة الوطنية السورية الهادفة الى تحقيق الديموقراطية والتقدم
وبعبارة موجزة جاء الكونفرانس بعد قرابة عقد من تأسيس أول حزب سياسي كردي استجابة لأرادة شعبية واسعة لانقاذه من الضياع بعد أن أراد الجناح اليميني استثمار اللحظة حينها بعد اعتقال غالبية القيادة ضمن حملات الاعتقالات في عهود الحكم الناصري والانفصالي والبعثي في بداية ستينات القرن الماضي تلك الرموز التاريخية المتمسكة بمبادىء الحزب والمدافعة بشجاعة عن أهدافه ومطالبه على الصعيدين القومي والوطني بغية تصفية تنظيماته الفلاحية والمدينية والطلابية وتحويله من حزب ثوري مناضل الى شبه جمعية تسير في ركاب السلطة وتستجدي منها بعض الحقوق الثقافية وقد تمحورت أعمال كونفرانس آب على جملة قضايا من بينها وكما ذكرنا انقاذ الحزب كأداة سياسية رئيسية منظمة للنضال الكردي ورديف للحركة الديموقراطية في البلاد وتحصينه ببرنامج جديد يتضمن أساسا التأكيد على : 1 – الهوية القومية الكردية والحقوق المشروعة لشعب يستحق أن يقرر مصيره الاداري والسياسي ضمن سوريا ديموقراطية موحدة .

2 – الحركة القومية الكردية بوجهها الديموقراطي اليساري جزء لايتجزأ من الحركة الديموقراطية السورية وقوة فاعلة في حركة المعارضة الوطنية العاملة من أجل ايجاد البديل للتسلط والاستبداد .

3 – تصويب موقع الحركة الكردية حسب معادلة التوازن بين عمقيها القومي والوطني .

4 – البحث عن سبل تجديد الحزب برنامجا ونظاما ووسائل وأدوات وخطابا .
  بمرور مايقارب الخمسة عقود على أول محاولة نوعية فكرية وسياسية وثقافية جادة في تاريخ حركتنا وما تخلل هذه السنوات من التصدي المتواصل لليسار القومي لسياسات النظام ومخططاته العنصرية لتغيير التركيب الديموغرافي في المناطق الكردية وماشهدت من صراعات كردية – كردية وانشقاقات داخل التنظيمات وتفتيت منظم مدروس لها ومواجهات مع السلطة التي تورطت في سفك الدماء الكردية وتشديد اجراءات الاضطهاد القومي الى جانب ممارسة القمع ضد غالبية الوطنيين السوريين نقول بعد كل ذلك وفي عملية مقارنة بسيطة وجردة سريعة للأحداث : ما أشبه اليوم بالبارحة فمازالت قضايا الخلاف الجوهرية في الحركة الكردية ترتكز على نفس صورتها السابقة ولو بألوان متعددة ولم يحصد اليمين الكردي بعد كل تلك المراهنة الطويلة على صدقات نظام الاستبداد سوى المذلة والهوان والخسران ولم ينل منظرو – اليسار – التقليدي بأسمائهم الشيوعية والحزبية في اضفاء الصفة الوطنية والتقدمية على نظام البعث ومحاولات تزيين – الحركة التصحيحية – بعناوين ومدائح هي براء منها سوى تسمية شاهد الزور والتحريف الآيديولوجي اضافة الى شقق سكنية وسيارات كمكرمة من الحزب الذي يقودهم والدولة والمجتمع .

  الشباب الكرد المنتفضون الآن في مناطقنا ومدننا وبلداتنا تحت شعار التغيير السلمي واسقاط نظام الاستبداد وصولا الى دولة سورية تعددية حرة ديموقراطية ينعم في ظلها الكرد بالحقوق المشروعة حسب ارادتهم الحرة هم استمرارية لنضال الأسلاف بدءا من التأسيس ومرورا بنهج مدرسة آب المجددة ودروس هبة آذار الدفاعية المجيدة وانتهاء بالانتفاضة السلمية يحملون في قلوبهم وعقولهم كل تاريخنا الناصع ويستمدون في كفاحهم البطولي بعضا من تراكمات السنين كمنطلق نحو التغيير والحياة الأفضل وقد تجد من بين قادة الشباب المنتفضين الميدانيين أبناء وأحفاد رواد التغيير الأوائل وهو تواصل رائع بين السلف والخلف في حمل راية النضال أوليس من حقنا نحن الأحياء من مشاركي تدشين مدرسة آب اليسارية القومية التجديدية أن نفخر بكل عزة واباء أمام هؤلاء الشباب الشجعان وهذه الملحمة الانتفاضية المعبرة عن فكرنا ونهجنا وعن ماكنا نتمناه في مشاعرنا ونصبو اليه في مواقفنا وشعاراتنا منذ نحو نصف قرن نعم من حقنا ذلك وأكثر ومن واجبنا أيضا الترحم على شهدائنا على هذا الطريق : محمد حسن وخضر شانباز وسليمان ادي وشهداء هبة آذار ونوروز والشيخ الخزنوي واستذكار كل الرواد الأوائل : عثمان صبري والدكتور زازا ومحمد ملا أحمد ومحمد نيو ورشيد حمو وجكرخوين وغيرهم لايتسع المجال لذكرهم جميعا .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

خالد حسو* حقيقةٌ كنت أشعر بها منذ الأزل، لكنني مع مرور الزمن وتراكم التجارب، ازددتُ يقينًا بها: إنّ الشخص الذي يقف على الحياد دائمًا، بينما تكون الحقيقة واضحة والظلم قائمًا، قد لا يكون محايدًا كما يبدو، بل قد يكون في كثير من الأحيان عدوًّا خفيًّا. فالحياد أمام الحق والباطل ليس دائمًا فضيلة، والصمت أمام الظلم ليس موقفًا محايدًا؛ لأنّ الوقوف…

شكري بكر بداية لا بد أن نتساءل : إلى أي مدى يمكن أن تدوم أزمة الحركة السياسية الكوردية في سوريا ، ألا يحين المراجعة الذاتية؟. المتتبع لأزمة الحركة السياسية الكوردية يرى بأنها ذات أزمة داخلية لا خارجية . إنه لأمر طبيعي أن تُحمِل الحركة الكوردية النظم المتعاقبة على السلطة في سوريا مسؤولية ما آلت إليه القضية الكوردية وإدامتها لعقود طويلة…

د. عدنان بوزان في هذا الشرق المرهق من التاريخ، لا تزال هناك مفارقة سياسية وثقافية صارخة: يطلب منك أن تتخلى عن قوميتك باسم المواطنة، بينما يتمسك الآخر بقوميته ويفتخر بجذوره؛ ويطلب منك أن تنسى لغتك باسم الوحدة، بينما تحمى لغات الآخرين، وتدرس، وترفع في المؤسسات؛ ويطلب منك أن تتخلى عن تاريخك باسم التعايش، بينما يعاد إنتاج تاريخ الآخرين وتقديمه…

النقل عن الفرنسية: إبراهيم محمود   *حميد بوزأرسلان مدير الدراسات في كلية الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية (EHESS) ندوة دراسية حول الكُرْد سيدي الرئيس، سيداتي وسادتي، يسعدني جدًا أن أكون معكم اليوم لمناقشة القضية الكردية. في البداية، تساءلتُ عما إذا كان عليّ تقديم لمحة تاريخية شاملة تغطي القرن العشرين بأكمله، أم التركيز أكثر على السنوات الأخيرة.   في النهاية، قررتُ…