المعارضة في خدمة النظام

الدكتور عبد الحكيم بشار
 
عنوان سوف يثير الكثير من الجدل والمناقشة وحتى الاتهام ، ولكني أعتقد أن نظرة متفحصة لواقع المعارضة السورية وأجندتها وعلاقاتها البينية يوضح بشكل جلي ظواهر أو خيارات لا يستفيد منها سوى النظام .

قد يعتقد أو يقول قائل أننا نمر بمرحلة انتقالية ، وأن ما يجري هو من طبيعة المرحلة ، ولكنني أعتقد إذا كانت المعارضة معارضة حقيقية يحب أن تفكر ملياً وبعمق في كل خياراتها وأساليبها والسعي إلى منع استفادة النظام منها نهائياً ، فالنظام السوري كأي نظام استبدادي يعتمد في استمراره وديمومته على مجموعة عناصر ويستمد قوته من مجموع عوامل (أي قوة النظام) سأستوضحها وهي :
1- أجهزة المخابرات الموالية له

2-الجيش الذي بني على أساس عقائدي تابع للسلطة وليس على أساس وطني ، وأعتقد أن الجيش لن يستمر في موقفه الموالي للسلطة .
3- المال والإعلام
هذه هي العناصر الرئيسية الظاهرة في قوة النظام ولكن حقيقة الأمر هناك عناصر أكثر قوة وأهمية وعمق استراتيحية في خدمة النظام :
1- تشتت المعارضة الوطنية الديمقراطية  وسيطرة الشك والريبة بين أحزابها
2- سياسة ” فرق تسد ” من خلال زرع الشك والخلاف المتبادل بين مكونات المجتمع السوري المختلفة من قومية ودينية ومذهبية .
3- السعي إلى تشويه الحقائق الموجودة على الأرض ( أقصد تشويه التركيبة الاجتماعية والقومية لسوريا ) من خلال التنكر التام للتعدد الحقيقي في سوريا
4- اعتماد شعارات ( الممانعة – العروبة ) ليتم من خلالها فرض أجندة معينة على الشعب السوري هي في المحصلة لخدمة النظام  
إن عناصر القوة الثلاثة ، الأولى ( مخابرات – جيش – مال وإعلام ) هي عناصر لا يمكن للمعارضة الوطنية حرمان النظام منها باعتبارها من صنيعته ، أما العناصر الأخرى والتي تعتبر استراتيجية فيمكن للمعارضة حرمان النظام منها وبالتالي إضعاف النظام إلى أبعد حد ممكن من حلال تغير معادلة الصراع لصالح الشعب السوري وثورته السلمية .
ولكن ما يجري على الواقع أن المعارضة السياسية تركض وتتسابق ليس لتقديم الأفضل للشعب السوري بمختلف مكوناته وتياراته والتي تتسابق لتقسيم الكعكة التي قد تحصل بعد تحقيق الديمقراطية ؟؟؟ المنشودة في سوريا ، تلك الديمقراطية التي أعتقد أنها لن تتجاوز إطارها الشكلي ، فالعقلية الاستبدادية الشمولية لاتزال تطغى على أغلب تيارات وشخصيات المعارضة البارزين ، رغم تناقضها مع السلطة ، فحتى الآن يجري الحديث بشكل رسمي عن إسقاط النظام من قبل البعض وعن تغيير ديمقراطي سلمي من قبل آخرين ولكن ما هو مستقبل سوريا ؟ وما هي البدائل المطروحة ؟ وهل المعارضة ستنطلق في توجهاتها وأجندتها من واقع الشعب السوري التعددي ؟ أم أنها ستنطلق من تفكيرها ومحاولة إخضاع الواقع لذلك التفكير كما فعله النظام الحاكم في سوريا
فالواقع السوري التعددي والذي يتكون من قوميتين رئيسيتين عربية وكردية إلى جانب قوميات أخرى كالآشوريين وغيرهم من تعدد ديني ومذهبي والذي يشكل العقدة الأساسية في سوريا ، والتي تشكل مصدر قوتها وغناها إذا تحققت المساواة بين الجميع وفق الخصوصية الموجودة ، ومصدر ضعف للمجتمع السوري ، إذا تم إهمال أو محاولة إقصاء تلك الخصوصيات ، حيث إن لكل قومية دين ومذهب هواجسه من مرحلة ما بعد التغيير ، وتلك الهواجس هي حقيقية وفعلية والتي تزداد وتترسخ يوماً بعد آخر نتيجة سلوك المعارضة السورية بشكل عام والتي تتجاهل في مؤتمراتها وبرامجها ومداخلاتها الإعلامية حقائق هي الأهم في المجتمع السوري ، وإن أية معارضة لا تقدم حلولاً مقنعة من خلال برامجها ومؤتمراتها بالإقرار بالواقع السوري التعددي كما هو ، والبناء عليه فإنها تسلك سبيلاً شمولياً لا يختلف عن سلوك السلطة ، وإن الصراع يأخذ منحى مختلفاً عن تحقيق الديمقراطية في سوريا ، بل يأخذ طابع صراع على السلطة إن لم يأخذ في الحسبان مصالح الشعب السوري بكافة مكونات وطوائف الشعب السوري بسبب تفكيرها الشمولي الباعث على القلق وعدم الاطمئنان لدينا ، وهذا يضعف المعارضة وتماسكها لدرجة كبيرة مما يضعها في خدمة النظام .

26/72011

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

فيصل إسماعيل إسماعيل الحلقة الثالثة: من القرار 688 إلى المبادرة الأممية… هل يمتلك المجتمع الدولي أدوات حماية الاستقرار؟ عندما نتحدث عن مبادرة أممية لحماية استقرار إقليم كوردستان، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل توجد سابقة دولية يمكن الاستناد إليها؟ الإجابة تقودنا إلى قرار مجلس الأمن رقم 688 لعام 1991، الذي جاء في أعقاب أحداث مأساوية شهدها العراق، ودعا إلى…

د. عدنان بوزان لا تكمن المعضلة الكوردية في الحدود وحدها، بل في النظام السياسي الذي تشكل في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وفي الطريقة التي جرى بها توزيع المجال الجغرافي والسياسي للمنطقة من دون أن تحل بصورة عادلة مسألة الشعوب والهويات القومية التي كانت تعيش فيها. ومن هنا، فإن اختزال القضية الكوردية في مجرد المطالبة بحقوق ثقافية أو إدارية داخل…

د . مرشد اليوسف تعيش محافظة الحسكة مرحلة دقيقة وحساسة تتطلب أعلى درجات المسؤولية السياسية والاجتماعية والأمنية، ولا سيما في ظل تصاعد بعض الخطابات التحريضية ووقوع حوادث عنف وعمليات قتل تستهدف أفراداً على خلفيات قومية أو سياسية. إن استمرار هذه الظواهر، أياً كانت الجهات التي تقف وراءها، يشكل تهديداً مباشراً للسلم الأهلي، ويفتح الباب أمام دورة خطيرة من الثأر…

حسن قاسم تمر شعوب منطقتنا بمرحلة شديدة التعقيد، تتداخل فيها الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتتراكم آثار الحروب والانقسامات التي أنهكت المجتمعات وأضعفت قدرتها على بناء مستقبل أكثر أمناً واستقراراً. وفي ظل هذه الظروف، لم يعد السؤال المطروح هو فقط: من انتصر ومن خسر؟ بل أصبح السؤال الأهم: كيف يمكن تجاوز هذه المرحلة ومواجهة تحدياتها على مختلف الصعد؟ برأيي، يبدأ الطريق…