قراءة في الواقع السوري.. بين السلطة والمعارضة..!

دهام حسن

إن نظرة هادئة، فاحصة، متأملة للواقع السوري، لا بد له أن يمدنا بانطباعات عديدة، وبزاد كاف من المعرفة والوقائع، وكل ذلك يضعنا إلى حد بعيد في تصور واضح عن الواقع السياسي الراهن، ومن خلال ذلك يمكننا أن نستمزج تطلعات الأطراف السياسية المنسجمة والمتضاربة، للخروج برأي أو تحليل هو أقرب إلى الصواب، وبالتالي إمكانية السير قدما في السكة الصحيحة..
المسألة التي يتفق حولها الجميع ولو نظريا، هي مسألة الإصلاحات والانتقال الديمقراطي، أي وجوب الإصلاحات على صعيد البلاد كمطلب وطني يتجلى على الصعيد الشعبي والجماهيري، ولو أن ترجمتها من أصعب المسائل الشائكة وسوف تكون مدعاة للخلاف والاختلاف كما سنرى،
إن تساقط الأنظمة العربية في كل من تونس ومصر، فضلا من أن النظام في كل من ليبيا وسوريا، هو آيل للسقوط حتما ناهيك عن اليمن فلن يكون لها مصير أفضل، وثمة أنظمة عربية أخرى ستدور عليها الدائرة ذاتها، هذا الحراك ليس بالأمر السهل فهمه وتفسيره وتقبله وملاقاته من قبل شتى النزعات السياسية، من هنا جاءت المواقف من القوى السياسية المنخرطة في المسألة الوطنية السورية متباينة بل متباعدة، وهنا سوف نستعرض أهم المواقف لأهم تلك القوى ذات الفعالية على الصعيد الوطني السوري..

1ــ النظام، السلطة، القوى الحاكمة..

حاولت في البداية أن تستهين بالحراك الشبابي، وألا تأخذه في الحسبان، لكن توسع رقعة هذا الحراك، وتواصله كل هذه المدة، والتصعيد من لهجة الشعارات، إلى أن وصل السقف بالشعار الأشهر (إسقاط النظام) وتفاقم المسألة بتصعيد المظاهرات، وتزايد من سقوط عدد كبير من الشهداء، هذا ما حدا النظام ليقرّ بأزمة تعصف حقيقة بالبلاد..

2ــ الحراك الشبابي، هذه الظاهرة برزت على الساحة السورية دون أن يتنبأ بقدومها أحد، وهي حركة شبابية حظيت بشعبية هائلة وحماس منقطع النظير، وبسقف عال من شعارات راديكالية حاسمة، توّجت أخيرا بشعار إسقاط النظام كما نوهنا، هذا الحراك هو خليط من قوى عديدة ذات رؤى متباينة، جمعهم هدف واحد هو التوق الشديد للحرية والديمقراطية..

3ــ القوى المعارضة المشتتة والملاحقة والضعيفة عموما، تدخل في قوامها أيضا القوى الكوردية، رغم ذلك سنفرد للمعارضة الكوردية حقلا خاصا بها، وضعف هذه القوى مرده بالأساس هو رد فعل النظام العنيف، ورصده لأي حراك سياسي لا يقر له بالقيادة بل حتى بالولاء والتبعية، والمادة الثامنة من الدستور تقر بهذه التبعية ورغم كل شيء، فقد برزت أسماء لامعة على صعيد الوطن السوري، كانوا في أغلبيتهم نزلاء السجون..

4ــ القوى الكوردية هي حقيقة القوى الأكثر تنظيما، وفي الوقت ذاته القوى الأكثر تنظيمات وخصومة فيما بينهم، وفيهم من يشك حتى في إخلاصه وولائه للحركة السياسية الكوردية، وهي إلى الآن لم تستطع أن تأخذ موقفا موحدا في كثير من القضايا، فمازالت مترددة، وكثيرا ما تبدو عاجزة في التقرير لموقف جامع، مع الريبة المتبادلة بينها وبين المعارضة العربية، ويسري في بعض فصائلها شيء من الوهن، والترهل في بعض رموزها.

5ــ القوى الإسلامية ذات الخطابين، أو ذات الوجهين، قوى مؤيدة للنظام، كالبوطي والحبش، وسواهما من دعاة إطاعة أولي الأمر كالشيخ المفتي حسون، وقوى معارضة في الضفة الأخرى مناوئة للنظام، والأخيرة رغم تواريها لفترة طويلة، فهي تبدو اليوم من أكثر القوى ظهورا وتواصلا وتلاقيا ونشاطا، كما تجلـّى ذلك واضحا في لقاءات المعارضة التي تمتْ خاصة في تركيا..

ما نستطيع قوله أن القوى المعارضة الإسلامية لم تزل تسيطر عليها القوى الظلامية، فلم تستطع أن تجدد نفسها، وهي ذاتها قوى إقصائية لن تقبل مطلقا باللعبة الديمقراطية، ولا بالبديل الديمقراطي، ويبدو لي أن هذا الانتشاء جاء الحركة الإسلامية جراء العطف والرعاية التي ربما تلقتها من لدن دول إقليمية، عربية وغير عربية، وما يؤكد هذا السلوك من الغرور والتعالي من جانب هذه القوى الدينية هو تجاهلها التام للوجود الكوردي كقوى حية في المعارضة لدرجة الاستهتار…
وبالمقابل وبنفس الدرجة أقول أن القوى الكوردية التي تمثلت في مؤتمر استانبول لم تستطع أن تكون مقنعة، كان عليها أن تركز على حالة الإهمال والتهميش من قبل الجماعة الإسلامية، وليس على حالة تبديل شعار ما بشعار آخر..

كنت أتوسم في الأخ الدكتور عبد الباسط سيدا أن يعالج الموضوع بحسن التصرف، وفعلا جاء انسحابه بصمت وهدوء دون أن يثير خلفه أية زوبعة، وإن وضعنا أخيرا في حقيقة الموقف..

قراءتي لعموم المشهد السوري ورؤيتي المستقبلية للحلول المطروحة هي كالتالي..
ليس أمام الكورد إلا أن يلتقوا وينسقوا فيما بينهم، وما صرح به الدكتور عبد الحكيم بشار سكرتير البارتي، في عزم قادة الحركة على عقد لقاء قريب ربما يكون من أولى البشائر السارة فلنرحب بالفكرة ونتفاءل وبالتالي ننتظر..
القوى الإسلامية لم يزل الجانب الظلامي هو المسيطر فيها، ولن يستقيم أمر الحركة، ولا حالها إذا ما بقيت أسيرة النزعة الماضوية، ولم تستطع أن تفكر بعيدة عن قوى محلية تسعى جاهدة للتحكم في قرارها ومصيرها..

القوى الشبابية لا بد لها من الاستئناس برأي قوى المعارضة من حيث هي قوى سياسية مطلعة وقادرة على قراءة الواقع والتصرف ضمن المنطق والعقلانية في ضوء ذلك..
النظام ليس أمامه برأيي غير الاستجابة لمطالب الشباب هذه المطالب يمكن حصرها في الإصلاح والتغيير، والانتقال إلى نظام ديمقراطي..

على العموم ينبغي أن ننوه من أن المعارضة لم تكن ولن تكون يوما ضد الحوار، المهم أن يكون النظام جادا، ويصل إلى قناعة من أن تساقط كل هذه النظم الاستبدادية في العالم العربي هو دليل على تآكل شرعيتها، تخلفت ولم تعد تماشي لغة الواقع، وبالتالي حان الوقت لتغييرها والانتقال بها إلى بديل ديمقراطي، والمفاوضات بين السلطة والمعارضة ينبغي أن تحصر في هذا الجانب ليس إلا، ففي الإصلاح والديمقراطية تكمن ديمومة التغيير، وبالتالي فتبديل أي نظام سيكون مقبولا عبر الوسائط الشرعية…

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

فيصل إسماعيل إسماعيل الحلقة الثالثة: من القرار 688 إلى المبادرة الأممية… هل يمتلك المجتمع الدولي أدوات حماية الاستقرار؟ عندما نتحدث عن مبادرة أممية لحماية استقرار إقليم كوردستان، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل توجد سابقة دولية يمكن الاستناد إليها؟ الإجابة تقودنا إلى قرار مجلس الأمن رقم 688 لعام 1991، الذي جاء في أعقاب أحداث مأساوية شهدها العراق، ودعا إلى…

د. عدنان بوزان لا تكمن المعضلة الكوردية في الحدود وحدها، بل في النظام السياسي الذي تشكل في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وفي الطريقة التي جرى بها توزيع المجال الجغرافي والسياسي للمنطقة من دون أن تحل بصورة عادلة مسألة الشعوب والهويات القومية التي كانت تعيش فيها. ومن هنا، فإن اختزال القضية الكوردية في مجرد المطالبة بحقوق ثقافية أو إدارية داخل…

د . مرشد اليوسف تعيش محافظة الحسكة مرحلة دقيقة وحساسة تتطلب أعلى درجات المسؤولية السياسية والاجتماعية والأمنية، ولا سيما في ظل تصاعد بعض الخطابات التحريضية ووقوع حوادث عنف وعمليات قتل تستهدف أفراداً على خلفيات قومية أو سياسية. إن استمرار هذه الظواهر، أياً كانت الجهات التي تقف وراءها، يشكل تهديداً مباشراً للسلم الأهلي، ويفتح الباب أمام دورة خطيرة من الثأر…

حسن قاسم تمر شعوب منطقتنا بمرحلة شديدة التعقيد، تتداخل فيها الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتتراكم آثار الحروب والانقسامات التي أنهكت المجتمعات وأضعفت قدرتها على بناء مستقبل أكثر أمناً واستقراراً. وفي ظل هذه الظروف، لم يعد السؤال المطروح هو فقط: من انتصر ومن خسر؟ بل أصبح السؤال الأهم: كيف يمكن تجاوز هذه المرحلة ومواجهة تحدياتها على مختلف الصعد؟ برأيي، يبدأ الطريق…