أيها الكاتب الكردي.. أين دلوُك؟ « بمثابة نداء»

 إبراهيم محمود
 
إنها اللحظة التاريخية الحاسمة تلك التي يشهدها كل منا في وطنه السوري، أنَّى كان موقعه، وكيفما يكون انتماؤه.
وحين أسمّي الكاتب الكردي فلأن علاقة خاصة، تحتّم مثل هذا التنويه وخط النداء الموجَّه.

إنه النداء الذي يبتعد عن الصفة الإملائية وتجييش الوعي، كون كل كاتب لديه ما يحفّزه ذاتياً على تصور الجاري وقول كلمته.

إن المكتوب هنا، موجَّه إلى الذين ما زالوا يلتزمون الصمت أو ما يشبه الصمت، ولا أظن أن التزام الصمت في سخونة اللحظة التاريخية الانعطافية هذه، تبرّر لأي كان صمته هذا، ولأن الذي أسمّيه لا يدعو إلى الخروج إلى الشارع، إنما للتعبير عن موقف لا بد من تسميته، شهادة حية منه على ما يجري وحرصاً على وطن نريد إنقاذه معاً، والدخول في عالم جديد من العلاقات الاجتماعية يشعر فيه كل منا أنه كائن من نوع مختلف كل الاختلاف.
ليس من استثناء لأي كان، حيث لا تبرير للسكوت أو الصمت.

إن كل ما يكتب أو ينشَر على الملأ انترنتياً مهما كان موضوعه دون أن تكون له صلة بهذا الذي نعيش زخمه يكون بمثابة شاهد عيان ذاتي على التخفي والهروب مما هو فيه صاحبه.

لا مجال لأن يستعرض أي كان فحولته، أو يقذف في وجه قارئه موضوعاً ليس في مستوى الحدث الجليل والمهيب وخارج سياقه.

كل موضوع كان يمكن تناوله سابقاً يجب تأجيله أو إزاحته جانباً.
لا مكانة لكاتب شعر الغزل أو لمن يتباهى بنتاجه التاريخي أو الفولكلوري أو الوجاهي أو العشائري أو الموصوف بالقاص أو الروائي أو المنظَر أو الناقد الأدبي…الخ، حيث الشارع يتحدى كاتبه، يحيل الخيال ذاته إلى واجهة اختبار لقدرات كاتبه، وما إذا كان جديراً بحيوية الكلمة التي صيَّرته كاتباً وأضفت عليه نجومية ما في هذا المحفل أو ذاك، في هذه المناسبة أو تلك سابقاً.

كل توار ٍ عن الأنظار جلاءُ عري يشير إليه، واعتراف ضمني بخواء ذات مخدوعة بمسمّيها.

كلنا على المحك ولا استثناء لأي كان أو عفو عن أي كان، حيث مساحة الاختلاف كما هي مساحة الوطن الواحد تسهّل على أي كاتب منا، وهو في مستوى ادعاء الكتابة في أن يدلي بدلوه، أن يصل القول بالفعل صراحةً، حتى لا ينقلب كل شيء: بدءاً من أبسط قوله مؤرَّخ له، ضده ومنبهّاً إلى حقيقته.
أيها الكاتب الكردي، اكتب ما أنت عليه، سمّ لونك، زمرتك الكتابية، وطنك الذي تعيشه الآن.

أظهِر لملأك الذي تحتك به أو تتفاعل معه، أو تتخيله ما تستبطنه لتكون في مستوى كتابتك مهما كان نوعها، جنسها، هيئتها، إيقاعها الإنفعالي، طابعها العصبي، زاوية ورود الحياة النابضة في الشارع في كلّية جسدك.

سائل نفسك عما أنت فيه، ما كنته سابقاً وما أنتـ”ـه” الآن، وما يمكن أن تكونه لاحقاً، فليس كالكتابة التي تمثلت بها: شاعراً، ناثراً، ما يشهد عليك أو يقود العالم إليك، أو يريك العالم، وأنت تُعلِم من هم معنيون بك بحقيقة: مرارتك، قسوتك، عنفك النوعي، سخطك، انضباطك، تلقّيك لكل شاردة وواردة ولو في جملة واحدة…الخ، لتكون في مستوى الوطن الذي يتردد في نصك الذي تحاول التميز به..

إن حياديتك وأنت صامت شلل لا يضمك إلى عالم الموتى فقط، وإنما يخرجك من عالم الأحياء طريد لعنة حياة، إذ لا يعقل أن يكون كل هذا الجاري غير محقق نصاب ولو كلمة تدعوك لأن تحوّلها خارجاً تعبيراً عما تتنفسه في وضع راهن، إنه تأكيد انتماء إلى شخصية تخصك وعليك بتسميتها…!
إنها لحظة الحقيقة المفصلية التي تعنيك، ولا مهرب من مواجهتها وهي تطالبك بالتعريف بنفسك عاجلاً لا آجلاً!
إن الكلمات لها دويُّها فيما تنطق به، إنها شهود عيان تترى على وقائع على بشر من لحم ودم وفي أدوار مرئية.
ثمة تاريخ مستجد يسمّينا هنا، ثمة آت، ولكل منا قرطاسه الأبيض، وما على حامله أن يسطّر فيه شيئاً يخص الوطن بجغرافيته وأهليه، لا بد أن يكون قابلاً للقراءة وواضحاً، لأن شخصية اعتبارية تتشكل من خلالها.

إنه دَين تاريخ في طور التشكل  لا بد من استيفائه بطريقة ما، الآن وليس بإعلان السداد لاحقاً، فيما إذا كان ذلك ممكناً قوله، فما يجري راهناً لا يستوجب تسويفاً أو تحريفاً.

لا انسحاب من ساحة القول والفعل، والجميع مكشوفون، ولكل منا صوته المختلف الذي يجب أن يتردد صداه في الساحة: الوطن، وإلا فثمة عار التاريخ في الانتظار!
========

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

ابراهيم برو ما تشهده محافظة الحسكة من حشد لبعض الشخصيات من العشائر العربية، وما يرافق ذلك من تصريحات تحريضية وعنصرية تستهدف الكرد، فضلا عن بعض الخطابات التي تروج لها وسائل الاعلام وصفحات التواصل الاجتماعي، يمثل ظاهرة خطيرة تهدد السلم الاهلي والاستقرار الوطني. ولا يمكن تجاهل مسؤولية النظام البائد، كما لا يمكن تجاهل الانتهاكات التي ارتكبتها قسد وبعض الفصائل العسكرية المحسوبة…

روني علي وقفة .. ما يهمنا في الأحزاب والأطر الكوردية في غرب كوردستان هو مراجعة ماهيتها وكذلك مبررات وجودها والأهداف التي تسعى إليها … ففيما لو وقفت على مثل هكذا نقاط أعتقد سنتمكن من غربلة الواقع السياسي الحزبي وكذلك الارتقاء بالاداء النضالي .. أما غير ذلك سنبقى نعيش دوامة الانشقاقات والانشطارات والانسحابات.. لأنه باختصار حين لا يتمكن أي حزب من…

تتابع نخبة المثقفين الكورد بقلق بالغ التصعيد المتسارع في خطابات التحريض والكراهية والدعوات التي تستهدف أبناء الشعب الكوردي في سوريا، وما يرافقها من محاولات خطيرة لجر العشائر العربية والمكونات الاجتماعية إلى صراعات قومية لا تخدم إلا أعداء سوريا والساعين إلى تمزيق نسيجها المجتمعي. إننا نوجه تحذيرا واضحا وصريحا إلى كل من يسعى إلى التحريض ضد الشعب الكوردي أو استغلال اسم…

د . عبدالحكيم بشار ما يجري في محافظة الحسكة لا ينبغي التعامل معه بسطحية أو اختزاله في تفاصيل آنية، لأن تداعياته تتجاوز حدود المكان والزمان، وتمس جوهر الوحدة الوطنية والسلم الأهلي. فحتى إن لم يحقق التصعيد أهدافه المباشرة، فإنه يخلّف آثارًا لا تقل خطورة عن الحرب نفسها، تتمثل في تعميق الانقسام داخل المجتمع السوري، وزيادة الاحتقان بين مكوناته. قد لا…