بعد مائة يوم على انطلاق الثورة السورية: أين أنت يا حلب؟

 الطاهر إبراهيم

لم تكن حلب عاصمة الشمال السوري يوما من الأيام موالية للنظام السوري.

بل إنها دائما كانت رائدة الثورة عليه ابتداء من ربيع عام 1979.

ولمن لا يعرف من هي حلب؟ فليسأل جيل السبعينات عندما سيّر أهل حلب مظاهرة مليونية في الأسبوع الأول من آذار 1980، احتجاجا على القمع الدموي والاعتقال الذي مارسته أجهزة الأمن، ما دعا الرئيس الراحل حافظ أسد أن ينحني للعاصفة وهو يخاطب الشباب في 22 من الشهر نفسه قائلا: (الإخوان المسلمون ليسوا من القتلة، وإن من حقهم بل من واجبهم أن يشيروا علينا بما يرون ..

انظر كتاب “باتريك سيل”: الصراع على الشرق الأوسط).

كانت حلب أنموذجا في التحرك الثوري.

وكان من المفترض أن تحذو المحافظات السورية حذوها عامي 1979-1980.

لكن التعتيم الإعلامي الداخلي والعالمي أجهض أي تحرك في حينه.

النقابات المهنية السورية تجاوبت مع حلب وأعلنت الاعتصام لكل منسوبيها في 31 آذار عام 1980، فتم اعتقال قادة النقابات في سورية كلها، (كان فيهم المسلم السني والعلوي والمسيحي والإسماعيلي والدرزي).

وأعلن الرئيس “حافظ أسد” حل مجالس النقابات، وأوكل إلى رئيس الوزراء تعيين مجالسها.

ومكثت القيادات النقابية 12 سنة في المعتقل.


ومع تفجر الثورة في سورية اليوم، نقول للحقيقة والواقع: لقد تأخرت حلب عن اللحاق بركب أخواتها من محافظات القطر السوري كحماة وحمص ودمشق ودرعا واللاذقية ودير الزور، وغيرهن، في النهوض بواجبها ومواكبة الثورة، لماذا؟
نستعجل فنقول: ليس صحيحا ما زعمه البعض من أن هذا التأخير كان بسبب تضافر أغنياء حلب مع رموز السلطة.

فمنذ ما قبل عهد الاستقلال كانت الرأسمالية الوطنية تضخ المال لتسلح رجال الثورة ضد المستعمر الفرنسي في النصف الأول من القرن العشرين.

غير أن مستحدثي النعمة اليوم الذين دخلوا في شراكة مع رجال السلطة ( محافظين وقادة أجهزة أمنية وحزبيين)، وجدوا أنفسهم في خندق واحد مع النظام ومع المخذلين عن الثورة.

هؤلاء الأغنياء الجدد كانوا كالنباتات الطفيلية في المجتمع الحلبي، لا همّ لهم إلا جمع المال الحرام، ويوم يسقط شركاؤهم من رموز النظام ستجدهم كالعصف المأكول لا قيمة لهم.
كما أنه ليس صحيحا أن علماء حلب ومشايخها مشوا في ركاب الظلمة وخذلوا الثوار.

ومن وجد من أصحاب العمائم واللحى ينافق للسلطان الغاشم في سورية، فهؤلاء كغثاء السيل لا يلبثون أن يذهبوا جفاءً بعد أن يطوي الزمن سادتهم وأولياء نعمتهم من الظلمة.


أصحاب العمائم واللحى هؤلاء الذين مشوا في ركاب السلطان، ماظهروا إلا يوم خلت ساحة حلب لهم بعد أن طاردت السلطة العلماء في سورية، وفي حلب على وجه الخصوص، أمثال المشايخ الأساتذة والربانيين: عبد الفتاح أبوغدة وطاهر خير الله وعبد الله ناصح علوان وعبد الله سراج الدين وأبو النصر البيانوني وعبد القادر عيسى الذي رفض النظام الغاشم أن يسمح لأهله بدفنه في مدينته حلب عندما توفي في الأردن.

وإن كان هناك بقية من العلماء في حلب فقد نال منهم العمر، وضعفوا عن مواجهة السلطان عجزا لا خيانة.
أما أولئك الذين زادوا في مساحة عمائمهم وفي أطوال ألسنتهم بغير الحق، فقد كانوا لا شيء يوم كانت حلب عامرة بمشايخها وعلمائها.

وحين خلت الساحة لهم، تزلفوا وداهنوا وأحنوا قاماتهم، وهي قامات هزيلة بالأصل، وباعوا دينهم بعرض من الدنيا قليل.


وأين كان هؤلاء عندما كانت جوامع حلب يعلو فيها صوت المشايخ الأفذاذ.

يوم وقف الشيخ “عبد الله ناصح علوان” رحمه الله تعالى في مسجد “ميسلون” في عام 1973 يشرح للمصلين حقيقة الدستور الذي فصله حافظ أسد على مقاس.

ولم ينته الشيخ من خطبته إلا وقد تجاوبت أصوات التكبير في الجامع.

وحتى لا تفسد على المصلين جمعتهم أشار الشيخ إلى الإمام أن يدخل في الصلاة بدون إقامة، فنوى وكبر وتبعه من كان في المسجد من المصلين.


لأن النظام الحاكم يعرف أهمية حلب، فمع بدء ثورة 15 آذار اعتقل قيادات شبابية فيها حتى زاد عدد المعتقلين على الألف.

كما لوحق المهندس غسان النجار رئيس التيار الإسلامي الديمقراطي الحر، ما اضطر النجار للتواري عن الأنظار.

ويبقى أن الشباب الحلبي هو مادة الثورة، لا يختلف عن الشباب في باقي المدن السورية الأخرى، يتحرق للنهوض ضد النظام، لكنه لم يعرف حتى الآن كيف يضع أقدامه على سكة الثورة، وهو لا بد فاعل بإذن الله.


غير أن ضواحي حلب مثل مدينة الباب وعين العرب وأعزاز وعفرين وحريتان تظاهرت أكثر من مرة.

كما تظاهر طلاب المدينة الجامعية في حلب عدة مرات، فاعتقل منهم ألف طالب ،وما يزال قسم كبير منهم في المعتقل.

كما تظاهر الناس في عدة أحياء من حلب مثل سيف الدولة وحول الإذاعة في مسجد آمنة والصاخور، واستشهد في جمعة الشيخ صالح العلي شاب من “آل الاكتع” بعد أن ضربه “الشبيحة” بالهراوات المكهربة حتى الموت.

غير أن السوريين ما تزال أعينهم مشدودة نحو حلب وكأنهم يقولون: إلى متى يا حلب الشهباء؟
نشر بتاريخ 21-06-2011  

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

فيصل إسماعيل إسماعيل الحلقة الثالثة: من القرار 688 إلى المبادرة الأممية… هل يمتلك المجتمع الدولي أدوات حماية الاستقرار؟ عندما نتحدث عن مبادرة أممية لحماية استقرار إقليم كوردستان، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل توجد سابقة دولية يمكن الاستناد إليها؟ الإجابة تقودنا إلى قرار مجلس الأمن رقم 688 لعام 1991، الذي جاء في أعقاب أحداث مأساوية شهدها العراق، ودعا إلى…

د. عدنان بوزان لا تكمن المعضلة الكوردية في الحدود وحدها، بل في النظام السياسي الذي تشكل في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وفي الطريقة التي جرى بها توزيع المجال الجغرافي والسياسي للمنطقة من دون أن تحل بصورة عادلة مسألة الشعوب والهويات القومية التي كانت تعيش فيها. ومن هنا، فإن اختزال القضية الكوردية في مجرد المطالبة بحقوق ثقافية أو إدارية داخل…

د . مرشد اليوسف تعيش محافظة الحسكة مرحلة دقيقة وحساسة تتطلب أعلى درجات المسؤولية السياسية والاجتماعية والأمنية، ولا سيما في ظل تصاعد بعض الخطابات التحريضية ووقوع حوادث عنف وعمليات قتل تستهدف أفراداً على خلفيات قومية أو سياسية. إن استمرار هذه الظواهر، أياً كانت الجهات التي تقف وراءها، يشكل تهديداً مباشراً للسلم الأهلي، ويفتح الباب أمام دورة خطيرة من الثأر…

حسن قاسم تمر شعوب منطقتنا بمرحلة شديدة التعقيد، تتداخل فيها الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتتراكم آثار الحروب والانقسامات التي أنهكت المجتمعات وأضعفت قدرتها على بناء مستقبل أكثر أمناً واستقراراً. وفي ظل هذه الظروف، لم يعد السؤال المطروح هو فقط: من انتصر ومن خسر؟ بل أصبح السؤال الأهم: كيف يمكن تجاوز هذه المرحلة ومواجهة تحدياتها على مختلف الصعد؟ برأيي، يبدأ الطريق…