د.عبدالباسط سيدا
ما تشهده سورية في مختلف مناطقها، سواء في الجنوب أم في الشمال، في الغرب أم في الشرق، والداخل خاصة في حمص وريف دمشق وضواحيها، لا يُعد مجرد تحرك عابر، سيتلاشى بمجرد تلبية بعض المطالب الجزئية الفرعية بصورة ترقيعية هلامية إيهامية تمكّن الزمرة اللامرئية الحاكمة في سورية من الاستمرار في استبدادها وإفسادها وفسادها.
التحرك الشبابي الشعبي السوري يؤسس لوحدة وطنية حقيقية لم تعرفها سورية بعد، وحدة تؤكد إخفاق مشروع البعث القوموي تماماً كما أخفق مشروعه الاشتراكي اللارأسمالي.
فالبعث سواء في سورية أم في العراق رفع شعار الدولة القومية الواحدة، وأدان الدولة الوطنية عبر استخدام مصطلحات قدحية مثل الدولة القطرية أو الإقليمية، بل وصل به الأمر أحياناً إلى اتهام المطالبين بالدولة الوطنية كأساس لابد منه لأي فضاء أو مجال حيوي قومي بالخيانة؛ ولكن الواقع أثبت في كلا البلدين أن الشعارات القومية الكبرى لم تكن سوى تغطية لنزوع سلطوي تمثّل في تناحر مختلف المجموعات من أجل امتلاك الحكم، والإجهاز على الوطن وأهله.
التحرك الشبابي السوري بكل أطيافه ومكوّناته سيقطع الطريق أمام الولاءات الفرعية ما قبل الوطنية، الولاءات التي ترسخها السلطة واقعاً، وتنكرها شعاراً وتبجحاً.
فأن يردد ابن القامشلي أو ابن طرطوس وبانياس ودمشق وحمص: بالروح بالدم نفديك يا درعا؛ الله، سورية، حرية وبس، فهذا فحواه أن هذا الشباب الثائر قد زلزل بقوة الإستراتيجية الجديدة- القديمة المعتمدة من قبل مجموعة الحكم في سورية، وهي إستراتيجية تقوم على زرع الشقاق والخوف المتبادل بين مختلف المكوّنات (الطائفية والمذهبية والقومية) والجهات والاتجاهات السورية؛ إستراتيجية لا تتسق بالمطلق – كما هو واضح لأي متمعن- مع مزاعم المقاومة والممانعة التي لم تعد تقنع أحداً، بل تثير الشفقة والسخرية تماماً مثل تلك المسرحيات الهزيلة التي تتحدث عن مجهولي الهوية، ممن يطلقون النار على المتظاهرين ورجال الأمن في دولة يحصي فيها الأمن سكنات وحركات كل مخلوق.
المشروع الوطني الديمقراطي السوري الذي كان حلماً منشوداً، وغدت بواكيره واقعاً بفعل وعي وإرادة الشباب السوري في مختلف الجهات ومن سائر المكوّنات، لن يلغي الخصوصيات، لكنه سيضعها في إطارها الوطني الصحيح، على قاعدة الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية لكل المواطنين من دون استثناء.
وبناء على ما تقدم ، نرى أن التحرك الكردي اللافت يوم أمس 8-4-2011 في القامشلي وعامودة والدرباسية وغيرها من المناطق الكردية جاء ليؤكد من جديد أن المسألة الكردية في سورية هي جزء فاعل من المسألة الوطنية الديمقراطية العامة في البلاد، وهي لا يمكن أن تحل بموجب صفقة أمنية قد يُوحي بها النظام، أو يروّج لها بعض المقربين منه.
الكرد في سورية- شأنهم في ذلك شأن سائر المكوّنات السورية- لا يمكن لهم أن يكونوا بمعزل عن التحرّك الشعبي السوري العام العارم.
فسوريا هي لجميع وبجميع أبنائها.
لقد قرر السوريون جميعاً القطع مع مركب الاستبداد والفساد بأشكاله وأدواته المختلفة؛ لقد بلغ شبابنا السوري العزيز مرحلة النضج، وأدرك أن السياسة الداخلية السليمة هي الأساس وهي الحصن والملاذ لكل السوريين، والأيام القادمة ستحمل لنا جميعاً بشائر الربيع المنتظر.






