مجلس الشعب أم مجلس الشعراء؟!!

ريزان محمد

كنت أحترم أمة العرب باعتبارها أمة شاعرة، ولطالما اصبح الشعر البوصلة الحقيقية والعنوان الأجمل في حياتهم، وكانوا يعظمون من شأن الشعر إلى درجة يكتبون قصائد فطاحلهم من الشعراء بماء الذهب،  ويعلقونها في جدار الكعبة، ويطوفون حولها ويصلون لها.

  أما البارحة فكدت أحقد على كل الشعر وكل الشعراء، حينما ابتدئ سوق عكاظ موسمه في مجلس الشعب السوري، أو على الأصح مجلس الشعراء والمطبلين والمنافقين والدجالين، فصار كل من يتفقه من ديوان العرب عدة أبيات يلقي قصيدته العصماء تقرباً ورغبة في اقتسام كعكات الشاعر، الرئيس الكثيرة.
 والطريف أن الكثير من هؤلاء، هؤلاء الذين صاروا أعضاء في ما يسمى بمجلس الشعب أميون ثقافة وفكراً، أميون، بل طرشى من سماع مطالب شعبهم وجماهيرهم التي – على أساس- صاروا هناك تحت تلك القبة ليوصلوا مطالبهم إلى الجهات العليا لتنفيذها.

هؤلاء أميون وطرشى، لكنهم يعرفون من أين تؤكل الكتف، ويتملقون أمام السلطان عسى يتعرف على وجوههم، ويوصي أزلامه الرخيصين ، ليضعوا هؤلاء أشباه الرجال في حسبانهم بالقوائم السوداء التي تأتي من فوق جاهزة، ومأخرجة سلفاً للتمثيل في مسرحية مجلس الشعب التي تضحك الموتى من قبورهم.
البارحة أحسست لأول مرة كم الشعر صار مبتذلاً ، وكم الشعراء الذين كنت أحفظ لهم في قلبي المودة الكبيرة، كيف سقطوا من عيني، لكني وفي أوج حقدي على الشعر والشعراء لم أعمم كلامي على الشعراء العظام سواء أكانوا عرباً أو كرداً أو من أمم أخرى هؤلاء الذين قاوموا الاستبداد وفضحوا المستبدين، ودفعوا حياتهم ثمناً لحرية شعوبهم.
لقد كان الشعب السوري المسكين البارحة على موعد مع القصائد غير العصماء لجوقة الصفيقة الرخيصين وهم يكيلون المديح لسيدهم، وسيدهم راض ومصدقاً عن ما يسمعه منهم، وينفش ريشه ويكاد يطير من السعادة وهو يسمع هذه البطانة النتنة والعفنة، وهي ترتطن بالكلام المعظم الذي يصل السيد إلى مرتبة الإله، لا بل أن الحماسة اشتد في قلب أحد أعضاء مجلس الشعر.
يبدو أن الملكة الإبداعية خانته، ونسي دوزان وأوزان بحور الخليل والفراهيدي، فاستعان بالنثر الرخيص أسفاً وبدأ يقول دون أن يخجل، ودون أن يخجل سيده من كلامه: سيدي الرئيس، أنت رئاسة العرب قليلة عليك، لازم تكون رئيس العالم، فتصوروا يا رعاكم الله، عضو في مجلس الشعب ينطق بهذه الجواهر؟؟
فماذا يؤمل منه، وهو الذي تفاجأ الشعب بأنه صار ممثله غصباً واغتصاباً، والأنكى من ذلك أن السيد كان يتعرق وجهه من الفرح، وفاته، ولم يتذكر، أن العرب عندما تبالغ في المديح فكأنها تهجو، والمبالغة في المدح هو الجانب الآخر من الذم، لكن السيد فاتته هذه المعلومة، فكان كلما يسمع قصيدة” رائعة تخرج من فم – على الأغلب بلا أسنان طبيعية من أحدهم، كان – وبكل احترام وتقدير- يقطع جواهر كلامه ليستمع ويستمتع ويمتع العالم بما سيقوله الشاعر عضو مجلس الشعر لا الشعب..

أدعو الشعراء العرب المحترمين..

أدعو جميع الشعراء المحترمين أن يتركوا هذه المهنة البطّالة، ويتوجه إلى كتابة الروايات الطووووويلة، والقصص ذات الحبكات المعقدة كي يفشل هؤلاء الأقزام  في التطبيل والتبجيل والتأليه للأسياد، وطالما أن الشعر وكتابته أصبحت بهذا الرخص المشين.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

ابراهيم برو ما تشهده محافظة الحسكة من حشد لبعض الشخصيات من العشائر العربية، وما يرافق ذلك من تصريحات تحريضية وعنصرية تستهدف الكرد، فضلا عن بعض الخطابات التي تروج لها وسائل الاعلام وصفحات التواصل الاجتماعي، يمثل ظاهرة خطيرة تهدد السلم الاهلي والاستقرار الوطني. ولا يمكن تجاهل مسؤولية النظام البائد، كما لا يمكن تجاهل الانتهاكات التي ارتكبتها قسد وبعض الفصائل العسكرية المحسوبة…

روني علي وقفة .. ما يهمنا في الأحزاب والأطر الكوردية في غرب كوردستان هو مراجعة ماهيتها وكذلك مبررات وجودها والأهداف التي تسعى إليها … ففيما لو وقفت على مثل هكذا نقاط أعتقد سنتمكن من غربلة الواقع السياسي الحزبي وكذلك الارتقاء بالاداء النضالي .. أما غير ذلك سنبقى نعيش دوامة الانشقاقات والانشطارات والانسحابات.. لأنه باختصار حين لا يتمكن أي حزب من…

تتابع نخبة المثقفين الكورد بقلق بالغ التصعيد المتسارع في خطابات التحريض والكراهية والدعوات التي تستهدف أبناء الشعب الكوردي في سوريا، وما يرافقها من محاولات خطيرة لجر العشائر العربية والمكونات الاجتماعية إلى صراعات قومية لا تخدم إلا أعداء سوريا والساعين إلى تمزيق نسيجها المجتمعي. إننا نوجه تحذيرا واضحا وصريحا إلى كل من يسعى إلى التحريض ضد الشعب الكوردي أو استغلال اسم…

د . عبدالحكيم بشار ما يجري في محافظة الحسكة لا ينبغي التعامل معه بسطحية أو اختزاله في تفاصيل آنية، لأن تداعياته تتجاوز حدود المكان والزمان، وتمس جوهر الوحدة الوطنية والسلم الأهلي. فحتى إن لم يحقق التصعيد أهدافه المباشرة، فإنه يخلّف آثارًا لا تقل خطورة عن الحرب نفسها، تتمثل في تعميق الانقسام داخل المجتمع السوري، وزيادة الاحتقان بين مكوناته. قد لا…