حكومة أردوغان أمام امتحان سياسي !!

  افتتاحية جريدة آزادي *
بقلم رئيس التحرير

بعد تسلم الاتجاه الديني لمقاليد السلطة في تركيا منذ ما يقارب عقد من الزمن ، بدأت الحكومات التركية المتعاقبة خلالها العمل بدأب للتوفيق في علاقاتها السياسية وتحالفاتها بين الجانبين الإقليمي والدولي ، معتمدة في الجانب الإقليمي المصالح المشتركة مستغلة في ذلك بقوة العامل الديني الإسلامي ، وفي الجانب الدولي واظبت الحفاظ على العلاقات التاريخية التي تربط تركيا بحلفائها الغربيين (أوربا وأمريكا) عبر تحالفات إستراتيجية منذ عهد مصطفى كمال (أتاتورك) مؤسس الجمهورية التركية وحتى الآن ، ومن ثم العمل لتطوير تلك العلاقات إلى مستوى السعي نحو الانضمام للإتحاد الأوربي ..
 ففي الجانب الإقليمي ، تمكنت الحكومة التركية من كسب ثقة إيران عندما صوتت في مجلس الأمن ضد قرار فرض عقوبات جديدة ضدها (إيران) وتعززت العلاقات بين الجانبين عندما أقنعت أنقرة طهران للتوقيع على صيغة اتفاقية تبادل اليورانيوم المرسلة من قبل المجتمع الدولي ، كما لا يخفى ما لها من علاقات متطورة مع النظام السوري حيث ارتقت إلى مستوى التوقيع على اتفاقات إستراتيجية (مجلس أعلى للتعاون الاستراتيجي) ، وإلغاء تأشيرات السفر (الفيزا) بين البلدين ، وإلغائها مع كل من الأردن ولبنان والاتفاق على إقامة منطقة تجارة حرة بين الدول الأربعة ، ومن المؤشرات البارزة في تطور العلاقات بينها وكل من سوريا وإيران هي توجهها المشترك المزعوم نحو معالجة بعض القضايا الإقليمية ومنها العراق ولبنان ..الخ ، وما زاد في تعزيز دورها لدى بعض الدول العربية هو امتناعها عن استخدام القوات الدولية لأراضيها أو أجوائها إبان الهجوم على العراق عام 2003 ، وأعقبتها بتوتير العلاقات مع إسرائيل ووقوفها الجامح مع الجانب العربي في الصراع القائم معها ، وإلغاء مشاركة إسرائيل في مناورات حلف الناتو في تركيا ، والإعلان في نفس اليوم عن مناورات مشتركة مرتقبة مع سوريا ، كما أنها لم تدخر وسعا في توسيع علاقاتها مع بعض الدول السوفيتية السابقة وخصوصا تلك التي تتكلم التركية واستطاعت حتى تحقيق مصالحة مع جمهورية أرمينيا رغم صعوبتها ..

أي أن حكومة أردغان وبالتعاون مع الدول المعنية تبذل قصارى جهدها من أجل تهيئة الأجواء الإقليمية لبناء أوسع تحالف على مستوى الشرق الأوسط ، وتبدأه مع كل من سوريا وإيران لوضع أسس هذا التحالف الاستراتيجي المزعوم ..وفي الجانب الدولي ، فلا تزال حكومة أنقرة تحافظ على علاقاتها الإستراتيجية مع حلفائها الغربيين سواء ألولايات المتحدة الأمريكية أو دول أوربا أو غيرها من دول العالم الرأسمالي ، سواء في المستوى الاقتصادي بما يعني التبادل التجاري وقضايا التعاون والتنمية الاقتصادية ، وكذلك في المستوى السياسي والعسكري حيث تحالفاتها مستمرة ، وهي لا تزال تتمتع بعضويتها في حلف الناتو العسكري (حلف شمال الأطلسي ) ومساعيها للانضمام إلى الاتحاد الأوربي قائمة على قدم وساق ، ورغم كل الملاحظات لا زال الجانب الدولي يرى في تركيا تلك الدولة الحليفة التي تتمتع بأهميتها الحيوية وتحتل موقعها الاستراتيجي الهام على مستوى منطقة الشرق الأوسط ، ولا زال يأمل منها الدور المساند المنتظر عندما تقتضي الضرورات السياسية اللازمة….وقد استطاعت حكومة أردوغان الاستمرار حتى الآن في سياستها التوفيق بين الجانبين الدولي والإقليمي ، إلا أن الامتحان العملي الذي لم يكن في حسبان حكومته والمعد في المرحلة المقبلة هو توجه حلف الناتو نحو فرض نظام الدرع الصاروخية على بلاده ونشر محطات الصواريخ و رادارات المراقبة على أراضيها ، ومعلوم ما سيؤول إليه هذا التوجه ، حيث يكتنف عن تحول دور الحلف من مواجهة المد الشيوعي ودول المنظومة الاشتراكية – سابقا- إلى قضايا ومهام أخرى حديثة ، ومنها المد الإيراني في المنطقة والإرهاب ( القاعدة) والأنظمة الاستبدادية والدكتاتورية وغيرها ..ويذكر أن حكومة أردوغان قد تحفظت على بعض بنود هذا المشروع ، ولها شروط إذا ما تم فرض هذا النظام ، من أبرزها عدم ذكر اسم أي من الدول الإقليمية وخصوصا ( سوريا وإيران ) ، وتوفير ضمانات بعدم استخدام القوة لصالح إسرائيل كونها ليس عضوا في الحلف بل مشاركة بقوات عسكرية ، وأن يكون لتركيا دورا أساسيا في اتخاذ القرارات وجمع معلومات الرادارات ، وأن يساند الحلف تركيا في مواجهتها لمقاتلي حزب العمال الكردستاني ..الخ..ومهما يكن من الأمر ، سواء أقبل الحلف شروط أردوغان أم لم يقبل ؟، فإن تركيا أمام مرحلة جديدة قد تكون عسيرة ، لأن الحلف من جانبه عصي عليه قبول بعض الشروط وخصوص تلك التي تتعارض أساسا مع مهام الحلف وتوجهه الجديد ، وأخرى لا تدخل في مجال عمل الحلف وتتعارض مع ميثاقه ( مثال مشكلة تركيا مع مقاتلي حزب العمال الكردستاني التي تعد مشكلة داخلية تعني تركيا فقط ) ، لكن تبقى المشكلة الأهم تكمن عند الجانب التركي ، سواء بالرفض أو القبول لتوجهات حلف الناتو وقراراته المنتظرة ، ففي حال الرفض يعني ابتعاد تركيا عن حلفائها الغربيين ، وعزوفها النهائي عن حلمها في اكتساب عضوية الاتحاد الأوربي ، وتصدع علاقاتها السياسية والاقتصادية مع حلفائها ، هذا إلى جانب تأزم أوضاعها الداخلية واشتداد الخلافات بين الحكومة والمعارضة المتزمتة من جهة وبينها وبين الجانب العسكري وجنرالات الجيش من جهة أخرى ، وفي حال مجرد قبول حكومة أردوغان لتوجهات الحلف المذكورة وقراراته يعني تصدع تحالفاتها الإقليمية وخصوصا مع إيران كون الأخيرة تعلم يقينا وتحت أية يافطة أنها ستكون مستهدفة بالدرجة الأولى من قبل دول الحلف وتوجهاته الجديدة ..من هنا فإن امتحان حكومة أردوغان منتظر ، وأن مصير علاقات بلاده الدولية والإقليمية متوقف على قراره أو قرار حكومته ، وقد يؤثر هذا القرار سواء بالسلب أو بالإيجاب كما ذكرنا ، في إضفاء ملامح جديدة لآفاق المرحلة المقبلة وتطوراتها المستقبلية على الصعيدين الدولي والإقليمي ولاسيما في منطقة الشرق الأوسط بكل مكوناتها وأنظمتها ودولها ..

* جـريدة صـادرة عـن مـكـتب الثقـافـة والإعـلام المـركـزي لحــزب آزادي الكــردي في ســوريا – العدد (426) تشرين الأول 2010 

لقراءة مواد العدد انقر هنا

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

فيصل إسماعيل إسماعيل الحلقة الثالثة: من القرار 688 إلى المبادرة الأممية… هل يمتلك المجتمع الدولي أدوات حماية الاستقرار؟ عندما نتحدث عن مبادرة أممية لحماية استقرار إقليم كوردستان، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل توجد سابقة دولية يمكن الاستناد إليها؟ الإجابة تقودنا إلى قرار مجلس الأمن رقم 688 لعام 1991، الذي جاء في أعقاب أحداث مأساوية شهدها العراق، ودعا إلى…

د. عدنان بوزان لا تكمن المعضلة الكوردية في الحدود وحدها، بل في النظام السياسي الذي تشكل في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وفي الطريقة التي جرى بها توزيع المجال الجغرافي والسياسي للمنطقة من دون أن تحل بصورة عادلة مسألة الشعوب والهويات القومية التي كانت تعيش فيها. ومن هنا، فإن اختزال القضية الكوردية في مجرد المطالبة بحقوق ثقافية أو إدارية داخل…

د . مرشد اليوسف تعيش محافظة الحسكة مرحلة دقيقة وحساسة تتطلب أعلى درجات المسؤولية السياسية والاجتماعية والأمنية، ولا سيما في ظل تصاعد بعض الخطابات التحريضية ووقوع حوادث عنف وعمليات قتل تستهدف أفراداً على خلفيات قومية أو سياسية. إن استمرار هذه الظواهر، أياً كانت الجهات التي تقف وراءها، يشكل تهديداً مباشراً للسلم الأهلي، ويفتح الباب أمام دورة خطيرة من الثأر…

حسن قاسم تمر شعوب منطقتنا بمرحلة شديدة التعقيد، تتداخل فيها الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتتراكم آثار الحروب والانقسامات التي أنهكت المجتمعات وأضعفت قدرتها على بناء مستقبل أكثر أمناً واستقراراً. وفي ظل هذه الظروف، لم يعد السؤال المطروح هو فقط: من انتصر ومن خسر؟ بل أصبح السؤال الأهم: كيف يمكن تجاوز هذه المرحلة ومواجهة تحدياتها على مختلف الصعد؟ برأيي، يبدأ الطريق…