هوشنك بروكا
ليست “الخرافة” في كونها خروجاً على المنطق وأحواله، أو كسردٍ في الماوراء وشئونه، مجرد اعتقادٍ “فوق عقليٍّ”، أو “فوق طبيعيٍّ”، من الدين إلى الدين، أو من التقليد إلى التقليد، فحسب، وإنما يمكن أن تكون الخرافة، أحياناً من السياسة إلى السياسة، وبها وفيها وعليها أيضاً.
وذلك في لفتةٍ ذكيةٍ منه، والحق يقال، لخلط الحابل بالنابل، والحق بالباطل، والحرية بضدها، وتأليب أكراده، من ثم، ضد إيزيدييهم القادمين على “غزوةٍ وشيكة” ضد كردستان، على حد خرافته.
هي ثقافة مغلقة، بالقطع، مؤسسة على عبارة “إما..أو”، وتذكرنا، قليلاً أو كثيراً، بثقافة واحدة لا شريك لها، ألا وهي ثقافة “الأنا ضد الآخر”، “إلهي هو أعلى”، “صحيحي هو التاريخ والجغرافيا في آن”، “أنا هو الشعب والوطن هو أنا”..أنها بإختصار ثقافة “الكتاب الواحد”، و”الرأي الواحد”، و”اللسان الواحد”، في كردستان واحدة لا شريك لها.
التحالف الكردستاني أوصل ستة إيزيديين محسوبين على الحزبين الرئيسيين البارتي الديمقراطي والإتحاد الوطني، إلى البرلمان العراقي، والسؤال المطروح ههنا، هو ما الذي منع الفوق الكردي من إيصال أحدهم ضمن استحقاق الكوتة الإيزيدية، بدلاً من عرّاب “القومية الإيزيدية” أمين جيجو، الذي وصل إلى البرلمان للمرة الثانية على التوالي، عبر أجندات “ضد كردية” معروفة؟
لماذا لم ينجّح التحالف إيزيدي آخر محسوب عليه مثلاً، تحت سقف الكوته الإزيدية، لقطع الطريق أمام من ينتقدهم بدرالدين الآن، كما انتقدت تييهم ولعبهم السياسي غير البريء على الورقة الإيزيدية، علماً أن أحد أكبر منافسي هذا التيار “الإيزيدوي”، الذي يقول بكردية وكردستانية الإيزيديين، كان متعاوناً مع التحالف الكردستاني، ومتحالفاً معه في السر وفي العلن؟
لماذا أسس معلم البارزانيزم خرافته على “أقلية” إيزيدية تائهة في سياسات الآخرين، وضائعة بين أجندات هولير وبغداد؟
لو كان الإيزيديون بالفعل يشكلون نواة “غزوة” كما ينظّر السيد بدرالدين لخرافته، لكانوا ردوا على، تلك “الغزوة الكردية الإسلامية” الأكيدة؛ حملة “القتل الحلال” المنظم ضدهم، وضد آلهتهم، التي ضربتهم في عقر دارهم ولالشهم.
ومعلم البارزانيزم يعلم، أن الدفاع عن النفس حق “مقدس” مثبت في كل لوائح حقوق الإنسان، والصكوك الأممية الأخرى.
لماذا لم نسمع غزوتئذٍ، هكذا درس طويل في التربيتين الوطنية والقومية من أستاذنا “البارزانيست”، ولم نسمعه أو نقرأ له، يسميّ “القتل الحلال”بإسمه الصريح، شيخانئذٍ، ب”الغزوة”؟
فليقل لنا “السياسي المتقاعد” في هولير، مشكوراً جداً وعلناً، عبر أثير النت العلني، إن استطاع إلى ذلك سبيلاً طبعاً، أين توصلت نتائج اللجنة التحقيقية المفترضة التي تشكلت تحت إشراف مباشر من سيداد بارزاني، ممثل الرئيس آنذاك، والتي وعدت الشيخانيين، بتقديم المذنبين الغازين، إلى عدالةٍ كردية، ما حدثت حتى اللحظة.
http://www.youtube.com/watch?v=_gWZzIPEGYc&feature=related
http://www.youtube.com/watch?v=sH_Gn__lfWI
http://www.youtube.com/watch?v=YVTruQPfeJY&feature=related
أم أنّ سيدنا العلماني سيكذّب اليوتوب أيضاً، بخرافة جديدة؟ http://www.youtube.com/watch?v=Z8OhhRdDtZw
الكاتب المتعوّد على صناعة الخرافة، كما يبدو، عوّد جمهور القراء على “دروسه” في التربيتين القومية والوطنية، كما كنا نتلقاها على مقاعد الدراسة في مزرعة الديكتاتور السورية.
وهو ههنا، يحاول كردياً، إلقاء “التوجيه السياسي” عينه، مع فارق اللغة طبعاً، ولعب دور “الموجه السياسي” ذاته، وكأنه الأول والأخير، ممن بيده “الختم الكردي”، لمنح أكراده بطاقات حسن السلوك الكردية، تسمح لأصحابها العبور إلى “كردستان نموذجية”.
حسناً.
لا أنكر أنّ “الجغرافيا المسيار” في كردستان المسيار، راهناً، رحمت صاحب البارزانيزم، ولكني أعتقد جازماً، أن التاريخ، كردياً، وسورياً أيضاً، لن يقع في حماقة الجغرافيا.
ولكني سأكتفي، على مستوى اتهاماته فقط، في إخراجي عن كرديتي، قسراً، بإشارةٍ تاريخية قريبة منا جداً، لا أكثر.
أما أنا، الذي يريد بدرالدين أن يصطاد مكتوبي في مياهٍ طائفية عصبوية عكرة، ليحجب علي كرديتي بالتالي، ويخرجني من كردستاني، قسراً، على طريقة حليفه خدام، أنا هو من رفض بالقطع، أن يكون ضيفاً على شاشة الفضائية الخدامية زنوبيا، علماً أن الدعوة كانت قد وُجهت إلي رسمياً، ومشكوراً، من مدير الفضائية آنذاك الزميل غسان المفلح.
والسبب في مقاطعتي تلك، كان كما بينت لزميلي أيضاً، ولايزال، هو الديكتاتور عينه، الذي حجب علي لسان أمي، أي كرديتي، في ذات الوقت الذي حجب علي مواطنتي السورية، ككردي منها وإليها.
الديكتاتور يبقى ديكتاتوراً، حتى لو كان إلهاً، ولا يمكن له إلا أن يكون كذلك.
منذ سنوات وأنا أقول على الملأ، أكره من يسألنني عن ديني، لأني لا أكره الدين ولكني لا أحبه أيضاً.
أحب الدنيا أكثر؛ دنيا بلا فوق يعلو ولا يُعلى عليه ؛ دنيا بلا عشيرة تختزل الجماعة في رأس الخيمة؛ وبلا دين يختزل كل العقل في عقل الله؛ وبلا حزب يختزل شعباً كاملاً ووطناً كاملاً في قائد أوحد.
والوزير، حسبما اطلعت على أخبار “إسلام” وزراته، عن كثب، يقسّم الدين علناً، في كردستان إلى “دين فوق” و”دين تحت”؛ “دين صحيح” و”دين خطأ”؛ “دين الله” و”دين الشيطان”، وهذا ليس سراً أعرفه لوحدي، فبإمكان السيد بدرالدين وهو مقيم خمس نجوم في هولير، أن يتأكد بنفسه من المكتوب والمصرّح به، رسمياً، من قبل مسؤولي الأقليات الدينية في الإقليم(كالمسيحيين والإيزيديين)، ويدحض أو يكذّب ما أكتبه من هنا، أنا “الخارجي” على كردستان، بالتي هي أحسن أو أسوأ، لا فرق.
كان يمكن لهكذا كلام أن يكون صحيحاً، فيما لو تم بالفعل، محاسبة هذا الوزير الذي يريد لكردستان أن تكون “دولةً إسلامية”.
وهذا ما لم و”قد” لن يحصل، في القادم القريب من كردستان.
هذه اللاعلمانية هي لاعلمانية مؤسسة على الدستور أولاً وآخراً.
هذا الدستور الذي يدعي الكاتب بأنه “شرع وقونن حقوق وواجبات كل المكونات الكردستانية القومية منها والدينية”.
أيّ شرعٍ هو هذا، إذا كان كل الدين لا يتساوى أمام الدستور ك”أسنان المشط”!؟
أي قانونٍ أو حقٍ هو هذا، إذا كان الدستور يمنح ديناً بأن يكون في “الفوق”، بإعتباره “مصدراً أساسياً من مصادر التشريع”، مقابل أديانٍ تقعد في التحت من هذا التشريع؟
“يقرّ ويحترم هذا الدستور الهوية الإسلامية لغالبية شعب كردستان ـ العراق ويقر ويحترم الحقوق الدينية للمسيحيين والإيزديين وغيرهم ويضمن لكل فرد في الإقليم حرية العقيدة وممارسة الشعائر والطقوس الدينية وإن مبادئ الشريعة الإسلامية مصدر أساس لتشريع ولا يجوز:
أولاً: سن قانون يتعارض مع ثوابت أحكام الإسلام.
ثانياً: سن قانون يتعارض مع مبادئ الديمقراطية.
ثالثاً: سن قانون يتعارض مع الحقوق والحريات الأساسية الواردة في هذا الدستور”.
إذا كانت العلمانية هي فصل الدين عن الدولة، فما الداعي لكل هذه “الديباجة الكوكتيل” المتناقضة مع نفسها، بين كل سطر وسطر، وبين كل بندٍ وآخر؟
كيف يمكن لدستور كوكتيل، كهذا، أن يعبرَ إلى العلمانية، وهو يمنع “سن قانون يتعارض مع ثوابت أحكام الإسلام”، في ذات الوقت الذي يمنع “سن قانون يتعارض مع مبادئ الديمقراطية والحقوق والحريات الأساسية الواردة في هذا الدستور”؟
على من يضحكون “شيوخ” الدستور الكوكتيل هذا؟
فليقل لنا بدرالدين من وحي “نظرياته السيارة”، كيف يمكن الجمع بين ثوابت الإسلام(انطلاقاً من زواج المسلم بأربعة، وحقوق المرأة/ الضلع الأعوج، التي هي ناقصة عقلٍ ودينٍ، إلى آخر مبدأ) أو الإيزيدية أو حتى المسيحية، وبين مبادى الديمقراطية والحريات الأساسية، في دستورٍ واحد؟
كيف يمكن ل”دستور كوكتيل”، كهذا، أن يدّعي العلمانية ويدافع عنها “شيوخ علمانيون”،في ذات الوقت الذي يتخذ من “مبادئ الشريعة الإسلامية مصدراً أساساً لتشريعاته”؟
ليشرح لنا صاحب “السياسات السيارة المتقاعدة” ومن يلف لفه، “مبادئ الشريعة الإسلامية” هذه، والتي من المفترض بها أن تكون “مبادئ ديمقراطية” و”علمانية”؟
أليس كل الدين، ديكتاتور في التحت(من الإيزيدية إلى الإسلام، مروراً بكل الأديان الأخرى)، يتخذ قوته من “ديكتاتور مقدس” مقيم في الفوق؟
فعن أية “برامج ومناهج كفاحية علمانية” يتحدث صاحبنا العلمانوي “جداً”؟
أنا ضد هكذا كردستان، تتخذ من دينٍ ما(دين الأغلبية أو دين الأقلية، إسلام أو إيزيدية لا فرق)، مصدراً من مصادر تشريعها، لأن العلمانية، كما أتبناها وأدافع عنها، هي القول الأكيد بالفصل الأكيد، بين الدين والدولة.
دستور الحكومة هو دينها، ولا يجوز لأي دينٍ، أيا كان هذا الدين، أن يكون مصدراً من مصادر تشريعات الدولة.
بالطبع لا، فلا تاريخه السياسي يقول بذلك، ولا تاريخ “نظرياته النفاخة” تسمح له بذلك؟
ليقل لنا معلم “الأنتي طائفية”، ماذا كان يجمع التيارات الثلاث، خلا مذهبيتهم السنية: “كردي سني(صلاح بدرالدين)+ديكتاتور سني(عبدالحليم خدام)+سلفية وهابية سنية(جماعة الإخوان المسلمين”؟
فليقل لنا صاحب “العلمانية السلفية”، المتداخلة مع الإسلام الوهابي، على ماذا وعلى أية علمانية كان يعوّل في تحالفه مع وهابيين، لا يرون حلاً لأية مشكلة من مشاكل العالم خارج أصول الإسلام السني حصراً: الإسلام هو الحل؟
لا ل”تسيسس” الدين؛ كل الدين.
نعم لتحييد الدين.
لا لإقحام الله والعشيرة والحزب والعائلة في القانون.
لا لدستورٍ يتخذ من مقدس الدين مصدراً لقوانينه.
فالوقائع الثلاث التي أحس بها كاتبنا خلال شهر آب المنصرم، موجودة بوتائر واتجاهات مختلفة جداً، وحية ترزق منذ سنوات كثيرةٍ مضت.
أما أن ينسج خرافته الآن، وكأنه للتو أحس بوجودها، فهذه مشكلة قراءته النائمة في أكثر من نومٍ عميق.
والسؤال البسيط الذي يمكن أن يسأله كل “متعلم” كما يريد أن يسمي “خصومه” من أهل الرأي المختلف، فهو: ما محل هذه “الإيزيدية السياسية” من الإعراب في كلّ المقال، من أوله إلى آخره، بل وفي كل ما كتبته في هذا الخصوص من الألف إلى الياء؟
كان عليه، وهو “المنظر المتقاعد” أن ينقد لا أن يشكك ويتهم هذا وذاك، على الطالع والنازل.
أوليست كردستان الراهنة مجرد “زوجة مسيار” يركبها الفوق ثلاثاً، كما شخصته في ثلاثة أرباب: “رب الحزب”، و “رب الدين”، و “رب العشيرة”؟
الفساد الخانق، الذي يعترف به بدرالدين وفوقه، وملايينهم وملياراتهم “السيارة”، الشغالة في أكثر من مسيار، هي خير دليل على هذا الزواج المسيار ب”كردستان المسيار”.
أليست كل “مشاريع المسيار” في كردستان، هي “خاتم سيار” في أصبع هذا “الفوق المسيار” بأربابه الثلاث؟
أليس إقامة صاحبنا “السياسي المتقاعد السيار”، الذي انقلب في تاريخه على تاريخٍ كثير، في فوق الحرير من “هولير المسيار”، إقامة خمس نجوم، براتب خمس نجوم، وسط حراسة خمس نجوم، وهو الكردي السوري مثلي، دليل حيّ في كونه “شريكاً أكيداً” في قسمة “كردستان المسيار” هذه؟
أنا أنقد هكذا كردستان “المدينة المسيار”، التي بلعت جبلها.
أنقد كردستان تأكل الآن أبناءها.
أنقد فوقاً فاسداً، حوّل كردستان إلى مجرّد مزرعة خاصة لمسيار ثلاث: مسيار الحزب والدين والعشيرة.
أنقد “كردستان الدينية” التي تختزل دستورها في “مبادئ وأصول وشريعة دين الأغلبية”.
أنقد الديكتاتور والثقافة الديكتاتورية الواحدة بلا شريك، كردياً وعربياً، وفي سوريا، كما في كردستان، أو خارجهما.
لأن الديكتاتور واحد، مهما اختلفت لغته، أو أصله وفصله.
أنقد الدين في كردستان وخارجها، حين يصبح قانوناً إلهياً، يحكم البشر على الأرض.
أنقد الله، حين يصبح جلاداً.
أنقد تسييس الدين؛ كل الدين إذ يؤلب وحوشه ضد الدنيا.
أنقد الدين الحاكم بإلهٍ غائب، إذ يقتل الدنيا في أوج حضورها.
أرفض الدين، وهو يرفض الإنسان بالآلهة، لا بل أدوس على الدين(كل الدين)، إن أصرّ على دوس الإنسان وحقوقه وحرياته.
أكره الدين حين يصبح سياسةً كريهةً لإكراه الآخرين، على الدخول المكروه، إلى الدين أو الدنيا.
أنقد وعاظ الدين المتاجرين ب”آيات الله” أو “آيات الشيطان”، كما أنقد وعاظ السلاطين.
أنقد “إنما الدين عند الله الإسلام”، و”كنتم خير أمةٍ أخرجت للناس”، و”أنصر أخاك ظالماً أو مظلوماً”، و”من تكلم العربية فهو عربي، حتى ولو كان أعجمياً”، و”إنا أنزلناكم قرآناً عربياً لعلكم تعقلون”، و”كذلك أنزلنا حكماً عربياً”..إلخ.
أنقد الإيزيدية وآلهتها الميتين الميتين.
أنقد الإيزيديين من أصحاب “السياسات الأمية”، الذين يبحثون عن وطنٍ جديد خارج كردستانهم النهائية، التي سميتها ذات نقدٍ، ب”الوطن النهائي للإيزيديين”، أو يبحثون عن قوميةٍ جديدة، خارج كرديتهم التي خلقهم الله عليها، كما خُلق إلههم نفسه على سنة اللسان الكردي عينه.
أنقد الفوق الإيزيدي “الروحاني”، حين يصبح فوقاً دينياً معطلاً، يشتغل على السياسة أكثر من اشتغاله على الدين.
أنقد الروحانيين الإيزيديين، الذين يموتون على موت آلهتهم.
أنقد الإيزيدية كما الإسلام، وكل الدين الذي آل إلى بضاعة كاسدة على بسطات الأحزاب الحاكمة والمعارضة في كردستان.
أنقد لالش، حين تصبح بازاراً للمزاد العلني على دم الله.
أنقد مكة حين تستحيل، إلى جهةٍ عربية أكيدة، بلسانٍ عربيٍّ أكيد، لصلاةٍ عربيةٍ أكيدة، تنتهي عند قدم إلهٍ عربيٍّ أكيد.
وأنقدك أيضاً، وأنقد فوقك الذي فوق فوقك يا سيد “الخرافات السيارات”، و”النظريات الطيارات”، التي لا مكان لها إلا في حضن “كردستان المسيار”.
أنا أكره كردستان لوناً واحداً، في حزبٍ واحدٍ، أو دينٍ واحدٍ، أو عشيرةٍ واحدة.
أكرهها “جغرافيةً واحدةً، أو تاريخاً واحداً، ل”قومية واحدةٍ لا شريك لها”.
أحبّ كردستان كثيرةً، لا واحدةً كالله الواحد الأحد.
أوَلم يكن الله كثيراً في البدء؟






