صلاح بدرالدينان مواصلة المناقشات وتبادل الآراء علنا وعبر مختلف المنابر الإعلامية بين نخب الشعوب حول القضايا المختلفة عليها ستنير الطريق وستؤدي إلى العودة إلى نهج الحوار الثقافي السلمي الشفاف كخيار وحيد للتوصل إلى الحقيقة والتمسك بما يجمع ولا يفرق من عوامل تاريخية وثقافية وروحية وإنسانية والتوافق حول قواعد الشراكة العادلة بالتوازن بين مستحقات الهويات الخاصة في إطار الثوابت الوطنية الجامعة بديلا عن الخيارات العسكرية والحلول الأمنية وسياسات القمع والعنف والإقصاء والإبادة التي مورست في أكثر من بلد في العقود الخمسة الأخيرة ضد القوميات والأثنيات والمكونات الأقل عددا ومن بينها الكرد من جانب حكام وأنظمة الأقوام السائدة والتي لم تجلب سوى الكوارث والآلام والأحقاد العنصرية والفقر والتخلف للجميع وهكذا فان استمرارية الحوار ومن موقع المختلف وبمنتهى الصراحة والوضوح ستكون ذات قيمة ثقافية مفيدة وقد تشكل منطلقا لتوسيع النقاش مستقبلا بين المثقفين من الكرد والعرب والقوميات الأخرى فبالأمس القريب حاولنا اجراء تقييم نقدي ومناقشة لما جاء في تصريح وزير خارجية تركيا السيد – د أحمد داود أوغلو – بصحيفة الحياة من تطور هائل في موقف النخبة التركية الحاكمة بشأن الكرد والقضية الكردية وسجلنا ذلك الاختراق في مجالين : سياسي عندما تم الاعتراف باقليم كردستان العراق الفدرالي رسميا وللمرة الأولى في تاريخ تركيا الرسمية وتاريخي لدى قبول كرد الشرق الأوسط كمكون رئيسي رابع يستحق حل مشاكله بعد المكونات العربية والتركية والفارسية وأدرجنا كل ذلك في مصاف الأحداث الكبرى واعتبرنا أن ” داود أوغلو يهزم أتاتورك ” .
تناول السيد الراشد الموضوع من زاوية أخرى بطرح التساؤل الاشكالي التالي حول الفكر القومي العربي : ” ثم أي قومية نريد؟ ناصرية أم بعثية أم قومية خاصة مثل القومية السورية في بلدان الشام ؟ ” معتبرا أن ” كل من عاصر واحدة من الآيديولوجيات الشعبية، من قومية إلى شيوعية أو إسلامية، هي أنها رفعت كشعارات بغرض الإمساك بالحكم..
حيث قومية عبد الناصر كانت مرتبطة بشخصه أما البعث، فقد زكمت أفعاله السيئة والشريرة في العراق أنوف العرب في كل مكان بجرائم تقشعر لها الأبدان أما الشيوعية العربية، فقد كانت دخيلة ومرفوضة والآن عصر الإسلاميين الذي رفعوا شعار «قال الله وقال الرسول» لكنهم لم يختلفوا كثيرا عن القوميين والبعثيين والشيوعيين، سنة كانوا في غزة، أو شيعة في الضاحية، أو جماعات معارضة في كهوف أفغانستان..
الهدف هو السلطة ..” ثم لا يلبث أن يعود مستدركا ” بالقول إن فكرة القومية العربية تبقى جذابة، بعد ترميمها.
فلا تعني العرق العربي، لأن جزءا من «العرب» ليسوا عربا، بل بربر وكرد وتركمان وقبائل أفريقية ..
” وفي الختام يستنتج ” الفكرة البسيطة تقوم على وطنية عربية واسعة بلا شوفينية أو عصبية عمياء، تقدم مصالح الجماعة..
تستفيد من الرابطة المكانية واللغوية والمصالح المتعددة المشتركة..”
قد يتفق الكثيرون مع النظرة التقييمية للكاتب حول المدارس الفكرية القومية العربية العلمانية منها والدينية بالرغم من انطلاقه من تصورات ذاتية مسبقة وميله الواضح بشكل غير مباشر – وهذا من حقه – لتفضيل نهج بلده المملكة العربية السعودية حيال الشأن القومي خاصة وقد خاضت القيادة السعودية كطرف عربي ذي شأن مواجهات سياسية وفكرية كانت حامية في بعض المراحل مع مراكز المدارس الأخرى من ناصرية وبعثية واخوانية وبن لادنية وشيعية ناهيك عن الشيوعية منذ قيامها وحتى الآن والمأخذ هنا أنه لم يفصح ولو قليلا عن منطلقات قيادة المملكة وأهدافها وبرنامجها حول المستقبل بخصوص العرب والأقوام الأخرى من غير العرب والمأخذ الآخر الأهم والأكثر ارتباطا بموضوعنا هو تحاشي الكاتب في الاقتراب من سرد مواقف تلك المدارس – القومية – من قضية الأقوام غير العربية وفشلها في إيجاد حلول سلمية إنسانية ديموقراطية للمسألتين الوطنية والقومية المتشابكتين وتجاهل الجرائم التي ارتكبت بحق القوميات الأخرى خاصة بحق الكرد وبالأخص في العراق وسوريا.
ومما خيب الآمال أكثر الاستنتاج الختامي المتناقض مع مقدمته الذي توصل اليه الكاتب والاعلامي – عبد الرحمن الراشد – المعروف بالاعتدال والاتزان عندما – فسر الماء بعد الجهد بالماء – وعاد الى المربع الأول لدى قوله بأن ” الوطنية العربية ” هي الحل بعد ترميمها – كيف ؟ – ولا تعني العرق العربي لأن جزءا من العرب ليسوا عربا بل بربر وكرد وتركمان وقبائل افريقية لكأن الكاتب يبقى في إطار الشكل وليس المضمون عندما يدعو إلى تغيير الألفاظ وممارسة تكتيك كلامي مع ” عرب ليسوا عربا ” من دون التطرق ولو إشارة الى تاريخ وحقوق ومصير هؤلاء وهوياتهم الثقافية وطموحاتهم وقبل كل شيء معاناتهم ومن الخطأ الكبير اعتبار هذه الأقوام من – العرب المستعربة – وهي شعوب من السكان الأصليين لها ثقافاتها الخاصة وتتكلم بلغاتها إلى جانب العربية وصمدت أمام محاولات صهرها وإذابتها وتغيير قومياتها بالقوة مئات السنين ان لم نقل أكثر وبعضها يقيم في مناطقها وبلدانها قبل الهجرة العربية – الإسلامية نحو الشمال .






