رستم محمودولو كان الاستفتاء السويسري مستبطناً لكل تلك النعوت وأكثر، فهل ذلك مباشرة يعني أنه من حق أي كان أن يشجب ويذم ويقدح بتلك الممارسة السويسرية من موقع نصائحي ووصائي ومتعالي.
وهل لدولة كالدولة المصرية، ما زالت تطبق قانوناً عثمانياً قروسطياً، فيما يخص شأن المباني الكنسية، حيث لا يحق للمواطنين المصريين الأقباط حتى تعديل بعض المباني في كنائسهم إلا بموافقة رئيس الجمهورية، هل يحق للمؤسسات الرسمية لتلك الدولة أن تشجب الفعلة السويسرية، وأن تصدر مؤسستها الدينية الرسمية بياناً تقول فيه: (لقد سمعنا بأسى بالغ عن هذه المبادرة التي لا تعتبر هجوماً على حرية الاعتقاد فحسب، بل أيضا محاولة لإهانة مشاعر المجتمع الإسلامي داخل سويسرا وخارجها، أنه قرار يؤدي الى بذر بذور الكراهية والتمييز ضد المسلمين في سويسرا).
أليست الدقة والحصافة والاتساق الأخلاقي والعقلي يفترض أن ينطبق مضمون ذلك البيان والموقف بالضبط على ما يمارس بحق المواطنين المصريين الأقباط.
وكلام قريب من ذلك يمكن ان يقال بحق باكستان وإيران والعربية السعودية والسودان… الخ.
حيث كانت مواقفها من ذلك الحدث نوعاً كاريكاتورياً من الانفصام العقلي والأخلاقي تجاه الحدث السويسري، وهو ما يحدث بحقها كدولة، من المفترض ان تكون أكثر اتزاناً وعقلنة واتساقاً من مواطنيها، الذين في هذا الشأن يمكن لك ان تتحدث عنهم ولا حرج.
السؤال الموجه لهؤلاء الذين بنوا موقفهم على ذلك الأساس: سويسرا حيادية بالنسبة الى ماذا؟.
هل كانت سويسرا كدولة، يوما ما حيادية تجاه قيمها العامة، أم كانت سويسرا حيادية بالنسبة لمواقفها السياسية الخارجية تجاه الصراعات الأوربية.
بقول آخر، هل سويسرا حيادية بالنسبة للصراع السياسي بين الجارتين الالمانية وفرنسا مثلا، أم أنها حيادية حيال الصراع بين القيم الراديكالية والليبرالية بين مكونتها المجتمعية والقانونية والدستورية الداخلية كمثال آخر.
الصحيح أنها حيادية تجاه الموقف الأول، وهو منبع حياديتها كدولة.
لكنها بالتأكيد كدولة ليست حيادية تجاه الموقف الثاني، لأنها تملك مجموعة من الاعتبارات الفكرية والسياسية التي تبنى عليها كيانيتها كدولة.
وافتراض القادحين ان الدولة السويسرية يجب ان تكون حيادية تجاه كل القيم، وأيا كانت، يفترض سلفا في باطن وعي القادحين، إحساساً بوجود صراع ما بين تلك القيم، وهي القيم المسيحية والإسلامية في النموذج السويسري، وهذا هو منبع تصور وجود صراع للحضارات في باطن وعيها.
وقد كان دلالة ما قاله المفكر الإسلامي العراقي الدكتور طه جابر العلواني لأحد الصحف السويسرية عميقة في هذا المنحى، قال: (لماذا تصبح اليهودية ـ وهي غير النصرانية ـ جزء من تلك الهوية الوطنية ويعترف بالأقلية اليهودية، ولا يلتفت الى أن الأقلية المسلمة في وجودها، لا ينبغي أن تكون أقل شأناً في التأثير في الهُوية السويسرية من اليهودية، هذا ليس حياداً).
وكيف لمن يمارس صراع الحضارات ان يحبذ الحياد في الآخرين!.
بل وذهبت الى المقارنة بين الحالة الحميدة لمواطنيها المسلمين وغيرهم من المسيحيين في البلاد ذات الإسلامية!! ـ السؤال الذي كان وجهه موقع www.swissinfo.ch الرسمي الى بعض المفكرين من المناطق الإسلامية كان: لماذا لا تنال الأقلية المسيحية في البلدان الإسلامية نفس الحقوق، ولا يتم التعامل معها بنفس الأريحية التي يطالب بها المسلمون في بلداننا؟ ـ فهل حقا ترى الدولة السويسرية مواطنيها المسلمين كمواطنين هي مسؤولة عنهم أولا وأخيراً، أم أنها تراهم رعايا لدولا أخرى يعيشون على أرضها، وتطلب بين الحين والآخر من تلك الدول ان تهدأ من خواطر مواطنيها المسلمين؟ وبالمقابل كيف تنظر الى الوضع القانوني للمواطنين المسيحيين في البلدان الأخرى، وهو شكل غير متسق في فهم الوضع القانوني لمواطنين يعيشون في دول ذات سيادية وواجبات تجاه مواطنيها، وأيضا تجاه من تراهم مواطنين في بلدان أخرى.
عن صحيفة الإتحاد العراقية 12 – 12 – 2009






