آزاد برازيإذا بعد أربعمائة سنة تقريباً من سيطرة العثمانيين على المنطقة و شعوبها جاءت الفرصة السانحة لتنال شعوب المنطقة استقلالها من براثن الاحتلال العثماني و إن كان بمساعدة قوة خارجية فكان المطلوب تحديد كل جماعة موقفها من الحرب و إلى أي موقف سوف تنساق ففي تلك الظروف حسم السياسيون العرب خيارهم بالوقوف إلى جانب الحلفاء ضد الخلافة العثمانية ، حيث بدأت الاتصالات السرية بين الشريف حسين و السير مكماهون على أثر الثورة العربية الكبرى المدعومة انكليزياً ليتوصل الاثنان إلى وعود قدمها مكماهون لشريف حسين في إقامة دولة عربية تضم شبه الجزيرة و بلاد الشام والعراق العربي مقابل نصرة الحلفاء ضد الدولة العثمانية و طردهم من هذه المناطق و بالفعل اندلعت الثورة العربية الكبرى فاتجهت القوات العربية نحو دمشق ، و الظاهر أن النزعة الإمبراطورية و أمجاد الماضي وجدت طريقها إلى الانتعاش في الذهنية السياسية العربية لكن القوى المنتصرة رأت في تلك النزعة عائقاً أمام مصالحها الإستراتيجية و في النهاية تم تقاسم التركة العثمانية بين بريطانيا و فرنسا عملياً و التأكيد عليها و تنفيذها في مؤتمر سان ريمو ، و هكذا دخلت المنطقة عموماً في مرحلة جديدة حيث ظهرت كيانات سياسية جديدة خضعت مباشرة للاحتلال الفرنسي و الانكليزي .
و قد شاءت الإرادة الاستعمارية في تشكيلها للكيانات المصطنعة ، في أن تصبح أجزاء من الأمة الكردية جزءاً من كيانين جديدين هما سوريا و العراق و بهما تشارك العرب و الأكراد للتصدي لاستحقاقات المرحلة الجديدة و هي مرحلة النضال الوطني ضد الاحتلال ، لكن رغم ذلك بقت الأحلام الإمبراطورية و الأمجاد السابقة تدغدغ المخيلة العربية و لم تنظر إلى واقعها إلا كمرحلة آنية مؤقتة وجسر للعبور إلى الحلم الأكبر ، بالمقابل رغب الحلم الكردي بالعودة إلى دائرة التاريخ من جديد كما كانوا في الماضي منذ قبل الميلاد أيام الإمبراطوريات الكردية القديمة و مروراً بالدويلات الكردية في العهد الإسلامي ، الأموي و العباسي و صولاً إلى العهد العثماني و الصفوي التي استمرت فيها هذه الدويلات حتى أواخر القرن التاسع عشر ، ليعبر عن نفسه بحلة جديدة ألا وهي الدولة القومية ذات الهوية الكردستانية و بين الحلمين غابت الهوية الوطنية ، و باعتبار أن العرب استطاعوا فرض أنفسهم نوعاً ما على الساحة الجيوبوليتكية لظروف موضوعية و لربما ذاتية و التقاء المصالح بينهم و بين القوى العظمى تم فرض الهيمنة العربية بمساعدة هذه القوى على تلك الكيانات المصطنعة و مكوناتها و على رأسهم الكرد بمختلف الوسائل السياسية تارة و العسكرية تارة أخرى و يمكن أن نذكر على سبيل المثال لا الحصر الهجمات المشتركة التي كانت تشنها القوات العربية العراقية على القرى الكردستانية بمساعدة الطائرات الانكليزية و حالة التمييز التي كانت تمارسها الأحزاب العربية القومية ضد الشعب الكردي في سوريا انطلاقاً من إيديولوجيتها العروبية التي رُسمت ملامحها في مؤتمر قرنايل في لبنان و التي تبلورت بشكل أكثر وضوحاً في أواخر خمسينات و منتصف ستينات القرن الماضي و هكذا تحولت طبيعة العلاقة الطردية بين الخطابين الكردي و العربي إلى علاقة عكسية متناقضة .
و انطلاقاً من ذلك يمكن تشخيص الحالة السياسية للأمة الكردية في أجزائها بصيغ تعبر عن حقيقة واقع كل جزء بالاستناد إلى التاريخ ، فعند وصف الحالة الكردية في كل من تركيا و إيران فلا يمكن التعبير عنها إلا بحالة استعمارية من قبل الترك و الفرس باعتبار أن هذين الجزأين الكردستانيين هما بقايا الاستعمارين القديمين العثماني و الصفوي اللذان تقاسما كردستان في معركة جالديران 1514 م و تم رسم الحدود رسمياً في اتفاقية قصر شيرين 1639 م ، أما بالنسبة للجزء السوري و العراقي فلا يمكن وصفها بالحالة الاستعمارية لغياب الإرادة العربية في تشكيل كلا الكيانين المصطنعين و ان تم ضم ما تبقى من الأراضي الكردستانية اليهما بعد اتفاقيات الحدود بين فرنسا و بريطانيا و تركيا و لكن ليس انطلاقاً من المشيئة العربية بل من الإرادة الانكليزية – الفرنسية و التركية التي ظهرت في توازن القوى في المنطقة بظهور شخصية كمال أتاتورك الذي استطاع وضع حد للقوى المنتصرة و تأسيس الجمهورية ( التركية ) في العام 1923 .
و مع مرور الزمن ترسخت الحدود القائمة بتقسيماتها الحالية و خاصة في نهايات النصف الأول من القرن المنصرم فحدود الدولة السورية خضعت للتغيير لأكثر من مرة و ذلك على إثر الاتفاقيات الحاصلة بين الجمهورية التركية و فرنسا التي كانت مستعمرة لسوريا في العشرينات من القرن الماضي ، بل حتى سوريا داخلياً لم تأخذ شكلها الحالي حتى عام 1943 بعد ضم جبل الدروز إليها و قبل ذلك ضم دولة العلويين إلى سوريا في العام 1936 و مع كل ذلك بقى العنوان الأبرز هو غياب الإرادة الجماهيرية عن كل ما جرى مما أبقى الوعي الوطني غير متبلور بالإضافة إلى تعلق الذهنية العربية و الكردية بأحلامها في تحقيق دولتها الموحدة الكبرى ، الدولة العربية من المحيط إلى الخليج بالنسبة للقوى العربية و دولة كردستان الكبرى بالنسبة للقوى الكردية، فظهرت الكثير من القوى و الأحزاب السياسية العربية و الكردية تنظر لكلا المشروعين و ذلك انطلاقا من رفض واقع التقسيم المفروض على المنطقة غير أبهين لكثير من الاعتبارات التي تفوق قدراتهم السياسية و العسكرية و هذا ما بدا واضحاً في الخطاب السياسي العربي ، فالعرب كانوا خاضعين مباشرة للحكم العثماني فالمتغيرات التي فرضتها الحرب العالمية الأولى جاءت لصالح العرب – و إن كانت القوى العربية تعبر عن عدم رضاها – فقد أنشأت كيانات مصطنعة ذات أغلبية عربية و فرضت هيمنتها على باقي مكوناتها وعندئذ استأثر العرب بالحكم مما أبقى الحلم العربي يدغدغ نفوسهم و قد تجلا ذلك في الكثير من المؤتمرات و ما نتج عنها من برامج سياسية تصل لدرجة العنصرية و الشوفينية بحق الشعوب الأخرى القاطنة في المنطقة و هو قيد التنفيذ حتى الوقت الحالي على الرغم من التغيرات الحاصلة في المنطقة و خاصة بعد ثمانينات القرن الماضي ، فالذهنية السلطوية العربية السورية و المعارضة ما تزال متعلقة بأوهام الماضي غير قادرة على خلق نموذج سليم للدولة الوطنية لتسبح في فلك تشويه الوعي الذاتي للشارع العربي
لا تمت إلى الواقع و الحقيقة و تعميق الهوة بين كلا الخطابين السياسيين لتقتات عليه و يتجلى ذلك في الذهنية الأمنية في التعامل مع المسألة الكردية في سوريا انطلاقا من عقلية تشكيكية و تخوينية لكل كردي في سوريا رافضة التعامل مع هذه المسألة بمستواها السياسي ، بالمقابل لم يستطع الكرد التوفيق بين الحالة القومية و الحالة الوطنية مما خلق ارتباك شديدا في ممارساتهم النضالية ورؤيتهم الإستراتيجية للأفاق المستقبلية مما أدى إلى فرز خلل بنيوي على كافة الصعد و خاصة منها الاجتماعية فجاءت النتيجة على شكل قطيعة بين الحركة السياسية الكردية و حاملها الاجتماعي و ملامح هذه الأزمة بدأت تأخذ شكلاً أكثر وضوحاً للعيان و خاصة في العقد الأخير .
و الآن بعد أكثر من تسعة عقود مازالت الدولة الوطنية بعيدة المنال و الوعي الوطني أسيراً في ظل السياسات القائمة و الممارسات الشوفينية بحق كافة مكونات الشعب السوري و في مقدمتهم الشعب الكردي في سوريا الذي يعتبر نفسه جزءاً جوهرياً من هذا الكيان و الذي جعل من الوطن خياراً استراتيجياً له و العمل من أجل الارتقاء بالوعي الوطني إلى أعلى مصافه ، لكن السياسات السلطوية تقف حجر عثرة أمام تبلور هذا الوعي و تأبى الواقعية في التعامل مع باقي المكونات مما يخلق حالة من التوتر لتطغى على الشارع السوري عموماً و الكردي خصوصاً ، فغياب الرؤية لأفاق الحل للحاضر السوري سيعقد المشكلة أكثر فأكثر في المستقبل ، في تفتيت و تشتيت الداخل السوري لتفتح المجال لوقائع و سياقات يصعب التنبؤ بها و السيطرة عليها و للأسف مع مرور الزمن تزداد الهوة اتساعاً و عمقاً و يبقى العنوان الأبرز هو انعدام الثقة بين كافة مكونات شعبنا السوري من جهة و بين هذه المكونات و السلطة من جهة أخرى لانعدام سبل التفاهم حول قضايا مصيرية لا تتعلق بالسلطة فقط بل بالوطن أجمع ، فالمنطقة مقدمة على تغير في الكثير من المفردات السياسية الكلاسيكية التي كانت سائدة إبان الحرب الباردة سواء على المستوى العالمي أو على المستوى الإقليمي ، فلا بد من طي صفحة الماضي و الانفتاح على الحاضر و الواقع السوري بأوسع أبوابه و الاعتراف بخصوصية كل مكون من مكوناته (الثقافية و الاجتماعية ……الخ ) و ذلك من خلال عقد اجتماعي وطني جديد يعبر عن رؤية جديدة لهذا الوطن على قاعدة إن سوريا لجميع السوريين .






