جيكرخون عليوبعد سقوط نظام البعثي في العراق في 2003 وبروز دور الحركة الكردية في العملية السياسية والتي أصبحت لاعبا رئيسيا على المسرح العراق السياسي وبدا يتحقق الحلم الكردي في الفيدرالية أو دولة مستقلة، واحتمال تأثير هذا الوضع الجديد في العراق على أجزاء الكردستان الأخرى في تركيا و إيران وسوريا، وكما رأينا كيف عارضت الدول الثلاث قرار الحرب على العراق وفيما بعد تدخلات تلك الدول في العراق لإفشال مشروع العراق الجديد، وعندما رأت تركيا بأن رفضها لم يؤثر في قرار الحرب وباتت مجبرة على التعامل مع الوضع الجديد بادرت حكومة العدالة والتنمية إلى التركيز على كردستان الشمالية لتخفيف من حدة التأثيرات التي ستأتي من العراق الفيدرالي وذلك من خلال العمل على تنمية المنطقة اقتصاديا وتحسين الظروف المعيشية للمواطنين وتخديم المنطقة في المجالات العديدة من المواصلات و الصحة وسمحت بتداول اللغة الكردية و تدريسها في المدارس وسمحت بنشر الكتب و الجرائد و المجلات باللغة الكردية و أخيرا بث فضائية باللغة الكردية ، هذا كله لا يعني بأن الحكومة التركية أنجزت المستحيل أو أنها قدمت حسنة للشعب الكردي بل أن حقوق الشعب الكردي يتجاوز كثيرا ما قدمته أو تقدمه الحكومة التركية ، ولكن مغزى الحديث هو أن الحكومة التركية تعاملت بعقلانية مع المتغيرات الإقليمية وحاولت إغلاق الأبواب أمام أي مبرر لإثارة القضية الكردية بشكل مباشر بل أن سياستها اعتمدت التدرج في الانفتاح على المجتمع الكردي بحيث يقلل من المعارضين داخليا لهذه القضية (القضية الكردية ) التي عمل كل الحكومات المتعاقبة منذ تأسيس الدولة التركية الحديثة على صهر القومية الكردية في البوتقة التركية وذلك بكافة الأدوات و الأساليب و في النهاية لم تفلح كل محاولاتها في إمحاء الهوية الكردية وإظهار الشعب الكردي على أساس أنه شعب متوحش و بربري وفي الحقيقة أن هذا الميراث الهائل من التشويش على حقيقة الشعب الكردي سوف لن يمحى من ذاكرة المجتمع التركي بسهولة بل يتطلب زمنا حتى يزول ، واقتنعت الحكومة التركية في النهاية بأن سبيل الحل هو الاعتراف بوجود الشعب الكردي و بخصوصياته القومية و التاريخية و الثقافية وهذا ما تحاول فعله الحكومة التركية بقيادة أردوغان ، وبكل التأكيد هذا لن يسعد القوميين و المؤسسة العسكرية وهم أيضا سوف يستمرون في مخططاتهم لإفشال الحكومة التركية في إيجاد أي حل يرضي طرفين، وأن قرار وقف إطلاق النار الذي أعلنه الحزب العمال الكردستاني هو من عمق المصلحة الكردية ويجب الاستمرار على هذا الشكل حتى لا تعطي أي مبررات للمؤسسة العسكرية و القوميين الأتراك لكي ينقضوا على محاولات الحكومة التركية في إيجاد الحل للقضية الكردية ، وعند عودتنا إلى عام 2003 و دراستنا لموقف كلٌ من النظام السوري و الإيراني تجاه المتغيرات التي حصلت في العراق نرى بأن كِلا النظامين عملا على ممارسة القمع و الاضطهاد بشكل مفرط مما وَلَدَ مزيدا من الضغط و الاحتقان في المجتمع الكردي في سوريا و إيران وأدى في النتيجة إلى اندلاع الانتفاضة في سوريا وحصول بعض الاشتباكات بين الشعب الكردي و النظام الإيراني ، إن تعامل النظامين مع القضية الكردية بخلاف الحكومة التركية كان خطأً فادحا ارتكباها ، وذلك لأن اللاعب الرئيسي في هذه اللعبة هو الجمهورية التركية، وهذا اللاعب هو الذي يقرر سير اتجاه الأمور وليس النظام السوري وإلى حد ما النظام الإيراني ، ولكن النظام الإيراني إلى حد ما يجيد اللعب و التعامل مع القضية الكردية ومثالا على ذلك تسمية إحدى المحافظات الإيرانية بـ كردستان و في الفترة الأخيرة تدريس اللغة الكردية في الجامعات إلى جانب لغات أخرى .
إن تصريحات الأخيرة للرئيس التركي عبد الله غول حول ضرورة إيجاد حل للقضية الكردية في تركيا دق ناقوس الخطر في دمشق و طهران ، وأعتقد أنه الآن دمشق و طهران في ورطة حول كيفية التعامل مع الوضع الجديد ، وإذا كان قد خفت وتيرة القمع على الشعب الكردي منذ حوالي شهرين تقريبا فهذا لا يعني بأن النظام السوري قد استفاق من غيبوبته الطويلة بسبب وخذه من الضمير أو أنه استعاد إنسانيته والآن يود التعامل بإنسانية مع قضية شعب مضطهد منذ أن استولى على الحكم ، بل أن ما يجري هو نتيجة ظهور ملامح السياسة التركية بشكل واضح وبشكل يخيب قناعات النظام السوري في التعامل مع القضية الكردية ، وهنا يبرز بشكل واضح دور الحكومة التركية تجاه القضية الكردية بشكل إيجابي و لكن علينا أن لا ننسى بأنها ( الحكومة التركية ) تعمل كل هذا لحفاظ على مصالحها ولأن مسار السياسة الدولية يجبر السير هكذا وإلا النموذج العراقي يحضر بقوة في المنطقة ، والعبرة لمن ….
.
إلى هذه اللحظة أجاد الحكومة التركية الدور ، ولكن السؤال الأهم هل الحركة الكردية ستجيد التعامل مع الوضع الجديد وتحول أحلام الكرد إلى الحقيقة ومأساته إلى بطولات بدلا من خيبات أم أنها سوف تفوت الفرصة على الشعب وتعيد إلى إليه ذكرياته عن السجون و المذابح و المقابر الجماعية والهجرات المليونية والتعريب و حلبجة ؟ .
cegereli@hotmail.com






