قتلت حياة ومنحت قناة

  فرحان كلش

يبدو أن الحكومة التركية المتأزمة تحاول مرة أخرى أن تخرج الفيل من ثقب الإبرة، ولو جاء المشروع على حساب كسر الإبرة وموت الفيل.
فقد قامت ببث قناة تلفزيونية كمشروع ثقافي كردي طال انتظاره، ولو كتب كل كتاب العالم تحقيقات ودونوا المقابلات وسيناريوهات الأفلام …..الخ بالحبر لن يضاهي كماً ما أريق من دماء بسطاء قرية كردية واحدة.

ولكن لماذا في هذا التوقيت بالذات هذا أولاً وثانياً ما الغاية من المشروع أصلاً وهل هي فعلاً قنال كردية شكلاً ومضموناً وهل تشكل بديلا أو حتى صورة للحقوق الثقافية كجزء من الحقوق المشروعة الكاملة؟
لماذا قناة بهذا الشكل الآن؟
هناك أسباب داخلية دفعت بأردوغان وحزب العدالة والتنمية والذي شعر بالنيران تحرق أطراف أصابعه حيث بدأت مدرسة المكر الأتاتوركية الحديثة بوضع آليات الخروج من المأزق, وأن الانتخابات البلدية المقبلة لن تكون سهلة تماماً, وأنها ستكون عبء على هذا الحزب ولن تكون وفق حساباته وأحلامه لذلك بدأت منذ الآن باللعب على الوتر العاطفي (أزمة الأكراد التاريخية) لمواجهة حزب المجتمع الديمقراطي الذي بدأ يطرح قوائمه الانتخابية ودعايته مبكراً,وهذا التنافس الشديد يؤكد أهمية الدور الكردي في رسم الخارطة السياسية في تركيا,ورغم عدم فاعلية هذا الدور باتجاه القضية الكردية على الأقل حتى الآن بالشكل المفترض (كما أعتقد) إلا أن ذلك لا يمنع أن موازين القوى السياسية سوف تتحدد حسب ميل الناخب الكردي,وبالتأكيد ستعمل قوى السلطة على استخدام ورقة الدين الحيوية في الوسط الاجتماعي الكردي,وسوف تحرك الميليشيات الكردية والكثير من الزعامات العشائرية المرتبطة بها لحرف الناخب الكردي,وهنا بالضبط (في مثل هذه الانتخابات) يحدد إلى حد بعيد مستوى استيعاب الفرد الكردي لقضيته حيث اختياراته ستكون بمثابة بارومتر مستوى وعيه تجاه هذه المسألة.
 كما وأن هناك أسباب دولية تدفع بتركيا إلى اختيارات خاصة خارج تفكيرها النمطي فهي تحلم بالاتحاد الأوروبي وتحاول الاحتيال على مطا لب الأوروبيين فيما يتعلق بمسائل حقوق الإنسان والقضية الكردية من خلال طرحها لورقة (القناة الكردية) وستُظهر نفسها بالمتجاوبةَ مع الطرح الأوروبي بشكل يساهم في تبييض صفحتها السوداء.
ما هي صلة القنال بالحقوق الثقافية الكردية؟
إن بث هذه القنال كمن يضع العربة أمام الحصان, فالمطلوب اعتيادياً هو الاعتراف الدستوري والقانوني بالحقوق الكردية الثقافية (كجزء من حقه في تقرير مصيره) ثم ليكون البث التلفزيوني والإذاعي وتعليم وتعلم اللغة الكردية…..الخ كنتائج طبيعية لممارسة هذا الحق الدستوري المفترض,ثم فلنطرح التساؤلات البريئة التالية:
– من يمول هذا المشروع ثم أليس الممول هو الذي يتحكم بالمسارات الفكرية بهكذا مشروع إعلامي.
– ماذا ستسمح به السلطات التركية ببثه عبر هذه القنال, كما لاحظت من خلال متابعتي لبرامجها إلى الآن ولا أظنها ستخرج من هذا المدار:
– أفلام تركية قديمة مدبلجة وكأن الأكراد يعيشون في عصور ما قبل التاريخ لتعرض لهم هذه الأفلام الباهتة حتى بألوانها ,أنها من مخلفات (عصر السلاطين العثماني).
-أفلام رعب من التراث ,ربما أن الأكراد ينقصهم إرهاب ورعب,ثم من ينسى أفلام الميت والجندرمة الأعرف حتى من هتشكوك في إخراج أفلام رعب من لحم ودم.
– أحاديث وسهرات حول التاريخ الكردي الداخلي بعيداً عن أنظمة الدم والاغتصاب,إنها مغامرات فرسان القتل المحلي الضيق,إنهم يعيدوننا لذكريات الصراع العشائري البالي والذي أرجوا أن يكون خلفنا.
– إلى ماذا يوحي اسم القنالTRT6  راديو وتلفزيون تركيا القنال السادسة, حتى أنهم استكثروا اسم كردي , على الأقل لتكتمل اللعبة, إنه استخفاف كبير بعقولنا وعواطفنا.
وإذا ألقينا هذا المشروع المضحك المبكي إلى الطبخة السياسية التي قد تنضج قريباً وشخصياً لا أتمنى ذلك ,فأعتقد أن المشروع يقابل أحد الرؤوس فحذار من الفخ التركي.

Dilyar.2006@hotmail.com

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبداللطيف محمد أمين موسى تُشير كافة التقارير والأبحاث والدراسات المتعلقة بالأمن الاستراتيجي والقومي، الصادرة عن أهم مراكز الأبحاث والدراسات وخبرائها، إلى إمكانية عودة التصعيد الشامل، وبصورة أكبر وأكثر تأثيراً، إلى المنطقة. كما تؤكد أن هذا التصعيد سيختلف عن حرب 12 يوماً وحرب 28 فبراير من حيث التأثير على أمن المنطقة وأمن الطاقة، بسبب تعقيدات هذه الأزمة، ولاسيما الأبعاد…

فيصل اسماعيل على امتداد العقود الماضية، لم تكن العلاقة بين الكرد وبعض عشائر الجوار العربية مجرد خلافات عابرة فرضتها ظروف سياسية مؤقتة، بل مرت بمحطات تركت جراحًا عميقة في ذاكرة أبناء المنطقة. فمنذ تطبيق مشروع الحزام العربي، مرورًا بأحداث قامشلو عام 2004، ثم سنوات الحرب السورية، تراكمت أحداث ساهمت في تعميق فجوة الثقة بين الجيران، ودفعت ثمنها جميع المكونات دون…

يتابع منتدى الكلمة الحرة بقلق بالغ الدعوات إلى إقامة خيمة حرب في بلدة الميلبية جنوب محافظة الحسكة، ويؤكد أن مثل هذه الخطوات لا تخدم مصلحة الوطن، بل تعيد إنتاج خطاب الصراع والانقسام في وقت يحتاج فيه السوريون إلى ترسيخ ثقافة الحوار والتعايش. لقد أنهكت سنوات الحرب أبناء سوريا جميعًا، وخلفت مآسي إنسانية وخسائر كبيرة، ولم يعد هناك ما يبرر العودة…

كفاح محمود في الطب، لا تُعد الحمى مرضًا بحد ذاتها، بل رسالة يبعثها الجسد ليقول إن شيئًا غير طبيعي يحدث في داخله، إنها إنذار مبكر، يعلن أن معركة تدور بين جهاز المناعة وسبب خفي، قد يكون فيروسًا أو بكتيريا أو التهابًا، لذلك لا ينشغل الطبيب بخفض الحرارة وحده، بل يبحث أولًا عن مصدرها، لأن اختفاء الحمى لا يعني دائمًا زوال…