«تصعيد خطير» أم خطر ماحق؟؟

عمر كوجري

   وسط تحركات مكوكية للدبلوماسية التركية لتأخذ الطابع الدولي، وبمباركة علنية من الولايات المتحدة، ومنذ أكثر من شهرين الطائرات والدبابات والمدافع التركية تدكُّ جبال كردستان، وتحدث اختراقات يومية للسيادة العراقية بدعوى تعقب عناصر حزب العمال الكردستاني الذي تتمركز جل قواته في المناطق الوعرة، وفي أعلى الجبال القريبة من حدود كردستان العراق، وتركيا.
  لكن تصعيداً خطيراً حسب وزير الخارجية العراقية هوشيار زيباري في لقائه مع قناة العربية الفضائية حَدَثَ منذ الحادي والعشرين من هذا الشهر – وهو ما كان متوقعاً بالفعل – حيث اجتاحت القوات التركية أرض كردستان العراق، وبالأسلحة الثقيلة والمعدات الحربية الكبيرة وعشرات الآلاف من الجنود المجهزين بأحدث الأعتدة، وكأن هذه الحشود الضخمة ستحارب دولة عظمى على مقاس الولايات المتحدة لا بضعة آلاف من المقاتلين الكرد المتمركزين في أخاديد الأودية العميقة، و ذؤابات الجبال الضيقة، وفي هذا الجو الشتائي القاسي حيث تعلن الطبيعة أنها أقوى من الجميع، ولا تمنح الثلوج مجالاً لأي كائن بالتحرك.

  الخوف كل الخوف هو أن هذه القوات لم تحشد من أجل عناصر الكردستاني، وهذا طبيعي، فالجميع في أنقرة، ينظرون إلى التحوُّل السياسي، والمنجز على الأرض في كردستان العراق بعين الريبة وعدم الارتياح، ويتربصون لإفشال هذه التجربة بأي شكل، لئلا تصل العدوى إلى عقر دارهم، ويحصل مال يحمد عقباه بحسب قصور الرؤية عند أحفاد أتاتورك، وآرائه الفاشية، بخصوص الاعتزاز بالعنصر التركي، واعتبار ما عداه رعاعاً، وأفاقين يستوجب محوهم من الأرض التركية.
   الإدارة السياسية التركية متمثلة بحكومة أردوغان الذي يدَّعي الإسلام المعتدل في مغازلة مكشوفة، ومفضوحة مع الحليفة القديمة الجديدة أمريكا،والاتحاد الأوروبي، وكذلك المؤسسة العسكرية المتمثلة برئاسة الأركان التركية المتخوفة من مستقبل العلمانية التي أرسى دعائمها مصطفى أتاتورك، ومن أطروحات حزب التنمية والعدالة الدينية، وبمؤازرة واضحة لطيف كبير من كرد تركيا للأسف، هذا الطيف الذي لم يكشف حجم الخداع والزيف الذي مارسه الحزب المذكور، وصدق الوعود المعسولة للجنرال الذي يتزيَّا بالثوب المدني أردوغان، في تصريحاته الهادئة و« العقلانية» في بعض جولاته الدعائية في كردستان تركيا وخاصة في مدينة آمد الكردية، هاتان الإدارتان السياسية والعسكرية تخططان وسط هذا التحشد غير المبرر، واللامنطقي إلى ضرب كرد العراق، وإلا ماذا يعني ومنذ اليوم الأول للاجتياح نسف خمسة جسور في عمق أرض كردستان العراق، في رسالة واضحة إلى القيادة السياسية في كردستان العراق بضرب البنية التحتية، والمرافق العامة، والشرايين الحيوية التي أقامتها حكومة كردستان العراق في السنوات الأخيرة، حيث نفذت مشاريع كبيرة مقارنة مع الوضع القائم هناك، والإمكانيات المتواضعة، وفي ظل جغرافيا إقليمية غير مرتاحة من التطورات هناك، ولا تخفي عداءها السافر والعلني لمجمل التجربة، وشهد لذلك التطور العمراني، والمؤسساتي، والتربوي والخدمي كل من زار كردستان.
     بطبيعة الحال لم تسلم القصبات، والقرى الكردية في العمق الكردستاني من ضربات الجيش التركي منذ أن أعلنت تركيا خوض الحرب المفتوحة مع حزب العمال الكردستاني، وإلى الآن في وقت تصم الأسرة الدولية والجامعة العربية آذانها عن احتجاجات كرد العراق عن ذلك التدخل السافر، وكأن الكل اتفق بصورة مضمرة وأحياناً جاهرة على إلحاق الأذى بصورة الكرد في كردستان العراق، ومنجزات الإنسان الكردي التي رويت بدماء الشهداء حتى تحقق للكرد ما تحقق.


  التطور الأخير خطير جداً، بل هو الخطر الماحق بعينه، ويبدو أن كل هذا التحرك، وكل ما سبقه هو بروفات صغيرة للقيام بعمل أضخم، ومناقض لكل التوقعات
    تركيا بهذه الخطوة والعدوان الأخير تجس نبض المجتمع الدولي، فإذا مر الاجتياح بسلام، لن تعود القوات التركية بالسرعة المأمولة إلى أنقرة، وستكون أمامها مهمة أخرى  غير مهمة تعقب قوات الكردستاني، وستنفذ أجندتها المختصرة بنسف الحلم الكردي كما كانت شهيتها مفتوحة لنسف الجسور الخمسة.
  تركيا – إن تسنت لها الظروف-  وهو ما لا نتمناه، ستعيد البيشمركة إلى الجبال، وستشرد الكرد من جديد، وهذا ما ستطمع به، وستؤمن « حياة مستقرة » للعنصر التركماني، وستضخ كل البترول المستخرج من آبار كركوك الغنية بها باتجاه أنقرة، وستفكر بضم الموصل إلى الأرض التركية…
وهنا يبقى السؤال : هل الكرد جاهزون لهذا « التصعيد الخطير» ؟؟
    الأمر بهذا الشكل، لم يعد يتعلق بعناصر الكردستاني، التجربة الكردستانية مهددة بالكامل، هل الوعيد الذي أطلقته القيادة الكردستانية واقعي وجدِّي في ضرب العمق التركي، وحرق تركيا إذا حصلت اجتياحات لكردستان – وهذا ما حصل اليوم –
    هذا الوعيد الآن على المحك، والمطلوب تحركاً سريعاً على مستوى الكرد عامة، لا كرد العراق فقط ..
الحلم الكردي الآن في خطر ماحق ..

في هذا الوضع إما نكون أو لا نكون.

emerkoceri@gmail.com           

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالجبار شاهين أحياناًعندما ننظر إلى واقعنا السياسي اليوم يصعب تجاهل شعور متراكم بأن الامور لم تعد مجرد اختلافات سياسية عادية. هناك شيء أعمق تشكل مع الوقت نوع من الانقسام الذي تسلل إلى طريقة التفكير نفسها وليس فقط إلى المواقف. كثير من الناس خاصة الاجيال التي نشأت في ظل هذا المشهد أصبحوا يعرفون انفسهم أولا من خلال الانتماء السياسي قبل…

عمر إبراهيم في زمن الانقسامات الحادة والأزمات المتشابكة التي تعصف بسوريا، جاء مؤتمر وحدة الصف والموقف الكردي في روج آفا في قامشلو حدثاً سياسياً مهماً أعاد الأمل بإمكانية تجاوز الخلافات وفتح صفحة جديدة من العمل المشترك. وقد أتى انعقاد المؤتمر في مرحلة كانت سوريا تعيش فيها حالة من الفوضى الأمنية، وانتشار السلاح، وتصاعد موجات العنف وعدم الاستقرار، ولا سيما…

حسن قاسم يتردد في الآونة الأخيرة الحديث عن تشكيل مرجعية سياسية للكورد في سوريا، وهي فكرة تستحق الاهتمام والدعم إذا ما جرى التعامل معها بجدية ومسؤولية وطنية، لأن الشعب الكوردي يعيش منذ سنوات حالة من التشتت السياسي وخيبة الأمل نتيجة فشل معظم المشاريع والمحاولات السابقة، بدءاً من الاتفاقات البينية، مروراً بالمبادرات المختلفة، وانتهاءً بكونفرانس نيسان الذي لم يحقق ما كان…

اكرم حسين   عامٌ مضى على كونفراس وحدة الصف والموقف الكردي، كاشفاً بامتياز حجم التحديات التي تعترض العمل القومي الكردي، وفي الوقت ذاته مدى الحاجة الملحة إلى مشروع وطني كردي جامع يتجاوز الحسابات الضيقة ويؤسس لمرحلة جديدة من الفعل السياسي المسؤول. لقد قيل الكثير في نقد الكونفراس ، وربما كان في بعض هذا النقد جانب من الحقيقة، لكن الإشكالية…