درويش محمىd.mehma@hotmail.com
اختلاف المصالح والاهداف بين جنرالات الجيش التركي والحكومة الاسلامية ما زالت قائمة والتحدي لم ينتهي بعد، وما شاهدناه من خصام شرس بين الطرفين قبل الانتخابات لم يكن سوى جولة من الصراع المرير بين اتباع الاتاتوركية والقوميين الترك بقيادة الجيش التركي من جهة، وخصومهم في الحكومة الاسلامية وانصار تركيا المدنية الديمقراطية من جهة اخرى.
لا يمكن تجاهل الاختلاف والتناقض التركي ـ التركي الداخلي وفصله عن مجريات الازمة الحالية بين تركيا واقليم كردستان العراق، كذلك الامر بالنسبة الى التناقضات الكردية ـ الكردية، فهي لا تقل اهمية عن التناقضات التركية ـ التركية لفهم الازمة الحالية، فاشكالية تواجد حزب العمال الكردستاني على اراضي اقليم كردستان العراق، وفشل الحزب المذكور خلال حربه المتقطعة الطويلة ضد الجيش التركي في الانتقال الى الطرف التركي من كردستان، تبقى اشكالية قائمة تؤرق العديد من الاطراف، ولعبة الشد والجذب السياسة بين حكومة اقليم كردستان وتركيا في عملية استخدام حزب العمال الكردستاني كورقة ضغط رابحة يمكن استخدامها من قبل هذا الطرف او ذاك في الوقت المناسب، يبدو انها قد وصلت الى نهاياتها وتشبه كثيراً الحالة السورية ـ التركية في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي في طريقة التعامل مع حزب العمال الكردستاني، حيث كان يتلقى هذا الاخير الدعم الكامل من السلطات السورية على مدى عقدين من الزمن، بهدف استخدام الورقة الكردية التي انفرد حزب العمال الكردستاني بتمثيلها للضغط على تركيا في مسألة مياه الفرات، وفي الطرف التركي كان لحكام تركيا اجندتهم الخاصة في تلك المرحلة، حيث تم افراغ الاف القرى الكردية من سكانها، وتم تشكيل مجموعات مسلحة من الكرد سميت “بحماة القرى” لتبقي على الصراع المسلح كردياً خالصاً في معظم الاحيان، واستمرت الحالة لنهاية التسعينات حيث انتهت اللعبة بعقد صفقة ثنائية بين الطرفين التركي والسوري، اوقفت بموجبها جميع نشاطات العمال الكردستاني على الاراضي السورية، وتم ابعاد زعيمه الاوحد “عبد الله اوجلان” ليتم اعتقاله لاحقاً في عملية استخباراتية دولية غامضة.
بقدر ما تحمله الازمة الحالية بين اقليم كردستان وتركيا من تعقيدات، فهي تتعدى كذلك ما يصرح به في العلن، وتتجاوز بكثير قضية تواجد بضعة الاف من عناصر العمال الكردستاني في اقليم كردستان العراق، الانجازات المختلفة لكرد العراق من فدرالية كردية دستورية وتفعيل حقيقي للدور الكردي في الحكومة المركزية والمشاركة الكردية الفعالة في اتخاذ القرارات المصيرية على الساحة العراقية، تلك الانجازات تشكل محور الازمة التركية الكردية القائمة، والهاجس التركي هذا لا يقتصر على تيار او طرف تركي دون اخر، على اختلاف مذاهبهم واتجاهاتهم السياسية، لكن في نفس الوقت من السذاجة وضع كل الترك في سلة واحدة، فقيم تركيا الكمالية لم تعد وبالاً على الكرد فقط، فبمرور الزمن اصبح احفاد اتاتورك انفسهم يعانون من الاتاتوركية المترهلة وسطوة العسكر التركي وتدخلهم الفظ في السياسة وانقلاباتهم العسكرية المتكررة بحجة الحفاظ على قيم الجمهورية الاتاتوركية الاولى، لكل تلك الاسباب واسباب اخرى عديدة، ظهرت قوى تركية تؤمن بضرورة القيام بتغيير حقيقي في الحياة السياسية التركية، والحكومة الاسلامية الحالية تحسب على تلك القوى وربما تكون اكثرها اختلافاً مع الاتاتوركية، والتغييرات الدستورية التي كان من المتوقع الشروع في القيام بها من قبل الاكثرية النيابية الاسلامية لولا حدوث الازمة الاخيرة، انما كانت خطوة على الطريق الصحيح في بناء الجمهورية الثانية، وابعاد الجيش الى الابد عن الشأن السياسي التركي، فبين انجازات كرد العراق وبين تناقضات تركيا الداخلية، تثار اليوم قضية تواجد عناصر حزب العمال الكردستاني في اقليم كردستان العراق، لتكون حجة لاهداف ضمنية غير معلنة.
لا يختلف اثنان ان للاقليم الكردي مصلحة حقيقية في تجنب الوقوع في صراع مع تركيا “قدر الامكان”، خاصة بعد فوز الاسلاميين الاكثر تفهما ومرونة في التعامل مع الملف الكردي من اليمين القومي المتطرف وجنرالات الجيش التركي، اما حزب العمال الكردستاني التركي اجندته كانت ومازالت تختلف مع حكومة ومصالح كرد العراق، سواء قبل اعتقال اوجلان او بعد اعتقاله وسواء في سياساته القديمة الداعية الى استقلال وتوحيد كردستان او الجديدة الداعية لتحسين ظروف اعتقال الزعيم وفي احسن الاحوال اطلاق سراحه.






