الفجيعة المستمرة لصديقنا الكاتب خليل مصطفى.. ويستمرُّ العزاء الحِدَاد

 إبراهيم محمود
فوجئتُ اليوم برحيل والدة الشهيدين ” شهيديْ شبابهما، ووالديهما وأهلهما والحياة الكريمة في حدّها الأدنى “: حسين ورامان، من ضحايا شاحنة العار صيف 2015، زوجة صديقنا الكاتب المفجوع بعائلة كاملة الآن، تقريباً: خليل مصطفى. فجيعة مفتوحة، لا يبدو أن رصيدها سينفد، أن الذاكرة التي تنفلق في كل لحظة، لا يبدو أن هناك خاتمة مرسومة لها الآن. فجيعة لم أجد بداً من تسميتها، وأنا أستدعي مشهد الرعب ” رعب من كانوا في الشاحنة تلك ” وهول الصدمة بالنسبة لذوي الضحايا: الشهداء الفعليين، والحزن المهيب لوالد الشهيدين، وهو يحمَّل بحزن مضاعف، وتلك رفيقة دربه، مؤاسيته، مؤساة تنصب خريطتها الثقيلة الوطء مشرقاً ومغرباً.
وقلت ” فوجئتُ ” رغم يقيني شبه الكامل، أن المفاجأة لم تعد صالحة للاستعمال ومنذ سنوات، حيث ضروب الموت ومستجدات الموت، وأهوال المصائب تتزاحم، وهي تتقاسمنا هنا وهناك؟!
لم أجد بدّاً للتواصل مع الصديق الكاتب سوى بهذه الكلمات عزاءً موصولاً لا ينقطع، وبيننا، ما أقصرها من مسافة، لحظة محاولة التحرك والوصول، وأطولها من مسافة، لحظة التفكير في الطريق الوعْر والموعَّر بين دهوك وقامشلو، في حالات استثنائية كهذه، لشعب استثنائي عموماً، لبشر استثنائيين عموماً، لحياة استثنائية عموماً، لأناس لم يتم تسجيلهم بعد عموماً، في أكثر من رقعة جغرافية في منطقة جغرافية معروفة بحدودها، في خانة من يستحقون حياة تسمّيهم، ويتنفسونها كما يليق بهم.
تلك كتابة عزاء، مؤاساة،  حِدَاد من نوع آخر على وضع يومي، يشهد كل لحظة منه وفيه، أنّى التفت المتبصّر أكثر من شاحنة عار، بمعنى آخر في جهات ذاهلة. وأستميح الصديق الكاتب خليل مصطفى عذراً قبل أي كان، على نشْري صورة الوالدة المفجوعة وهي تستصرخ المتبقين بضمير حي ما، من أرشيف ذاكرة محفوظة، ومنشورة، هي صورة التي رحلت ربما سريعاً ” وأقولها بالمقياس البشري ” تحت وطأة حزن، لعلها لم تستطع تحمّله على مدار هذه السنين القصار الطوال، تاركة الزوج المفجع، أكثر من كونه مفجوعاً، قياساً إلى كثيرين من حوله، ولا أدري إلى أي مدى سيسنده ظهره ليستقيم على ” حِيله ” وقلبه ليستقيم على نفسه، وعقله ليستقيم على سويّته، وبصره ليستقيم على تميّزه للعالم من حوله، وهو متخم بإيمان، لا أشك فيه، إنما هي الصدمة الثقيلة التي تصدّع أحياناً جلمودها وفولاذ صبرها بالذات، وأنا هنا، كما لو أنني لست هنا واقعاً فيزيائياً، لا تمسكني أرض، حيث أرقبه من بعيد، قريباً جداً من ناظري، وهو يبث قهراً لا يورَّث إلى من يأتيه، أولا يستطيع القدوم إليه، على وقْع ” كورونا ” الأكثر مرارة، يأتيه أو يسمِعه صوته، وعن بُعد معزياً، بعبارة واضحة، أو متقطعة، أو بصورت متحشرج، تبعاً لمقام روح المعزّي، ووجه مأخوذ برهبة الفجيعة.
 
” من يستطيع ترجمة الوجه الأمومي المفجوع بكلمات، بكُتب كاملة ؟ “
 
” إلام ينظر هذا الأب/ الزوج الآن المفجوع بما لا يُرَد أو يعوَّض ؟ “
أكرر عزائي ” إن كان فيه ما يجدي، لأخي” ثلاثاً “: خليل مصطفى، وكل مفجوع مثله ، أكثر أو أقل، ومهما كان نوع الفجيعة: نوعاً وجنساً، مكاناً وزماناً، وعمراً وحالة، بما تيسَّر من القول الذي ليس لي سواه، كما لو أننّي أخفّف من فجيعة أعيشها، كما يعيشها كل إنسان، وليس كل كردي، في صحراء العالم المهلِكة والتي تتسع باضطراد .
كل ثانية وأنتم أكثر صلابة أبا حسين، كل ثانية وأنتم أثرى إيماناً خليل الصبر، عزائي لكم في المتبقي عائلياً، لأهلكم، لمحبّيكم، لكل من يزن قول العزاء بما يواسي إنسانياً، أنّى كان .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. محمود عباس مؤتمرات التفكير بدل مؤتمرات الوحدة الشكلية. ليست مشكلة الحراك الكوردستاني اليوم في غياب شعار الوحدة، بل في الطريقة التي جرى بها فهم هذا الشعار وممارسته. فالوحدة الكوردية كانت، وما تزال، من أكثر الشعارات حضورًا في الخطاب السياسي الكوردي، غير أن كثرة الحديث عنها لم تُنتج، في أغلب الأحيان، واقعًا سياسيًا موحدًا بقدر ما أنتجت سلسلة متكررة من…

صلاح بدرالدين نشرت صحيفة – جمهوريت – التركية مؤخرا عن ” لقاء كل من مظلوم عبدي ، والهام احمد بعبدالله اوجلان في ايمرلي بشهر آذار المنصرم ” ، في وقت تجري تحضيرات للقاء جديد بعد ، تلميحات وتصريحات سابقة عن علاقات حسنة بين مسؤولي جماعات – ب ك ك – السورية من جهة والسلطات التركية من الجهة الأخرى ، ومنذ…

حاوره: عمر كوجري قال محمد إسماعيل سكرتير الحزب الديمقراطي الكوردستاني- سوريا، ورئيس المجلس الوطني الكوردي في سوريا إن فشل كونفرانس «وحدة الموقف والكلمة الكوردية» هو نتيجة تراكمات سياسية وتنظيمية عميقة. من أبرز هذه الأسباب غياب الإرادة السياسية الحقيقية وروح الشراكة لدى بعض الأطراف، حيث بقيت الحسابات الحزبية الضيقة متقدمة على المصلحة القومية العامة، فقد تمّ الدفع بما يسمّى…

اكرم حسين تشكل القضية الكردية في سوريا أحد أبرز التحديات السياسية والاجتماعية التي تواجه سوريا الحديثة، وهي قضية متجذرة في التاريخ وتعكس تعقيدات التركيبة الديمغرافية السورية. فالقضية الكردية ليست مسألة أقلية عرقية تبحث عن الاعتراف بهويتها ، بل هي قضية وطنية بامتياز تمس نسيج المجتمع السوري وتؤثر على مستقبل الدولة السورية ككل. إن فهم البعد الوطني لهذه القضية يتطلب تحليلا…